إيران أم الولايات المتحدة تملك القدرة على تحمّل ضغط الحرب المتراكم؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في الحروب الكبرى لا تكون الضربات العسكرية هي جوهر الحدث، قد تكون العلامة الظاهرة لتحول أعمق يتعلق بطبيعة القوة نفسها. إذ إن الصراع لا يُحسمه من يملك الصاروخ الأكثر تطورًا أو الطائرة الأكثر قدرة، بل من يستطيع تحويل أدوات القوة إلى نفوذ سياسي قادر على الصمود مع مرور الزمن.

من هذه الزاوية، تجاوزت المواجهة الأمريكية الإيرانية حدود الملف النووي أو الردع العسكري المباشر، لتصبح اختبارًا لنموذجين مختلفين في إدارة الصراع. الولايات المتحدة تخوض معركة الحفاظ على منظومة نفوذ عالمية؛ بُنيت على التفوق العسكري والسيطرة على ممرات الطاقة وشبكات الاقتصاد الدولي، في حين تواجه الجمهورية الإسلامية معركة تثبيت نموذج أمني وسياسي قام منذ تأسيسه على فكرة الاستقلال الاستراتيجي ومقاومة محاولات الاحتواء.

لعل العنصر الأكثر دلالة، في الأداء الإيراني، إضافة إلى امتلاك أدوات الرد، هو القدرة على الاستمرار تحت ضغط متراكم. إذ منذ قيام الجمهورية الإسلامية، تواجه طهران عقوبات طويلة وعزلة سياسية وتهديدات عسكرية متكررة، وهو ما دفعها إلى بناء منظومة أمنية لا تقوم على منع الصراع، إنما على امتلاك القدرة في خوضه وتحمّل كلفته.

في هذا السياق؛ تكمن إحدى المفارقات الأساسية في هذه المواجهة. لقد راهن خصوم إيران طويلًا على أن الضغوط المتراكمة ستقود إلى انهيار داخلي أو تغيير في السلوك السياسي، لكن التجربة أظهرت أن الضغط الخارجي لم يؤدِ دائمًا إلى النتائج المتوقعة، بل أسهم بدفع إيران إلى تطوير أدوات ردع متعددة، عسكرية واقتصادية وسياسية، تجعل إسقاطها أو إخضاعها أكثر تعقيدًا.

لكن الحرب الحالية تكشف، في الوقت نفسه، أن ميدان الصراع لم يعد محصورًا في الجبهات التقليدية. الممرات البحرية وشبكات الطاقة والبنية الرقمية، أصبحت جزءًا من معادلة الحرب الحديثة. من هنا؛ تأتي أهمية مضيق هرمز، فهو إلى جانب كونه طريقًا للعبور؛ هو أيضًا عقدة استراتيجية تمنح من يملك القدرة على التأثير فيه ورقة تتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

كما أن انتقال المواجهة إلى المجال الرقمي يعكس تحولًا في مفهوم الردع. إذ إن الدول لم تعد تكتفي باستهداف  القواعد العسكرية والمخازن والمنشآت، أيضًا البنية التي تنتج القدرة نفسها. إذ في عالم يعتمد على البيانات والاتصالات، تصبح الشبكات الرقمية جزءًا من الأمن القومي، ويصبح تعطيلها محاولة لضرب أسس القوة الحديثة.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة مختلفة. التفوق العسكري الأمريكي ما يزال واضحًا، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التفوق إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. الحرب؛ وإن كانت تُقاس بقدرة الدولة على توجيه الضربات، تقاس أيضًا بقدرتها على تحمل تبعاتها وإدارة تداعياتها ومنع تحول أدوات القوة إلى عبء استراتيجي.

لهذا؛ فإن السؤال المركزي في هذه المواجهة ليس من يملك القدرة على إلحاق الضرر بالآخر، بل من يستطيع جعل الزمن يعمل لمصلحته. الدول الكبرى قد تكسب معارك كثيرة، لكنها تخسر أحيانًا القدرة على تحويل الانتصارات العسكرية إلى واقع سياسي جديد.

إن جوهر المعركة الحالية لا يتعلق بموقع عسكري أو منشأة محددة، بل بإعادة تعريف قواعد القوة في مرحلة دولية تتغير بسرعة. النظام الذي ساد، خلال العقود الماضية، قام على افتراض أن التفوق الأمريكي قادر دائمًا على فرض الإيقاع، لكن صعود قوى قادرة على مقاومة الضغط وامتلاك أدوات تعطيل مؤثرة يفتح سؤالًا جديدًا عن حدود هذه الهيمنة.

في النهاية، الحرب ليست اختبارًا لمن يملك السلاح الأقوى وحسب، هي أيضًا لمن يملك القدرة على إنتاج القوة والمحافظة عليها تحت الضغط. هذه هي المعركة الحقيقية التي تتجاوز حدود واشنطن وطهران، لأنها تتعلق بشكل النظام الدولي القادم، ومن سيكون قادرًا على صياغة قواعده؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد