الهجرة المغربية إلى أوروبا... حين يصبح البحر أقل قسوة من الواقع !

post-img

هاجر الأحمد/كاتبة وصحفية

في كل عام، يحمل البحر الأبيض المتوسط، ومعه المحيط الأطلسي، مئات القصص المؤلمة لشباب مغاربة قرروا أن يغامروا بكل شيء من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى. بعضهم ينجح في الوصول إلى إسبانيا، وآخرون تعيدهم الأمواج جثثًا مجهولة الهوية، فيما يختفي كثيرون من دون أن يُعرف لهم أثر. مع إدراكهم للمخاطر، لا تتوقف محاولات الهجرة، بل تتزايد، في مشهد يطرح سؤالًا لا يتعلق بالبحر بقدر ما يتعلق بما يدفع هؤلاء إلى ركوبه؟

الهجرة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب المغربي لم تعد مجرد رغبة في تحسين مستوى المعيشة، أصبحت تعبيرًا عن فقدان الثقة ببناء مستقبل داخل الوطن، نتيجة تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جعلت كثيرين يرون أن الموت في البحر قد يكون أقل قسوة من البقاء في واقع لا يمنحهم الأمل.

على الرغم من الصورة التي يسعى المغرب إلى تقديمها بأنه دولة مستقرة تشهد مشاريع تنموية كبرى واستثمارات متزايدة، فإن هذه الإنجازات لم تنعكس بالقدر نفسه على حياة المواطنين جميعهم. إذ ما تزال البطالة، لا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، تمثل أحد أكبر التحديات، في حين تتواصل أسعار المواد الأساسية والسكن والخدمات ارتفاعها بوتيرة تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال.

لا يقتصر الأمر على البطالة وحدها، يتصل أيضًا باتساع الفجوة بين المدن الكبرى التي تستقطب الاستثمارات، وبين المناطق الريفية والداخلية التي تعاني ضعف التنمية وندرة فرص العمل، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من الشباب إلى مغادرة قراهم نحو المدن، قبل أن تتحول أنظارهم لاحقًا إلى أوروبا كونها الملاذ الأخير.

كما أسهمت سنوات الجفاف المتكررة في تعميق الأزمة، بعدما تضرر القطاع الزراعي الذي يشكل مصدر رزق رئيسًا لمئات الآلاف من الأسر، ما أدى إلى تراجع الدخل وارتفاع معدلات الفقر والهجرة الداخلية، قبل أن تتحول الهجرة الخارجية إلى الخيار الأكثر إغراءً بالنسبة إلى كثيرين.

لكن الأزمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، فهناك أيضًا شعور متزايد في قطاعات واسعة من الشباب بانسداد الأفق. الحصول على شهادة جامعية لم يعد يعني الحصول على وظيفة، والعمل لم يعد يضمن القدرة على شراء منزل أو تأسيس أسرة، في حين تعرض وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا صورًا لحياة تبدو أكثر استقرارًا وازدهارًا في أوروبا، ما يعزز الإحساس بأن المستقبل الحقيقي يوجد خارج حدود البلاد.

سياسيًا، يتمتع المغرب باستقرار مؤسساتي مقارنة بعدد من دول المنطقة، لكنه لم ينهِ النقاش في قضايا الحريات العامة والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وفعالية السياسات العامة في معالجة الأزمات الاقتصادية. إذ يرى باحثون ومنتقدون أن وتيرة الإصلاحات ما تزال أقل من تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع، والشعور بالتهميش، لا سيما في بعض المناطق، يسهم في دفع الشباب إلى التفكير في الهجرة؛ كونها الحل الوحيد.

أثار قرار المغرب استئناف العلاقات الرسمية مع "إسرائيل"، في نهاية العام 2020، نقاشًا واسعًا داخل البلاد. سوغت الدولة الخطوة بمصالح استراتيجية، وفي مقدمتها الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، إضافة إلى المكاسب الأمنية والاقتصادية المتوقعة. في المقابل، رأت قوى سياسية ونقابية وشرائح واسعة من الرأي العام أن التطبيع لا ينسجم والموقف الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية، فشهدت مدن مغربية احتجاجات متكررة، لا سيما بعد الحرب على غزة، ما عكس وجود تباين بين توجهات الدولة ومواقف قسم من المجتمع.

في السياق نفسه، يوجه معارضون للنظام المغربي انتقادات إلى المؤسسة الملكية، لأنها تمنح الأولوية للملفات الدبلوماسية والاستراتيجية، مثل قضية الصحراء والعلاقات الخارجية، أكثر من تركيزها على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. كما يثير هؤلاء مسألة الأوقات الطويلة لإقامة الملك خارج البلاد، يرون أنها تثير تساؤلات عن حضوره في إدارة الشأن الداخلي، في حين تؤكد السلطات المغربية أن مؤسسات الدولة تعمل بصورة منتظمة وفقًا للدستور، وتسيير شؤون البلاد لا يتأثر بتنقلات الملك أو زياراته الخارجية.

تظل إسبانيا الوجهة الأولى للمهاجرين المغاربة بحكم القرب الجغرافي، ووجود جالية مغربية كبيرة فيها، وما توفره من فرص عمل مقارنة بالوضع داخل المغرب. غير أن الطريق إليها تحول إلى أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، سواء عبر مضيق جبل طارق أم نحو جزر الكناري أم مع محاولات العبور إلى سبتة ومليلية.

يتعرض المهاجرون خلال هذه الرحلات لمخاطر كبيرة، تبدأ بالابتزاز من شبكات تهريب البشر، ولا تنتهي بالغرق أو الاعتقال أو الاختفاء في البحر. مع ذلك، تستمر القوارب في الانطلاق، لأن كثيرًا ممن يستقلونها يعتقدون أن احتمال الموت في البحر يبقى، بالنسبة إليهم، أقل قسوة من حياة يصفونها بانعدام الفرص وضبابية المستقبل.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة. هي تحتاج إلى اليد العاملة في عدد من القطاعات بسبب الشيخوخة السكانية، لكنها تشدد في الوقت نفسه إجراءاتها لمكافحة الهجرة غير النظامية، الأمر الذي دفع شبكات التهريب إلى تطوير أساليبها، وزاد من خطورة الرحلات البحرية، من دون أن يؤدي إلى وقفها.

في النهاية، لا يمكن اختزال ظاهرة الهجرة المغربية بسبب واحد، فهي نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية، تتفاعل فيما بينها لتدفع آلاف الشباب إلى اتخاذ قرار قد يكون الأخطر في حياتهم. عندما يصبح البحر، بكل ما يحمله من مخاطر، خيارًا مقبولًا، فإنه يعكس حجم الأزمة التي يعيشها أصحاب هذه القوارب، أكثر مما يعكس إغراءات الضفة الأخرى. من هنا؛ معالجة الظاهرة لا تبدأ فقط بتشديد الرقابة على الحدود، أيضًا بمعالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم لا يمكن أن يكون إلا خارج وطنهم.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد