مهى كنج (صحيفة النهار)
العواطف خادعة وقد تؤثر على المنطق والعقل، وأحياناً يكون لها تأثير سلبي أو إيجابي على خياراتنا وقراراتنا المالية.
فماذا يحدث للاقتصاد عندما يصبح مجتمع كامل أكثر غضباً؟ لا يتوقف التأثير عند الحالة النفسية أو المزاج العام، بل يمكن أن يصل مباشرة إلى أحد محركات الاقتصاد الأساسية، سلوك المستهلك.
فالغضب قد يدفع إلى خفض الإنفاق وتأجيل المشتريات، لكنه قد يقود في حالات أخرى إلى الشراء الاندفاعي أو الاستهلاك التعويضي.
لذلك، فإن السؤال ليس فقط: هل ينفق المستهلك أكثر أم أقل؟ بل أين ينفق، وماذا يشتري، ومن يكافئ أو يعاقب بأمواله؟
تشير الدراسات في علم النفس الاقتصادي إلى أن الغضب يختلف عن الخوف والقلق. فبينما يرتبط الخوف بتقديرات أكثر تشاؤماً للمخاطر وميل أكبر إلى تجنبها، ارتبط الغضب بتقديرات أكثر تفاؤلاً للمخاطر واستعداداً أكبر للمخاطرة واتخاذ قرارات مختلفة تجاهها (Lerner & Keltner, 2001). وفي سلوك المستهلك، أظهرت دراسة منشورة في Journal of Business Research أن الغضب الأخلاقي الناتج من السلوك غير الأخلاقي للشركات يمكن أن يشكل محفزاً رئيسياً لسلوك المقاطعة، بما يحوّل الانفعال إلى سلوك استهلاكي مباشر (Lindenmeier, Schleer & Pricl, 2012).
فالشعور النفسي يبدأ عند المستهلك ويمكن ان ينتقل في النهاية الى السوق فيزيد الإنفاق أو يتقلص. وليست مرحلة "كوفيد-19" وما رافقها من غضب، نجم بعضه عن شائعات وبعضه الآخر عن حقائق، سوى مثال واحد.
كيف يتحول الغضب إلى تأثير اقتصادي؟
تخيل شركة تبيع منتجاً مشهوراً، ثم تقوم بعمل يراه المستهلكون غير مقبول. سيحدث غضب وفقدان ثقة وتغيير سلوك الشراء لدى المستهلك تجاه المنتج، وبالتالي انخفاض المبيعات. وخاصة بعد انتشار الانتقادات على السوشيل ميديا ما يؤثر على شريحة واسعة، ففي السابق كان إذا غضب 100 عميل من منتج لا يسمع به أحد بينما اليوم اذا غضب عامل واحد ينتشر الغضب خلال ساعات.
فالشعور النفسي يبدأ عند المستهلك ويمكن ان ينتقل في النهاية الى السوق المالي.
لماذا يسمى "سلوك المستهلك في السوق الذي يتأثر بالغضب"(Anger- Driven Consumer Market Behavior) ؟
في الاقتصاد التقليدي يفترض أن المستهلك يتخذ قرارته الشرائية بطرق عقلانية، هذا المنتج أحتاج إليه وسعره مناسب وجودته مرتفعة، لذلك يتجه إلى شرائه.
إلا أن الواقع أكثر تعقيداً بحيث إن المستهلك يتوجه إلى ما يحبه وفي حال غضبه من الشركة لا يشتري، فالعاطفة تؤثر على القرارات الاقتصادية.
من الغضب إلى البحث عن الأرخص
عندما يرتبط الغضب بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يكون الاتجاه الأكثر وضوحاً هو إعادة ترتيب سلة الاستهلاك. يبدأ المستهلك بتفضيل الضروريات، والبحث عن العروض والخصومات، والانتقال من العلامات التجارية الأغلى إلى بدائل أقل سعراً، وتأجيل المشتريات الكبيرة.
وتشير دراسة للإحتياطي الفدرالي الأميركي، إلى أن ارتفاع الأسعار المرتبط بالرسوم الجمركية أدى إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الضروريات والمنتجات الأرخص، وقدّرت الدراسة أن ارتفاع الأسعار نحو 1 و 2 في المئة ارتبط بانخفاض الإنفاق بنحو 4 في المئة في الفئات الأكثر تعرضاً للزيادة السعرية.
وهذا يعني أن المستهلك لا يتوقف عن الشراء بالضرورة، بل يغيّر نوعية مشترياته وتوقيتها.
القدرة الشرائية تتحول إلى أداة احتجاج
عندما يكون الغضب موجهاً إلى شركة أو علامة تجارية، يمكن أن تتحول عملية الشراء إلى موقف اجتماعي أو سياسي. فقد يقاطع المستهلك شركة بسبب موقفها من قضية معينة، أو ينتقل إلى منافس يعتقد أنه يتوافق بصورة أكبر مع قيمه.
وتكشف دراسة حديثة اعتمدت على بيانات معاملات فعلية أن المستهلكين الذين يتوافقون مع موقف شركة من قضية اجتماعية زادوا إنفاقهم لديها بنحو 19 في المئة بعد إعلان موقفها، في حين خفّض المستهلكون الأكثر معارضة لذلك الموقف إنفاقهم بنحو 12 في المئة.
وبالتالي، قد لا يؤدي الغضب الجماعي إلى انكماش السوق ككل، بل إلى إعادة توزيع الإنفاق بين الشركات والعلامات التجارية
هل يمكن أن يدفع الغضب إلى الإنفاق؟
نعم يمكن أن يتحول الغضب أحياناً إلى رغبة في الحصول على مكافأة فورية أو تحسين المزاج، خصوصاً في بيئة التجارة الإلكترونية التي تجعل الانتقال من الانفعال إلى الشراء سريعاً.
وتشير دراسة في مجلة السياسات العامة والتسويق 2025، في سلوك المستهلك إلى أن الانفعالات السلبية يمكن أن تؤثر في القرارات الاندفاعية، فيما قد يصبح الشراء وسيلة للتعويض النفسي. لكن هذا التأثير ليس آلياً، فالغضب قد يدفع شخصاً إلى الشراء، وقد يدفع آخر إلى ضبط الإنفاق، تبعاً للسبب الذي أثار الغضب وشعور الفرد بقدرته على التأثير.
ثقة منخفضة ... وإنفاق مستمر
الأرقام الاقتصادية الحديثة تؤكد أن تراجع المزاج الاستهلاكي لا يعني بالضرورة انهيار الإنفاق. ففي الولايات المتحدة، تراجع مؤشر ثقة المستهلك إلى 51 نقطة في آب/أغسطس 2026، من 55.2 نقطة في تموز/يوليو، وسط استمرار المخاوف بشأن الأسعار والاقتصاد.
ومع ذلك، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي الشخصي في حزيران/يونيو بنسبة 0.3 في المئة، بما يعادل 65.2 مليار دولار، وفق مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي، بينما بلغ معدل الادخار الشخصي 2.7 في المئة.
وفي الاتحاد الأوروبي، ارتفعت ثقة المستهلك في تموز/يوليو إلى 15.1 نقطة، وفي منطقة اليورو إلى 15.9 نقطة، لكنها بقيت دون متوسطها الطويل الأجل.
هذه البيانات تكشف الفارق بين المزاج الاقتصادي والسلوك الفعلي، يمكن للمستهلك أن يكون غاضباً أو غير واثق، لكنه يواصل الإنفاق، مع تغيير أولوياته
ماذا يحدث للقطاعات الإقتصادية؟
في بيئة الغضب والضغط المالي، تكون السلع والخدمات الاختيارية الكبيرة أكثر عرضة للتأجيل، بينما تحافظ الضروريات على موقعها. وقد ينتقل المستهلك من المطاعم إلى الطبخ المنزلي، ومن المنتجات الفاخرة إلى البدائل الاقتصادية، ومن السفر المكلف إلى الرحلات الأقصر والأقرب.
وفي المقابل، يمكن أن تستفيد بعض قطاعات الترفيه والاستهلاك الصغير من الاستهلاك التعويضي، إذ يبحث الفرد عن مكافآت منخفضة التكلفة تساعده على تخفيف الضغط.
وعليه، الغضب الجماعي لا يعني ببساطة أن الناس سينفقون أقل. التأثير الأعمق هو أن يصبح المستهلك أكثر انتقائية وحساسية للسعر، وأكثر استعداداً لتغيير العلامة التجارية، ومقاطعة شركات، أو دعم أخرى تتوافق مع قيمه.
وعندما يمتزج الغضب بالخوف وعدم اليقين، يزداد الميل إلى تأجيل القرارات الكبيرة والاحتفاظ بالسيولة. أما عندما يكون الغضب مصحوباً بشعور بالقدرة على الفعل، فقد يتحول الإنفاق نفسه إلى أداة للتعبير.
فإن، المجتمع الغاضب لا يتوقف عن الاستهلاك بالضرورة، لكنه يبدأ في الاستهلاك بطريقة تحمل رسالة.