فحص بـ1.7 دولار كلفته 1.5: هكذا تخنق شركات التأمين المختبرات

post-img

عزة الحاج حسن (صحيفة المدن) 

أزمة بنيوية تعصف بالقطاع الصحي بمختلف مكوّناته، من مستشفيات وأطباء وصيادلة ومختبرات، في مواجهة مفتوحة مع شركات التأمين. أزمة لا يبدو أن أياً من أطرافها المهنيين مستعد لتحمّل تكلفتها، ليبقى المريض في نهاية المطاف، وكما هي الحال في كافة الأزمات، الحلقة الأضعف التي تُحمَّل فاتورة الخلافات.

وبعد أزمة طاحنة وقعت منذ أشهر بين المستشفيات وشركات التأمين لم تنته إلى توافق، فُتحت اليوم معركة جديدة بين الأطباء والصيادلة والمختبرات من جهة وشركات التأمين من جهة أخرى، والسبب مشترك بين المعركتين "التعرفات المجحفة".

وإذا كانت المستشفيات وشركات التأمين "تشتبكان" لتحقيق مكاسب إضافية، فإن المختبرات تشتبك اليوم مع شركات التأمين لوضع حد للخسائر على حد تعبير أصحاب المختبرات. قد يصعب تصديق مسألة تكبّد الخسائر في مؤسسات تشكّل عصب القطاع الصحي وهي المختبرات، غير أن بعض الأرقام التي كشفها نقيب أصحاب المختبرات تفضح إجحافاً كبيراً بحق المرضى بالدرجة الأولى، وهم الذين يتحمّلون فارق الفواتير حين تتمنّع شركات التأمين عن التغطية المنصفة.

وكيف يمكن بتعرفات شركات التأمين لفحوصات مخبرية أن تكون أقل بأضعاف التعرفات نفسها المعتمدة من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لصالح المختبرات؟

جوهر الخلاف بين المختبرات والتأمين

يتمحور جوهر الخلاف القائم بين المختبرات وشركات التأمين حول عدم دفع الأخيرة تعرفات منصفة للمختبرات الطبية بدل الفحوص، في مقابل تعاملها بشكل مختلف تماماً مع باقي القطاعات الطبية.

شركات التأمين تدفع تعرفات مخبرية تعتبرها النقابة منخفضة جداً ولا تتماشى مع التضخم الفعلي وكلفة الفحوصات بالدولار أو وفق سعر الصرف الحالي. 

فالمختبرات بحسب نقيب أصحاب المختبرات في لبنان الدكتور كريستيان حداد تعاني من غلاء الكواشف المخبرية المستوردة، وصيانة الأجهزة، وأسعار المحروقات والطاقة اللازمة لتشغيل المبرّدات والمعدات دون انقطاع، في حين تتخلّف شركات التأمين عن تحسين قيمة تعرفات الفحوص المخبرية بما يتماشى مع رفعها قيمة بوالص التأمين على المواطنين.

أرقام توضّح حجم التفاوت

تحدّد شركات التأمين تسعيرة لاختبارات المختبرات تقل كثيراً عن مثيلتها في المستشفيات وكذلك في الضمان الاجتماعي. ولتوضيح طبيعة هذا التفاوت، نأخذ مثالاً كفحوصات الرمز  "L"فبينما تعتمد شركات التأمين تعرفة تقارب 0.16 لهذا الصنف في المستشفيات، فإنها تخفّض التعرفة بالنسبة إلى المختبرات إلى ما يقارب 0.05، في حين أن تعرفة الضمان الاجتماعي للرمز نفسه تبلغ 0.09 وهو ما اعتمدته نقابة المختبرات كحدٍّ أدنى للتفاوض مع شركات التأمين. 

بمعنى آخر تطالب المختبرات بمساواتها بتعرفة صندوق الضمان الاجتماعي التي تقل عن التكلفة الحقيقية للاختبارات لكنها بالطبع تفوق تلك المحدّدة من قبل شركات التأمين.

يستنكر النقيب حداد في حديثه لـ"المدن" أن تكون تعرفة شركات التأمين أقل بكثير من تعرفة الضمان الاجتماعي. ويضيف أن شركات التأمين، بدلاً من التزامها بالحد الأدنى، تعمد إلى المضي في تخفيض الأسعار أكثر، فتصل التعرفة الفعلية إلى أقل من 0.05، إذ تضيف إليها خصماً إضافياً يبلغ 30% على رقم الأعمال الإجمالي فتنخفض القيمة الفعلية إلى ما يقارب 0.04، وهو مبلغ لا يغطي حتى كلفة الكواشف وحدها.

وتواصلت "المدن" مع جمعية شركات الضمان (التأمين) في لبنان لمعرفة موقفها من هذه الأرقام والاتهامات الموجّهة إليها، إلا أنها لم تتلقَ أي جواب.

وفي مثال أوضح كانت تبلغ تكلفة فحص CBC قبل عام 2019 نحو 7 دولارات أميركية. أما اليوم، فقد باتت مؤسسة الضمان الاجتماعي تعتمد سعراً يقارب 4.5 دولار للفحص، في حين تعتمد بعض شركات التأمين الخاصة سعراً للمختبرات لا يتجاوز 1.7 إلى 1.8 دولار، علماً أن كلفة الكاشف وحدها تبلغ نحو 1.5 دولار. وهذا لا يشمل الكلفة الإضافية المتمثلة في أجور الموظفين وإيجار المختبر وسائر الأعباء التشغيلية.

وبذلك، يتبيّن أن أسعار مؤسسة الضمان الاجتماعي نفسها المنخفضة أصلاً، تفوق تلك المعتمدة من قبل شركات التأمين لتغطية الفحوصات المخبرية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل استحدثت شركات التأمين مؤخراً بنوداً وإجراءات جديدة تزيد من تعقيد العلاقة مع المختبرات.

أزمة التأمين مع المستشفيات

وبالعودة إلى أزمة شركات التأمين مع المستشفيات فتعود إلى مطلع العام الحالي، حين أقدمت شركات التأمين على رفع أسعار بوالص التأمين الصحي على المؤمّنين بنسب تراوحت بين 15 و20 في المئة، بسبب ارتفاع الكلفة التشغيلية عليها وتراجع حجم سوق التأمين وازدياد نسبة المؤمَّنين من كبار السن والمرضى، وهم الفئة الأكثر استهلاكاً للخدمات الطبية. غير أن هذه الزيادة، التي طالت جيب المرضى مباشرة، لم تنعكس على مختلف مكوّنات القطاع الطبي، بل جاءت متبانية بشكل لافت بحسب الجهة المعنية.

وبعد اعتراضات ومفاوضات مع الأطباء والمستشفيات، اضطرت شركات التأمين إلى قبول زيادات طفيفة في التعرفات وهو ما استدعى اشتباكاً لاحقاً بسبب عدم التزام شركات التأمين، وكما في كل أزمات القطاع الصحي ضحت المستشفيات وشركات التأمين بالمرضى الذين فُرض عليهم دفع فارق الفواتير للمستشفيات.

أما مع المختبرات، فالمفارقة أكبر ففي الوقت الذي شهدت فيه تعرفات الأطباء والمستشفيات ارتفاعاً ولو كان متعثراً، اتجهت شركات التأمين إلى خفض التعرفات المخصصة للفحوص المخبرية بدلاً من رفعها، إلى حدّ باتت معه هذه التعرفات لا تغطي حتى الكلفة الفعلية لمواد الفحص نفسها.

وقد دفع هذا الواقع نقابة أصحاب المختبرات في لبنان إلى التصعيد عبر بيانات ومطالبات ومؤتمر صحافي مرتقب اليوم باعتماد حدٍّ أدنى للتعرفة، بعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة مع شركات التأمين. وبحسب المعلومات تتّجه نقابات المختبرات والأطباء والصيادلة اليوم إلى التصعيد في وجه شركات التأمين متمسّكة بتحديد التعرفة الدنيا عند 0.09 كحدٍّ أدنى لا يجوز النزول عنه. 

وبين تعنّت شركات التأمين، وتهديدات النقابات الصحية بنقل عبء الخلاف إلى المرضى، يجد المواطن اللبناني نفسه، كما في كل مرة، أمام ارتفاع تكاليف الطبابة من جديد في مقابل تقلّص التغطية الصحية. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد