رؤى قاسم (صحيفة الأخبار)
لم يعد التقنين القاسي في ساعات التغذية الكهربائية طارئاً على 112 قرية في البقاع الغربي وإقليم الخروب والجنوب. فالمنطقة التي عرف عنها أنّها تحصل على تغذية كهربائية تراوح من 20 إلى 24 ساعة يومياً، من الطاقة المنتجة في معامل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني الكهرومائية، يبدو أنها «أُصيبت بالعين»، إذ باتت لا تحصل على أكثر من 10 إلى 12 ساعة يومياً منذ نحو سنتين، في معظم فترات السنة.
وعلى الرغم من أنّ عدد ساعات التغذية بالكهرباء يعدّ كبيراً بالمقارنة مع الساعتين يومياً في معظم المناطق اللبنانية، ولكن وقع التقنين على هذه المناطق أقسى وأشدّ بسبب عدم وجود مولدات، أو ما يعرف بـ«اشتراكات الأحياء». فهي، ومنذ إنشاء سدّ القرعون تستفيد من تغذية بالكهرباء تصل في بعض الأحيان إلى 22 ساعة يومياً، نظراً لتقديم هذه القرى أجزاء من أراضيها لصالح مشروع السد.
هذا ما يوضحه رئيس بلدية مشغرة ورئيس اتحاد بلديات بحيرة القرعون، الذي يضم 19 بلدية، إسكندر بركة لـ«الأخبار»، ويقول بأنّ المنطقة لم تعتد على هذا النمط من الانقطاع، مبيناً أنه في ستينيات القرن الماضي، ومع إنشاء سد القرعون، مُنحت القرى التي أُنشئ سد القرعون ومعمل عبد العال على أرضها حقاً مكتسباً بـ20-22 ساعة تغذية كهربائية، نظراً إلى اقتطاع أراضٍ خاصة منها وتقديمها مجاناً للمشروع. وإذ يشير إلى أن الاتحاد يحاول الحصول على هذا المرسوم بهدف إبرازه، نظراً إلى أن التوثيقات في تلك الأيام لم تكن مثالية، يلفت بركة إلى أنه «هناك من قرر قبل سنوات تغيير هذا الأمر وحرمان أهالي هذه القرى من هذا الحق المكتسب»، بناءً على مناكفات سياسية.
أما اليوم، فتعلو صرخة سكان المنطقة بين الحين والآخر، تحديداً في البقاع الغربي، وصولاً إلى التهديد بإقفال معمل عبد العال، بعدما حفظ المواطنون تبريرات المعنيين: شحّ في المياه، موسم مائي ضعيف، أعطال طارئة، سوء في التوزيع، واستنسابية بخلفيات سياسية، وغيرها. وفي المحصلة، يتراشق المعنيون التهم، وتقع القرى المستفيدة من المعامل الكهرومائية في العتمة مجدداً.
وعليه، ينعكس التقنين المستمر سلباً على سكان المنطقة وأصحاب البرادات الزراعية والمصالح فيها. فعلى الرغم من لجوء بعضهم إلى حلول بديلة، كتركيب أنظمة الطاقة الشمسية وغيرها. ولكن يعجز معظم أهالي القرى عن تحمّل كلفة هذه البدائل. من جهة ثانية، تبقى «النعمة» الوحيدة، وإن باتت اليوم نقمة، غياب «مافيا المولدات» عن المنطقة. ويذكر أنّ وطأة التقنين تزيد في القرى التي عانت من الحرب والنزوح وما خلّفاه من تداعيات اقتصادية، ما دفع الأهالي إلى تنظيم احتجاجات شعبية وصلت إلى حدّ التهديد بإقفال معمل عبد العال.
شحّ المياه وعجز «كهرباء لبنان»
من جهته، لا ينكر رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية، في حديث مع «الأخبار»، وجود «حق مكتسب» للمناطق المستفيدة من المعامل الكهرومائية التابعة للمصلحة، بغضّ النظر عن صحة وجود مرسوم اشتراعي أو غيره. لكنه يقول إن المشكلة اليوم لا تتمثل بحرمان المنطقة من الكهرباء عن قصد، بل تعود إلى أزمة إنتاج الكهرباء في البلاد، في ظل عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين حصتها من الإنتاج، فضلاً عن شحّ المياه نتيجة سنتين مائيتين شحيحتين.
ويقول علوية إن إنتاج معامل الليطاني الكهرومائية، في ظل كمية المياه المتوافرة حالياً، يتراوح بين 25 و30 مليون كيلوواط ساعة شهرياً، بعدما كان يبلغ نحو 70 مليون كيلوواط ساعة شهرياً في سنوات سابقة. ما يعني بأنّ هذه الكمية تؤمّن حالياً للبلدات المستفيدة نحو 10 إلى 12 ساعة تغذية يومياً، فيما تحتاج المنطقة إلى نحو 20 ميغاواط إضافية لرفع التغذية إلى حوالى 16 ساعة.
وعلى الرغم من توضيح علوية، تعزو مصادر أهلية ورسمية التقنين إلى مناكفات سياسية يُراد من خلالها حرمان أبناء المنطقة من حقهم في الكهرباء نظراً إلى انتماءاتهم السياسية، من دون أن تنكر وجود تراجع في منسوب المياه، لكنها ترى أن التغذية يمكن أن تكون أفضل، إلا أنه يتم استجرارها لتغذية مناطق أخرى، ولا سيما الدوائر الرسمية كالمطار وقصر بعبدا وغيره.
في المقابل، يرفض علوية تحميل وزير الطاقة جو صدي مسؤولية تراجع التغذية والاتهامات السياسية الموجهة إليه، وهو الاعتقاد السائد لدى أبناء المنطقة، تحديداً في البقاع الغربي، مؤكداً أن الوزارة تنسّق مع المصلحة والنواب بهدف الحفاظ على «الحقوق المكتسبة» وتعزيز التغذية فيها. وعليه، يتم وضع كل الكهرباء المنتجة من المعامل الكهرومائية حصراً لتغذية القرى المستفيدة بتوازٍ واعتدال.
ويبيّن أن المصلحة كانت تجرّ ما يفيض عنها من الكهرباء سابقاً إلى مؤسسة كهرباء لبنان، فيما كانت الأخيرة تعوّض النقص الذي يحصل في شهور الشح لدى المصلحة، غير أن هذا الأمر غير ممكن اليوم، ويصطدم بقدرة مؤسسة كهرباء لبنان المحدودة على الإنتاج في ظل نقص الفيول والإنتاج الحراري.
التعديات والجباية: تقنينٌ فوق التقنين
بالإضافة إلى شحّ المياه، يلفت علوية إلى وجود تعديات على الشبكة العامة وسرقات للكهرباء، فضلاً عن ضعف الجباية في القرى المستفيدة، مبيناً أن هذه العوامل تزيد من الأحمال على الشبكة وتحدّ من إمكانية رفع ساعات التغذية.
ويشير إلى وجود معامل غير مرخّصة تستجرّ الكهرباء، إضافة إلى تعديات في عدد من البلدات، فضلاً عن مخيمات النازحين، معتبراً أن «الحل الوحيد لزيادة التغذية» يبدأ بتركيب العدادات والقواطع، ووقف التعديات، وتحسين الجباية. وبحسب علوية، فإن ضبط هذه المخالفات من شأنه تخفيف الأحمال على الشبكة، بما يسمح بتحويل الإنتاج الحالي إلى تغذية تصل إلى 16 ساعة للبلدات المستفيدة.
لذا يؤكد علوية على أن المصلحة طالبت مؤسسة كهرباء لبنان بضبط التعديات على الشبكة العامة، وقد وجّهت مؤخراً كتاباً يوثّق التعديات ويشرح انعكاساتها على التغذية، متسائلاً عن الجهات التي تغطي هذه التعديات لمصالح سياسية.
في المقابل، لا ينفي بركة وجود تعديات على الشبكة، لكنه يعتبر أن مسؤولية ضبطها تقع على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان، ولا سيما أن البلديات لا تملك الصلاحية التنفيذية اللازمة لوقفها، مبيناً أنه في العديد من الحالات قامت مؤسسة الكهرباء بإزالة ترانسات وقواطع كهرباء، ما يعني أنها غير متساهلة في هذه الأمور.
حلول فردية وخسائر إضافية
وفي انتظار تحسّن الموسم المائي ومعالجة التعديات ورفع مستوى الجباية، تبقى الحلول المتاحة أمام سكان المنطقة فردية ومكلفة، من الطاقة الشمسية إلى المولدات الخاصة، وسط خسائر بمئات وآلاف الدولارات يتكبدها أهالي المنطقة، من السكان وصولاً إلى أصحاب المصالح والمعامل والبرادات الزراعية وغيرها.
وبينما تستمر المطالبات الشعبية والبلدية بتحسين التغذية، يبقى المواطن أسير فشل الدولة والجهات المعنية، على مختلف انتماءاتها، في تأمين أبسط الحقوق، وهي الكهرباء، فتجد الحلّ في حرمان الجميع، فيما تستمر الخلافات حول من يتحمّل المسؤولية، ويبقى المواطن وحده من يدفع ثمنها.