ليس من الصعب أن ينشغل المتابعون بتفاصيل ما يتسرب عن مضيق هرمز، ومن سيدير حركة المرور، ومن سيحصل على عائدات الخدمات، وكيف ستوزع الرسوم بين الأطراف؟ هذه التفاصيل، على الرغم من أهميتها، ليست سوى الطبقة السطحية في مشهد أكبر بكثير؛ لأن الصراع في جوهره لم يكن يومًا صراعًا على نسبة مالية لعبور السفن، بل على من يملك حق تعريف قواعد الحركة في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي الحيوية.
السؤال الحقيقي الذي تفرضه التطورات المتداولة ليس من سيحصل على الأموال؟ إنما كيف انتقل المشهد من محاولة فرض معادلة جديدة بالقوة إلى البحث عن صيغة تفاهم تعيد ترتيب العلاقة بين القوى الموجودة في المنطقة؟ لأن مجرد العودة إلى الحديث عن وثيقة تفاهم أمريكية- إيرانية، أو عن مسار تفاوضي يعيد فتح الملفات التي أغلقتها الحرب، يعني أن شيئًا أساسيًا تغير في حسابات الأطراف.
الولايات المتحدة لم تدخل المواجهة الأخيرة؛ كونها طرفًا يريد فقط إدارة أزمة مؤقتة، بل كونها قوة تسعى إلى إعادة تثبيت قواعد النظام الإقليمي وفقًا لتصورها الخاص. لقد كان الرهان أن الضغط العسكري والاقتصادي قادران على دفع إيران إلى موقع المتلقي للشروط، وأن ميزان القوة سيُترجم سريعًا إلى واقع سياسي جديد. لكن الحروب لا تُقاس فقط بما تدمره من قدرات، أيضًا بما تكشفه من حدود القدرة على فرض الإرادة.
في هذا الواقع؛ تظهر دلالة مضيق هرمز؛ فهو ليس مجرد ممر مائي تمر عبره ناقلات النفط، هو أيضًا نقطة التقاء بين الجغرافيا والطاقة والسيادة. من يشارك في إدارة أمنه لا يحصل فقط على منفعة اقتصادية، أيضًا يحصل على اعتراف بدور سياسي. لهذا؛ فإن اختزال القضية في مسألة الرسوم يشبه النظر إلى ظل الحدث وتجاهل الحدث نفسه. إذ إن المال يمكن إعادة توزيعه، والنسب يمكن تعديلها، والآليات يمكن تغييرها، لكن الاعتراف بدور طرف إقليمي في إدارة حركة الملاحة يمثل تحولًا سياسيًا؛ يصعب التعامل معه على أنه تفصيل عابر.
لذلك؛ تأتي أهمية الحديث عن العودة إلى الوثيقة الأمريكية -الإيرانية. إذ إن القضية ليست أن ورقة قديمة عادت إلى الطاولة، بل لأن الظروف التي دفعت إلى تجاوزها لم تعد قائمة بالطريقة نفسها؛ الوثائق السياسية لا تعود؛ لأن الأطراف أصبحت أكثر انسجامًا، بل لأنها تصبح أقل كلفة من البدائل الأخرى.
الحرب لم تنهِ التناقضات بين واشنطن وطهران، لكنها ربما أعادت تعريف حدود الممكن. إذ إن الولايات المتحدة لم تتحول فجأة إلى شريك لإيران، وإيران لم تتخل عن مشروعها الإقليمي، لكنّ الطرفين اكتشفا أن استمرار المواجهة المفتوحة ينتج كلفة أكبر من القدرة على الاحتمال، وإدارة الصراع قد تكون أكثر واقعية من محاولة حسمه.
إزاء هذا الفهم للواقع؛ تظهر المفارقة؛ فالمسار الذي بدأ بهدف تقليص الدور الإيراني قد ينتهي بإعادة صياغة هذا الدور داخل إطار تفاوضي أكثر وضوحًا. ليس لأن واشنطن اختارت ذلك ابتداءً، بل لأن موازين القوة فرضت عليها البحث عن صيغة تستوعب وجود إيران بدل الاستمرار في محاولة تجاهله. لهذا؛ فإن العودة المحتملة إلى التفاهمات لا تعني انتصارًا كاملًا لطرف وهزيمة كاملة لطرف، بل تعني أن النظام الإقليمي يدخل مرحلة مختلفة، مرحلة لا تُدار فيها التوازنات بالهيمنة المطلقة، إنما بالاعتراف المتبادل بالقدرة على التأثير.
إن أخطر ما في مضيق هرمز ليس السفن التي ستعبره، ولا الأموال التي قد تنتج عن عبوره، بل القاعدة السياسية التي قد يرسخها: أن أمن المنطقة لم يعد يمكن صياغته من طرف واحد، والقوى التي حاولت عزل بعضها البعض انتهت إلى التفاوض في كيفية التعايش داخل معادلة واحدة.
لذلك؛ السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء ضجيج التسريبات ليس من سيحصل على رسوم المرور؟ بل؛ من استطاع أن يحول موقعه الجغرافي والعسكري إلى اعتراف سياسي؟ فالتاريخ لا يتذكر من قبض العائدات، يتذكر من غيّر قواعد اللعبة.
قد يكون أهم ما تكشفه عودة الحديث عن الوثيقة الأمريكية- الإيرانية أن الحرب بدل أن تغلق باب التفاوض، أعادت فتحه؛ ولكن بشروط جديدة، شروط لم تُكتب في مكاتب الدبلوماسيين وحسب، أيضًا فُرضها ميزان القوى الذي ظهر في الميدان. .. لهذا ربما لم تعد إيران إلى الوثيقة.. ربما كانت واشنطن هي التي عادت إليها، بعدما اكتشفت أن القوة قادرة على تغيير المعادلات، لكنها ليست دائمًا قادرة على كتابة نهاياتها..!