محفظة مصرفية قديمة تنكمش وائتمان «فريش» لا يعوّضها: 86% من القروض مُتعثِّرة

post-img

ماهر سلامة (صحيفة الأخبار)

تحمل المصارف، إلى جانب الخسائر الكبيرة في الودائع، محفظة ائتمانية مُصنّفة مُتعثِّرة ويقدّرها مصرف لبنان بناءً على إفصاحات المصارف بنحو 86% من مجمل محفظة القروض. وهذا يعني أن المصارف لن تتمكّن من استرداد قسم كبير من الأموال التي أقرضتها في السوق، وأن الاقتصاد لم يعد ينمو بطريقة أفقية تسمح للمقترضين بالسداد، ما يفرض اللجوء إلى تصفية الضمانات المقابلة لهذه القروض، وهذا يتطلّب وقتاً طويلاً من أجل تحصيل ما أمكن. القروض هي أبلغ مؤشّر على إفلاس قطاع الوساطة المالية وانهيار الاقتصاد وصعوبة الأوضاع الاجتماعية.

بحسب تقرير «المراجعة الاقتصادية الكلية» الصادر عن مصرف لبنان، تراجع إجمالي قروض المصارف للقطاع الخاص من 5.9 مليارات دولار في نهاية عام 2024 إلى 5.2 مليارات دولار في نهاية عام 2025، أي بانخفاض سنوي نسبته 12.5%. ولا تزال القروض بالدولار والعملات الأجنبية تشكّل نحو 98% من المحفظة، مقابل 2% فقط للقروض بالليرة، ويعود هذا الأمر إلى التدهور الكبير في قيمة العملة المحلية الذي أتاح للمقترضين بالليرة سداد قروضهم بكلفة متدنّية جداً. إلا أن حجم المحفظة الحالي لا يُظهِر وحده مدى الانهيار، إذ إنه في كانون الثاني 2019 كانت القروض تبلغ 58.1 مليار دولار، ما يعني أنها انكمشت بأكثر من 52.9 مليار دولار، أو بنحو 91% خلال الأزمة.

وكانت القروض قبل الأزمة تعادل 23% من أصول المصارف و109% من الناتج المحلي، لكنها أصبحت تساوي في نهاية 2025 نحو 5.1% فقط من الأصول و16% من الناتج. وهذا التحوّل يعكس انهياراً في وظيفة الوساطة المالية نفسها. فالمصرف الذي كان يُفترض به استخدام الودائع لتمويل الشركات والأسر، بهدف توسيع القاعدة الاقتصادية في البلد، بات يحمل محفظة قروض محدودة جداً قياساً بحجم ميزانيته، وغالبيتها تعود إلى مرحلة ما قبل الأزمة.

ويمكن تقدير حجم المحفظة القديمة من خلال فصل القروض «الفريش» عن محفظة القروض القديمة. بلغت قيمة القروض الفريش 418 مليون دولار في نهاية 2024، وارتفعت إلى 794 مليون دولار في نهاية 2025. وفي المقابل، كانت القروض القديمة 5.482 مليارات دولار في نهاية 2024، ثم انخفضت إلى نحو 4.406 مليارات في نهاية 2025. وبذلك تقلّصت المحفظة القديمة وحدها بنحو 1.076 مليار دولار، أي بنسبة تقارب 19.6% خلال سنة واحدة، وفق حسابات مبنية على الأرقام المُدوّرة الواردة في تقرير مصرف لبنان.

صحيح أن القروض الفريش زادت في عام 2025 بنحو 376 مليون دولار، أو ما نسبته 90%، إلا أنها لم تعوّض سوى ثلث الانخفاض في المحفظة القديمة فقط. وارتفاع الإقراض الفريش لا يعني أن المصارف استعادت دورها في تمويل الاقتصاد، بل ما حصل فعلياً هو نشوء مسارين منفصلين؛ المسار الأول هو محفظة قديمة تتقلّص وتبقى مُثقلة بالتعثّر، والمسار الثاني هو محفظة جديدة صغيرة تُموّل من سيولة جديدة، وبشروط مختلفة عن تلك التي تحكم الأموال والودائع القديمة.

ورغم ارتفاع حصّة القروض الفريش من نحو 7% إلى 15% من إجمالي الائتمان، فإن قيمتها بقيت دون 2.5% من الناتج المحلي، أي إنها لا تزال أضيق من أن تقود دورة ائتمانية أو استثمارية فعلية.
أمّا المؤشّر الأسوأ، فهو نوعية المحفظة المتبقّية. فقد بلغت نسبة القروض المتعثّرة 86.3% في تشرين الأول 2025، مقارنةً بـ8.9% فقط في كانون الأول 2019، أي إن النسبة تضاعفت نحو عشر مرات منذ بداية الأزمة.

كما أن بقاء النسبة الإجمالية ثابتة بين شباط وتشرين الأول 2025 لا يمثّل استقراراً إيجابياً. ففي شريحة القروض التي تقلّ عن 10 مليارات ليرة، مثلاً، انخفضت نسبة التعثّر من 78.4% إلى 69.9%، لكنّ هذا التحسّن نتج بدرجة كبيرة من ارتفاع إجمالي الانكشافات بنسبة 9%، بينما انخفض رصيد القروض المتعثّرة 3% فقط. وفي شريحة 10 إلى 20 مليار ليرة، تراجعت النسبة من 83.4% إلى 80% رغم ارتفاع قيمة القروض المتعثّرة نفسها بنسبة 1%، لأن إجمالي الانكشافات ارتفع بوتيرة أسرع. أي إن انخفاض النسبة في الحالتين يعود جزئياً إلى تغيّر المقام الذي تُحتسب على أساسه، ولا يعني بالضرورة أن هناك عمليات سداد لهذه القروض.

وتتركّز المشكلة بصورة أكبر لدى كبار المدينين. فالقروض التي تتجاوز 50 مليار ليرة تمثّل 87.9% من إجمالي الانكشافات و89% من القروض المُتعثِّرة، فيما ارتفعت نسبة التعثّر فيها من 86.8% إلى 87.4%. ويقدّر مصرف لبنان أنه لو انخفضت القروض المُتعثِّرة ضمن هذه الشريحة وحدها بنسبة 20%، مع ثبات إجمالي الانكشافات، لتراجعت النسبة الإجمالية من 86.3% إلى 70.9%. لكن حتى في هذا السيناريو، تبقى أكثر من 70% من المحفظة مُتعثِّرة، ما يؤكد أن معالجة عدد من القروض الكبرى ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة تكوين محفظة سليمة.

ويعيد مصرف لبنان جزءاً من الانخفاض الكبير في القروض إلى السنوات الأولى من الأزمة، حين تمكّن مقترضون من تسديد ديونهم وفق أسعار صرف رسمية أدنى بكثير من سعر السوق، ما أدّى إلى تآكل القيمة الحقيقية لموجودات المصارف. أمّا اليوم، فيرتبط استمرار الانكماش بضعف ميزانيات المصارف، ومحدودية الإقراض الجديد، وغياب إطار شامل لمعالجة الخسائر وإعادة هيكلة القطاع.

لذلك، لا يمكن فصل القروض المُتعثِّرة عن النقاش بشأن الفجوة المالية ورسملة المصارف وتوزيع الخسائر. وقبل الحديث عن عودة القطاع إلى العمل، يفترض نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن القيمة الفعلية للقروض المتعثّرة، ونسب المؤونات المكوّنة في مقابلها، وقيمة الضمانات القابلة للتحصيل، وعدد كبار المقترضين وتوزّعهم القطاعي. فمن دون معالجة المحفظة القديمة والكشف عن خسائرها الفعلية، يبقى نمو القروض الفريش أشبه ببناء قناة مصرفية صغيرة إلى جانب قطاع قديم متوقّف، لا بإعادة إحياء النظام المصرفي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد