بين الفن والسياسة، تتجدد معركة المقاطعة الثقافية على وقع حرب غزة. إذ تحوّل «مهرجان مرسيليا الدولي للسينما الوثائقية» إلى ساحة مواجهة بين أنصار المقاطعة الثقافية والتطبيع، بعدما قاد انسحاب سينمائيين عرب ودوليين احتجاجًا على تكريم المخرج الإسرائيلي نداف لابيد إلى حملة إعلامية فرنسية واسعة. كما برز «نداء الجنوب» دفاعًا عن المقاطعة ورفضًا لازدواجية المعايير في المؤسسات الثقافية الغربية
عاد الغرب إلى ضلاله القديم في محاولة تحويل الظالم إلى ضحية، والمظلوم إلى جانٍ، بطرق إعلامية مخادعة لم تعد تجدي في ظل الانفتاح المعلوماتي والرقمي الذي يعيشه العالم.
يسعى الغرب عبر إعلامه إلى نزع القضايا من سياقاتها الطبيعية، فبعد إعلان «مهرجان مرسيليا الدولي للسينما الوثائقية» (FID) التراجع عن عرض فيلم لمخرج إسرائيلي وتكريمه على هامش المهرجان، استجابةً لضغوط سينمائيين هددوا بسحب أفلامهم من المهرجان، شنت وسائل إعلام فرنسية حملةً ممنهجة ضد هؤلاء المخرجين والفنانين، محولة النقاش من حقهم في المقاطعة الثقافية نصرةً لضحايا الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، إلى إدانتهم بسبب عدم قدرتهم على الفصل بين السياسة والفن.
في مواجهة الغرب الصهيوني... كلنا جنوب
مع بداية الإعلان عن تحضيرات وبرنامج مهرجان مرسيليا الذي اختتم قبل أيام (الأخبار 11/ 6/2026)، واجهت الأوساط الثقافية الفرنسية والغربية أحد أعنف النقاشات الفكرية والسياسية في الآونة الأخيرة.
بناء على التطور الأخير، أصدرت مجموعة من المثقفين والسينمائيين من دول الجنوب العالمي بيانًا بعنوان «نداء الجنوب»؛ أكّد رفضهم القاطع لسياسة «التدجين الثقافي» والنظرة الاستعلائية الاستعمارية التي ما تزال تحكم المؤسسات الفنية في فرنسا. ووقّع على البيان مئات الفنانين، والمثقفين، والباحثين المنتمين والمنحدرين من بلدان الجنوب من أفريقيا، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية، وآسيا، مع حضور لافت لمثقفين من العالم العربي، خصوصًا لبنان وسوريا في وقت تواجه فيه البلدان محاولات وضغوط دولية لقبول التطبيع والتعامل مع «الإسرائيلي» تحت عناوين مختلفة.
استقالات في لجنة التحكيم ورضوخ في الختام
مع انطلاق فعاليات المهرجان، لم تكن المعركة أقل زخمًا؛ إذ تُرجم التفاعل مع المقاطعة إلى استقالة اثنين من أعضاء لجان التحكيم رسميًّا، بينهم المخرجة البرازيلية آنا فاز التي نشرت رسالة تنديد بانحياز الإدارة للمخرج الإسرائيلي على حساب المقاطعة الأخلاقية. ورغم إعلام المهرجان سحب المخرج الإسرائيلي نداف لابيد لفيلمه وإلغاء جلسة تكريمه تحت ضغط المقاطعة، إلا أنّ عددًا من المخرجين تمسّكوا بموقفهم الرافض للمشاركة لعدم إعلان إدارة المهرجان صراحةً عن موقفها من المقاطعة. وخلال أيام المهرجان، تكررت المداخلات المناصرة لفلسطين والمقاطعة في كلمات أصحاب الأفلام أثناء عروضهم.
في اليوم الأخير، رضخت إدارة المهرجان للأصوات المناهضة للإبادة الجماعية، ومنحت المنصة رسميًا لمجموعة «فلسطين تنقذ السينما»، التي ألقت كلمة ختامية وجّهت فيها تحية شكر واعتزاز إلى السينمائيين الذين انتصروا للمقاطعة، مطالبةً المؤسسات الثقافية بتحمل مسؤوليتها.
مرسيليا ميدان جديد لحرب «غزة»
الشرارة الأولى للأزمة انطلقت من أروقة مهرجان مرسيليا؛ حين أقدمت نخبة من أبرز صناع السينما والمنتجين العرب والدوليين من بينهم هالة العبد الله، وعصمت أميرالاي، وغسان سلهب، ومحمد سويد، ونارييمان ماري، وفاطمة الشريف على خطوة جريئة تمثلت في «سحب أفلامهم جماعيًا من المهرجان».
جاء هذا الانسحاب ردًا على إصرار إدارة المهرجان على تكريم المخرج الإسرائيلي نداف لابيد، مما اعتبره المنسحبون انخراطًا صريحًا في منظومة التطبيع مع الكيان العبري، مستندين إلى مشاركة لابيد الواسعة في فعاليات ومهرجانات ممولة وموجّهة مباشرة من السفارة والوزارات الإسرائيلية. وذكر السينمائيون أنّ خطوتهم جاءت تلبيةً لنداء «الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل» (PACBI).
النفاق الثقافي للإعلام الفرنسي
بدل أن يفتح هذا الموقف السياسي الباب لنقاش جماعي حول مسؤولية الفن تجاه الجرائم «الإسرائيلية» في العالم انطلاقًا من «حرب الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة»، والحرب على جنوب لبنان واحتلال قرى منه، وتوسع الاحتلال في سوريا، هبّت الأوساط الثقافية والإعلامية الفرنسية في حملة استنكار واسعة ضد المخرجين المنسحبين اعتراضًا على هذه الجرائم. ورصد البيان أكثر من 180 تغطية إعلامية فرنسية حاولت شيطنة قرار السحب، وتصويره كـ «اعتداء على حرية التعبير»، وتعبير عن «عنف بدائي».
في هذا السياق، جاء بيان «مثقفي الجنوب» ليفكك هذا النفاق، مستنكرًا كيف تحركت الماكينة الثقافية الفرنسية لحماية مخرج إسرائيلي، بينما التزمت الصمت المطبق تجاه التدمير الممنهج للجامعات والمكتبات والمراكز الثقافية في غزة والضفة الغربية، وتجاه قمع واعتقال واغتيال الفنانين الفلسطينيين، فضلًا عن غزو جنوب لبنان وتوسع الاحتلال.
لم تقتصر هذه الحملة ضد المقاطعة على المنصات الغربية، بل وجدت صداها في بعض المنابر العربية واللبنانية التي تبنت السردية الفرنسية. فقد وصفت خطوة السينمائيين بـ «الابتزاز»، واعتبرت المقاطعة «وقوعًا في التطرف وإفلاسًا فكريًا يذكر بألمانيا النازية»، مصورةً هذا الفعل النضالي كـ «تخريب» للفضاء الفني، مع تجاهل تام لحرب الإبادة وأشلاء الضحايا في لبنان وفلسطين.
هذا الدفاع المستميت ليس مجرد رأي فني، بل هو تجسيد سريري لعقدة النقص تجاه المستعمر، وتطبيق دقيق لمفهوم فرانز فانون عن النخب التي ترتدي «الأقنعة البيضاء»؛ حيث يتم التفريط بالكرامة السياسية وقضايا الشعوب المصيرية استجداءً للاعتراف الغربي. إن المطالبة بفصل الفن عن الواقع في أوج المقتلة ليست إلا محاولة بائسة لتجريد الثقافة من دورها الأخلاقي.
لا تراجع عن حقنا
البيان الذي حمل توقيع أسماء وازنة في عالم الفكر والفن مثل المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، والفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، والمفكر جيلبر الأشقر وجّه صفعة فكرية إلى المركزية الغربية.
جاء في نص البيان «نحن نملك كامل الحق في سحب حضورنا من أي إطار يستخدم مشاركتنا لتبرئة ضميره، بدل مساءلة مسؤوليته ومسؤولية القوى الغربية عن الإبادة الجماعية الجارية». ورفض الموقعون بقوة أن يُطلب من فناني ومثقفي العالم العربي والجنوب تقديم صكوك غفران، أو تعديل تضامنهم مع فلسطين ليكون «مخففًا ومشروطًا بمصادقة سلطة أخلاقية إسرائيلية» لكي يتم قبوله في الغرب.
يختتم النداء بتأكيد مبدأ أنّ الثقافة ليست فضاءً معزولًا عن صراعات العالم الحقيقي. وطالب الموقعون المؤسسات الغربية بالتوقف عن مطالبة المبدعين بـ «ترك قناعاتهم وكرامتهم السياسية عند بوابات المهرجانات والمتاحف».