منذ منتصف القرن الماضي، بدت القضية القومية العربية والصراع مع إسرائيل عمودين متلازمين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، في الخطاب السياسي العربي. لكن العقود الأخيرة، وتحديدًا منذ اتفاقيات التطبيع المتلاحقة، كشفت أن هذا التلازم لم يكن قانونًا تاريخيًا حتميًا بقدر ما كان بناءً أيديولوجيًا قابلًا للتفكك بفعل تحولات بنيوية أعمق.
لذلك السؤال: هل ما تشهده، اليوم، الساحة الإقليمية من عدوان أميركي على إيران وتواطؤ الدول العربية يدفن الأمل الأخير لفكرة "القومية العربية"؟
الأطروحة المركزية التي يقوم عليها هذا المقال هي أن تراجع المشروع القومي العربي لا يمكن اختزاله بتبدل السياسات الخارجية لهذه الدولة أو تلك إزاء إسرائيل، هو انعكاس لتحول أعمق في بنية المنظومة الفكرية العربية ذاتها: من مشروع وحدوي جامع، يضع "الأمة" مرجعًا أعلى للفعل السياسي، إلى منظومة متشرذمة تقوم على أولويات قطرية متمايزة ومصالح متباينة قد تتقاطع أو تتناقض بحسب الظرف. هذا التحول البنيوي هو ما أضعف تماسك النظام العربي ككتلة قادرة على التفاوض الجماعي، وجعل من العلاقة مع "إسرائيل" مرآة لتفكك أوسع لا سببًا مستقلًا له.
من الصراع إلى الشراكة: تحول الأولويات
لم تكن العلاقة العربية- الإسرائيلية يومًا معزولة عن موازين القوى الداخلية العربية. المفكر ياسين الحافظ لاحظ، منذ سبعينيات القرن الماضي، أن التجزئة العربية ليست وليدة الاستعمار وحده، أيضًا هي نتاج تأخر تاريخي عميق يجعل كل قُطر عربي عرضة ليبني مصالحه الخاصة بمعزل عن "المصلحة القومية العليا"، وأن العامل الإمبريالي يشتغل دومًا على تعميق هذه التجزئة.
هذا التحليل يفسر جزءًا كبيرًا مما جرى لاحقًا: حين ضعفت الأيديولوجيا الوحدوية وتراجع وعيها عند النخب، أصبحت "المصلحة القطرية" هي المرجع الوحيد لصياغة السياسة الخارجية، بما فيها العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي. لقد تحولت العلاقات من عداء استراتيجي شامل إلى شراكات سياسية واقتصادية وأمنية محكومة بحسابات كل دولة على حدة، مدفوعة بعوامل إقليمية، مثل التهديد الإيراني المزعوم وعوامل دولية، مثل إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها بعيدًا عن "الشرق الأوسط". في النتيجة؛ أن النظام العربي وجد نفسه أمام مسار معاكس: تفتت الوزن الجماعي لمصلحة تفاهمات ثنائية متفرقة.
نتائج انهيار المشروع القومي.. من التحالفات الخارجية إلى إدارة الأزمات دوليًا
أدى غياب مشروع عربي موحد قادر على توفير أمن جماعي ذاتي إلى دفع عدد من الدول العربية نحو توسيع اعتمادها على تحالفات أمنية خارجية متعددة، سواء مع القوى الغربية التقليدية أو مع قوى صاعدة أخرى. هذا التوسع لم يكن مجرد خيار تكتيكي عابر، بل تحول إلى سمة بنيوية في السياسات الأمنية العربية، إذ أصبحت الدولة القُطرية تبني استراتيجياتها الدفاعية على شبكة من الضمانات الخارجية المتقاطعة أحيانًا والمتنافسة أحيانًا أخرى، بدل الاستناد إلى ترتيب أمني إقليمي جماعي.
ترتب على ذلك إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بحيث لم تعد محكومة بمعادلة عربية داخلية، بل بمعادلة أوسع تتقاطع فيها حسابات القوى الدولية مع الحسابات القُطرية الضيقة، ما أضعف قدرة أي طرف عربي منفرد على التأثير في مسار الأحداث الكبرى في المنطقة.
تعزيز أدوار القوى الدولية في إدارة أزمات المنطقة
وفقًا لإحدى القراءات السياسية التي تتقاطع مع هذا التحليل، فإن هذا الواقع أسهم في تعزيز أدوار القوى الدولية في إدارة أزمات المنطقة وإعادة رسم توازناتها، بما يتصل مباشرة بالنقاشات الدائرة حول ما يوصف بمشاريع "إعادة تشكيل الشرق الأوسط". حين تتراجع قدرة الفاعل العربي الجماعي على وضع أجندته الخاصة، يصبح من الطبيعي أن تتقدم أجندات القوى الخارجية لملء هذا الفراغ، سواء عبر الوساطة في النزاعات، أو عبر رعاية ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تُعيد تعريف خرائط النفوذ. وهذه القراءة، وإن كانت تحظى بحضور واسع في الأدبيات السياسية الناقدة للمسار العربي الراهن، تظل قراءة تفسيرية بين قراءات أخرى ممكنة، لا تفسيرًا وحيدًا حاسمًا لتعقيدات المشهد الإقليمي.
إذا كانت هذه التحولات قد أعادت تشكيل موازين القوى على مدى عقود، فإن التطورات الإقليمية الأخيرة تقدم مثالًا حيًا على استمرار هذا المسار وتفاعلاته الراهنة.
العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران.. استمرار إعادة تشكيل الأمن الإقليمي
تندرج التطورات العسكرية الجارية المرتبطة بالمواجهة المباشرة بين الحلف الإسرائيلي - الأميركي وإيران ضمن هذا السياق التحليلي الأوسع، بوصفها حلقة من حلقات إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي في ظل غياب مشروع عربي جامع قادر على فرض حضوره طرفًا فاعلًا في إدارة هذه المواجهة أو التأثير في مسارها. الدول العربية، والتي وجدت نفسها بين موقع المراقب وموقع المتأثر المباشر بتداعيات الحرب، لم تملك في الغالب أدوات تأثير جماعية موازية لحجم الأحداث، وهو ما يعكس، بصورة غير مباشرة، استمرار الأثر البنيوي لتراجع المشروع القومي على قدرة النظام العربي على الفعل الاستراتيجي المستقل.
غير أنه من الضروري التنبه إلى أن هذا الربط ينبغي أن يُطرح بحذر منهجي، من دون الجزم بأن هذه الحرب نتيجة مباشرة وحتمية لانهيار القومية العربية؛ فالمواجهة الإسرائيلية- الإيرانية تحكمها ديناميات إقليمية ودولية خاصة بها، تتصل بالبرنامج النووي الإيراني وبموازين الردع الإقليمية وبحسابات الأطراف الدولية الكبرى، وهي عوامل تتجاوز في كثير من جوانبها إطار التحليل القائم على تراجع المشروع القومي العربي وحده.
مع ذلك، يبقى صحيحًا أن غياب موقف عربي جماعي قومي موحّد إزاء هذه المواجهة يمثل، في حد ذاته، مؤشرًا إضافيًا على عمق التحول الذي طرأ على بنية النظام الإقليمي.
هذا الغياب الجماعي، في جوهره، ليس سوى تعبير سياسي عن تحول أعمق طرأ على بنية الهوية السياسية العربية نفسها.
في ضوء هذا كله، يبدو أن المسار العربي مع "إسرائيل" يبدو سببًا مستجدًا لتراجع المشروع القومي بالإصافة إلى ما هو نتيجة لأزمة أعمق سبقته: عجز تاريخي عن تجاوز التجزئة والتأخر الذي حذر منه ياسين الحافظ، وغياب "الكتلة المكوّرة" القادرة على قيادة مسار وحدوي حقيقي كما حدث في تجارب توحيد قومي أخرى.
في هذا السياق، يظل خيار المقاومة مطروحًا عند قطاع من القوى السياسية العربية بوصفه استعادة لزمام المبادرة في مواجهة اختلالات ميزان القوى، ويستند أنصاره إلى أن التفاوض من موقع ضعف بنيوي لا يفضي إلا إلى مزيد من التنازلات. غير أن هذا الخيار يواجه اعتراضات جوهرية تتعلق بكلفته الإنسانية والاقتصادية، وبغياب الإطار الجماعي القادر على احتضانه وتوجيهه بعيدًا عن الفوضى والارتجال.
المرجح أن مستقبل النظام العربي لن يُحسم بمعزل عن إعادة بناء وعي سياسي ناقد لذاته، وعي يعيد النظر في محددات القبيلة والغنيمة، والتي لا تزال، بحسب محمد عابد الجابري، تتحكم في العقل السياسي العربي، وتحول دون انتقاله من دولة الريع والعصبية إلى دولة المؤسسات والمواطنة.
ختامًا
تحولات الفكر السياسي العربي لم تغيّر طبيعة العلاقات العربية- الإسرائيلية فحسب، أسهمت أيضًا في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لمنطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) برمّتها، ما يجعل فهم التطورات الراهنة، بما فيها المواجهة الإسرائيلية- الأميركية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومسارات التطبيع والتحالفات المستجدة، يتطلب قراءة ممتدة تربط بين مسار تراجع المشروع القومي وتحولات النظام الإقليمي.
مع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد أن هذه القراءة تمثل أحد المداخل التفسيرية الممكنة لهذه التحولات، إذ تحفل الأدبيات السياسية بتفسيرات أخرى تُرجع هذه التطورات إلى عوامل اقتصادية أو جيوستراتيجية أو دولية مستقلة، ما يستدعي التعامل مع هذا الطرح بوصفه اجتهادًا تحليليًا لا حكمًا نهائيًا قاطعًا.
الحافظ، ياسين. (1981). في المسألة القومية الديمقراطية. بيروت: دار الطليعة.
الجابري، محمد عابد. (د.ت). العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
الديمقراطية بين النقد الغربي والتكييف العربي الإسلامي والعلماني (إجابات في علم الاجتماع السياسي، تتناول أطروحات: Touraine, A. Qu'est-ce que la démocratie?؛ Lijphart, A. Democracy in Plural Societies؛ وأعمال محمد مهدي شمس الدين، وراشد الغنوشي، وطارق البشري، وعزمي بشارة، وبرهان غليون). (د.ت).