لبنان في زمن إعادة الاستعمار.. حين تصبح إيران مرآة الجنوب كلّه

post-img

كريم حداد/جريدة الأخبار

 

لم تعد الحرب على إيران حدثاً إقليمياً منفصلاً، ولا جولة عسكرية عابرة في الصراع المفتوح بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران ومحور المقاومة من جهة أخرى. إنّها، في عمقها، فصل جديد من محاولة كبرى لإعادة ترتيب العالم على صورة الإمبراطورية القديمة: أسواق مفتوحة بالقوة، موارد موضوعة تحت الوصاية، دول منزوعة الإرادة، وشعوب يُراد لها أن تعود إلى موقع المستهلك التابع، لا المنتج الحرّ.

ليست المسألة في شخص هذا الرئيس الأميركي أو ذاك، ولا في نزعة جنونية عابرة داخل البيت الأبيض. فالإمبراطوريات لا تتحرك فقط بأمزجة الأفراد، بل بأزماتها العميقة. والولايات المتحدة، منذ عقود، تعيش مأزقين متلازمين: اقتصاد نيوليبرالي يراكم الثروة في الأعلى ويدفع المجتمعات إلى الركود والبطالة واللامساواة، وعجز مالي وتجاري مزمن جعل الدولار يحتاج دائماً إلى حروب وأساطيل وقواعد ونفط كي يبقى سيد العملات وسيد المبادلات.

من هنا تصبح إيران أكثر من دولة مستهدفة. إنها عقدة جيوسياسية واقتصادية ورمزية. فهي تملك موقعاً، ونفطاً، وقراراً مستقلاً، وشبكة تحالفات، وقدرة على قول «لا» في زمن يُراد فيه للجنوب العالمي أن يوقّع صكوك الطاعة باسم الواقعية، وأن يفتح أسواقه باسم التجارة الحرة، وأن يسلّم موارده باسم الاستثمار، وأن يتنازل عن سيادته باسم الاستقرار.

الحرب هنا ليست على برنامج نووي فحسب، ولا على نظام سياسي بعينه، بل على معنى الاستقلال في ذاته. فمن يسيطر على النفط لا يسيطر على الطاقة وحدها، بل على العملة، وعلى التجارة، وعلى كلفة الإنتاج، وعلى قرار الدول. ومن يفرض على دول الجنوب معاهدات تجارية غير متكافئة لا يبحث فقط عن أرباح إضافية، بل يريد تحويل تلك الدول إلى أسواق أسيرة: تشتري ما يريده المركز، وتبيع ما يسمح به المركز، وتعيش على هامش دورة اقتصادية لا تصنع شروطها.

لبنان ليس خارج هذه المعادلة. ربما يبدو صغيراً على الخريطة، مثقلاً بانهياره المالي، غارقاً في طوائفه ومصارفه وأزماته اليومية، لكن الصغير في لحظات التحولات الكبرى يصبح أحياناً موقع اختبار. ففي لبنان تُختبر الصيغة ذاتها: كيف يمكن تحويل الأزمة الداخلية إلى باب للوصاية الخارجية؟ كيف يمكن استخدام الإفلاس المالي لتطويع القرار السياسي؟ كيف يمكن استعمال الحاجة إلى الكهرباء والدواء والقمح والدولار لإعادة تعريف السيادة على قياس المانحين والسفراء والمؤسسات الدولية؟

منذ الانهيار المالي، لم يعد الضغط على لبنان عسكرياً فقط، بل صار اقتصادياً ومالياً وإدارياً وقانونياً. تُطرح عليه الوصفات بوصفها إنقاذاً، لكنها غالباً ما تأتي محمولة على شروط: أعدْ ترتيب اقتصادك كما نريد، أعدْ تشكيل قطاعك المصرفي كما نرى، أعدْ تحديد أولوياتك السيادية، أعدِ النظر في علاقاتك، في حدود قوتك، في معنى دفاعك، في موقعك من الإقليم. وحين تكون الدولة ضعيفة، والمجتمع منهكاً، والودائع منهوبة، يصبح الخارج قادراً على أن يتحدث بلغة «الإصلاح» وهو يقصد أحياناً إعادة التبعية.

هذا لا يعني رفض الإصلاح، بل رفض أن يتحول الإصلاح إلى اسم آخر للانتداب. فلبنان يحتاج إلى دولة عادلة، وقضاء مستقل، ومحاسبة للمصارف، واستعادة للمال المنهوب، وإدارة عامة نظيفة، واقتصاد منتج. لكنه يحتاج قبل ذلك ومعه إلى أن يبقى قراره ملكاً له. الإصلاح الذي يبدأ بتجريد البلد من عناصر قوته ليس إصلاحاً، بل إعادة هندسة لموقعه. والإنقاذ الذي يطلب من الناس دفع ثمن النهب، ومن الدولة التنازل عن أوراقها، ومن المجتمع أن يقبل بالفقر كقدر، ليس إنقاذاً بل استكمال للكارثة بوسائل ناعمة.

ما يجري حول إيران يضيء ما يُراد للبنان. فالمطلوب في المنطقة ليس تسويات عادلة، بل دول مطواعة. دول تقبل بأن تكون حدودها قابلة للتفاوض تحت النار، ومواردها قابلة للتقاسم تحت الضغط، وسياساتها قابلة للتعديل وفق حاجات السوق العالمية والتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي. وما يسمّى أحياناً «إدماجاً في النظام الدولي» قد لا يكون سوى إدخال قسري إلى رتبة التابع: بلد بلا صناعة، بلا زراعة كافية، بلا مصارف موثوقة، بلا سيادة نقدية، وبلا قدرة على حماية أرضه وثروته.

إنّ خطورة اللحظة اللبنانية أنها تأتي بعد استنزاف طويل. فالناس تعبت والمجتمع أُفقِر والدولة تآكلت والمؤسسات فقدت كثيراً من معناها. وفي مثل هذه اللحظات، تتقدم المشاريع الخارجية بثياب الخلاص: مؤتمر دعم، قرض مشروط، اتفاق إطار، ضمانة أمنية، وعد بالاستثمار، أو تهديد بالعزلة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً هو: أي لبنان نريد بعد كل هذا؟ لبنان السوق المفتوحة للآخرين؟ لبنان الممرّ؟ لبنان الحاجز الأمني؟ أم لبنان الدولة القادرة على إدارة مواردها، وحماية حدودها، واستعادة مال شعبها، وبناء اقتصاد لا يعيش على التحويلات والديون والمواسم؟

إنّ الدفاع عن لبنان اليوم لا يكون بالشعارات وحدها. يكون أولاً بفهم طبيعة الهجمة. فالعالم لا يعود إلى الاستعمار بأعلامه القديمة وجيوشه المقيمة دائماً، بل يعود بأدوات أكثر تعقيداً: عقوبات، مصارف، تصنيفات ائتمانية، شروط صندوق النقد، اتفاقات تجارية، هندسة حدودية، ضغط ديبلوماسي، وحروب موضعية تُستعمل لإعادة تشكيل المنطقة. وإذا لم يفهم اللبنانيون أن أزمتهم الداخلية باتت جزءاً من صراع عالمي على الجنوب وموارده وموقعه، فسوف يظلون يتعاملون مع النتائج وينسون الأصل.

إيران، في هذه اللحظة، ليست وحدها وفنزويلا لم تكن وحدها أيضاً، وكذلك سوريا والعراق واليمن ولبنان فهي ليست ساحات منفصلة. كلها، بدرجات مختلفة، موضوعة أمام سؤال واحد: هل يحق لدول الجنوب أن تملك قرارها وثرواتها وتحالفاتها، أم أن استقلالها مسموح فقط ما دام لا يزعج المركز الإمبراطوري ولا يهدد هندسة الدولار والنفط والأسواق؟

لبنان، بما يحمل من هشاشة وقوة في آن، معنيّ بهذا السؤال أكثر مما يظن. هشاشته في نظامه الطائفي، وانهياره المالي، وطبقته السياسية التي أتقنت تدوير الأزمات. وقوته في موقعه، وفي شعبه، وفي ذاكرته المقاومة، وفي قدرته الدائمة على أن يفاجئ من يتعاملون معه كرقم صغير في دفاتر السفارات.

المعركة إذن ليست بين الحرب والسلم كما يقال بخفة. إنها بين سيادة وتبعية. بين إصلاح ووصاية. بين دولة تُبنى بإرادة أهلها، ودولة يُعاد تركيبها لتتناسب مع خرائط الآخرين. وإذا كان قدر لبنان أن يعيش دائماً على خط الزلازل، فليس قدره أن يكون حجراً صغيراً في جدار الإمبراطورية. قدره، إن أحسن قراءة اللحظة، أن يعرف أن الدفاع عن الخبز والوديعة والكهرباء لا ينفصل عن الدفاع عن الأرض والقرار والكرامة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد