ظاهرة الدهشة الغربية من الهزيمة.. جذور وهم التفوّق وتداعياته

post-img

علي الشاب/جريدة الأخبار

يشكّل الفشل العسكري للقوات الغربية، وخاصة الأميركية، مصدرًا متجدّدًا للذهول والحيرة في الأوساط السياسية والثقافية الغربية، بل يمتدّ هذا الذهول ليشمل نخبًا في بلادنا ترتبط مصالحها بالغرب أو تستلهم رؤيته للعالم.

هذه الدهشة ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي نتاج تراكمي لصورة ذهنية راسخة، تغذّيها عقود من الهيمنة الإعلامية والثقافية والعسكرية، رسّخت اعتقادًا شبه مُقدّس بتفوّق الحضارة الغربية في كل الميادين، وصولًا إلى افتراض وجود «جوهر» متمايز للأسلوب الغربي في الحرب، يُقابل بأسلوب شرقي يُنعت بالفشل والتخلّف، والانفعالي، واللاأخلاقي.

هذه النظرة الاختزالية تجد جذورها في خطاب استعماري قديم، تجدّد في العصر الحديث عبر مؤسسات أكاديمية وبحثية عريقة، حيث يصرّ بعض المفكرين وأصحاب النفوذ الثقافي، في أفضل الجامعات الأميركية والبريطانية وفي الأوساط المؤثّرة على صانعي القرار، أن ثمّة فروقًا جوهرية بين التقاليد العسكرية الغربية ونظيراتها الشرقية. فالتقاليد الغربية، في نظرهم، تمتد من ساحات الإغريق حيث الفروسية والنبل والشجاعة، بينما تُختزل التقاليد الشرقية في الغدر والمكر والهمجية وتمتد جذورها التاريخية إلى المجال الحضاري الصيني والهندوفارسي، أو إلى تقاليد الحروب بين القبائل في الصحراء العربية قبل الإسلام. وهذا التبسيط المُفرط ليس مجرد انحياز أكاديمي، بل أصبح عقيدة تسيّس القرارات وتعمي الرؤية عن وقائع ميدانية لا تحتمل التأويل.

تضاعف تأثير هذه الأفكار بشكل لافت بعد صدمات كبرى هزّت الوعي الغربي، بدءًا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي شكّلت اختراقًا أمنيًّا ونفسيًّا غير مسبوق للعقل الأميركي، مرورًا بالهزيمة في حرب تموز 2006، ثم الانسحابات المُذِلّة من العراق وأفغانستان، وصولًا إلى صدمة السابع من أكتوبر 2023 بالنسبة إلى الكيان الصهيوني. وفي كل هذه المحطات، كان السؤال المتكرّر: «كيف يمكن لهذا العدو المتخلّف أن يفرض معادلته؟»؛ ذلك أن العقل الغربي ظلّ أسير معادلة وهمية تضع التقدّم التكنولوجي والتنظيم المؤسسي في كفّة، والتخلّف والفوضى في كفّة أخرى، دون أن يستوعب أن الحرب ليست مجرّد مقارنة كمية بين الإمكانات، بل هي تداخل مُعقّد بين الإرادة، الجغرافيا، التوقيت، وعامل الحظ الذي لا يمكن استبعاده.

يتجلّى أثر هذه العقلية في ما أشيع عن دهشة ترامب من عدم سقوط واستسلام طهران، وفي الضفة الأخرى تأتي تصريحات مسؤولين في بلادنا، ممن يُبدون انبهارًا مُفرطًا بالقدرات الغربية، فينقلون صورة مشوّهة عن العدوان وكأنه عمليات جراحية دقيقة، لا تستهدف إلا أهدافًا عسكرية، متناسين أو متناسيات أن واقع الحروب، خاصة في غزة ولبنان، يفضح هذه الرواية، حيث يتحوّل استهداف المدنيين والبنية التحتية إلى أداة منهجية للإرهاب الجماعي والإبادة، وليس مجرّد أخطاء تكتيكية. وهنا تكمن المفارقة: ففي الوقت الذي يبحث فيه المواطن العادي عن مبرّر لكل قذيفة تسقط على منزله، يكون العدو قد أعلن، عبر أفعاله لا أقواله، أن لا حرمة لمدني ولا منشأة، وأن الهدف هو كسر الإرادة قبل تدمير الجسد.

عند كل نكسة عسكرية، يعود العقل الغربي إلى تساؤلاته الوجودية: كيف نملك الحضارة العريقة، الديمقراطية، حرية الرأي، الحرية الجنسية، التقدّم التكنولوجي، القوة النارية، مراكز الأبحاث، والتمويل اللامحدود، ثمّ نجد أنفسنا أمام عدو يوصف بالجهل والديكتاتورية والفقر والكبت، والعصبية، ومع ذلك يقف سدًّا منيعًا، أو يحقّق إنجازات ميدانية تربك حساباتنا؟

هذا التناقض المُحيِّر يدفع إلى بروز اتجاهين في تفسير الظاهرة:

الاتجاه الأول، وهو الأكثر استعلاءً، ينظر إلى الخصم كتلميذ متفوّق يستحق التربيت على الكتف، معترفًا بمهاراته في التخفّي واستخدام التقنيات غير التقليدية، لكنه يبقى في دائرة «الطفل العبقري» الذي ينتظر امتحانًا أصعب يكشف حقيقته.

أمّا الاتجاه الثاني، فهو أقل مجاملة، إذ يختزل الهزيمة في خلل مؤقّت، فيُشكِّل لجان تحقيق سريعة لمعالجة نقاط الضعف، ويُسرِع في تطوير وسائل إبادة أكثر فتكًا، دون أن يخطر في باله أن النصر والهزيمة حالتان قابلتان للتبادل، وأن الغرور الاستراتيجي قد يكون أشد فتكًا من نقص الذخيرة أو ضعف التخطيط.

هنا تبرز المفارقة الأكثر إيلامًا: حين نتحدّث عن «العقلانية» الغربية في إدارة الصراعات، نجدها تتبخّر في لحظات القرار المصيري، حيث يتحوّل القائد الأعلى إلى صنم لا يُردّ له رأي، يتخذ قراراته وكأنه نصف إله، متجاوزًا آراء القادة العسكريين والمخابرات، كما كشفت الصحف عن اجتماع ترامب ومستشاريه قبل التلويح بالحرب على إيران، حيث قدّم الجميع إحاطات غير مُشجِّعة، لكن الرئيس مضى في قراره وكأنه يستمع إلى نغم آخر لا يسمعه غيره. وهذا يذكّرنا بهتلر الذي أعاد في الحرب العالمية الثانية أخطاء الحرب الأولى بدقّة متناهية، متجاهلًا عامل الطقس الروسي وتحوّلات المجتمع الروسي بعد الثورة، فكان المصير المحتوم.

أيّ عقلانية تملي على قائد أن يغامر بمصير شعبه وأمّته على وهم أن السيطرة على الممرات المائية والثروات الطبيعية أمر هيّن، أو أن إيران شبيهة بفنزويلا، أو أن الصين ستقف مكتوفة الأيدي أمام مشروع هيمنة شامل على الممرات البرية والبحرية وعلى ثروات الطاقة الظاهرة والباطنة؟

الحرب، كما قال كلاوزفتس، هي عالم يسوده الضباب والحماس، ويعتمد في جزء كبير منه على الحظ، وكلاهما عنصران يخرجان عن الإطار العقلاني الضيق. يقال إن نابليون، عند تقييمه لضباطه، لم يكتف بالحديث عن المهارات والتجارب، بل كان يسأل سؤالًا واحدًا حاسمًا: «هل هو محظوظ؟» فهذا الاعتراف بدور الحظّ، أو ما قد نسمّيه «عنصر المفاجأة»، يذكّرنا بأن الحرب ليست علمًا دقيقًا، بل هي فنّ سياسي واجتماعي مُعقّد، يتشكّل عبر تفاعل قوى لا يمكن اختزالها في جداول إحصائية.

في النهاية، إن جزءًا أساسيًّا من عمل الحروب، خاصة في سياق الصراع بين الشرق والغرب، هو إعادة رسم منهجيات جديدة، تنطلق من الإقرار بأن الحرب، ككل الظواهر الاجتماعية والإنسانية، تخضع للتقدّم والنجاح كما تخضع للتراجع والفشل. وهي تحتمل الكثير من الهلوسات والأوهام الذاتية والعنصرية والتعالي، التي تغري بالاندفاع إلى ما لا تُحمد عقباه. وهذا الإقرار ليس مجرّد تنازل أخلاقي، بل هو شرط ضروري لتجنّب الدهشة المتكرّرة التي تكلّف الإنسانية أثمانًا باهظة، وتجعل من كل نكسة درسًا مؤلمًا، بدلًا من أن تكون فرصة لإعادة النظر في فرضيات مُضلّلة، رسمت حدودًا وهمية بين نحن «المتمدّنين» وهم «المتخلّفين»، بينما الواقع يثبت كل يوم أن هذه الحدود لا تصمد أمام اختبارات الميدان ولا أمام عناد التاريخ.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد