رلى إبراهيم (صحيفة الأخبار)
دخل وزير الصناعة جو عيسى الخوري إلى جلسة مجلس الوزراء أمس، حاملاً كيساً بلاستيكياً من التفاح البشراوي، قدّمه أمام الكاميرات بوصفه «الأهم في العالم». لكن حين سُئل عمّا إذا كان هذا التفاح سيجد طريقه إلى التصدير، تظاهر بأنه لم يسمع السؤال.
هكذا تحوّل التفاح إلى مادة للاستعراض، فيما ينتظر آلاف المزارعين البشراويين ترجمة الوعود التي قطعتها لهم قيادة «القوات اللبنانية» بفتح الأسواق الخليجية أمام إنتاجهم وتصريفه. فبشري تواجه هذا العام أزمة حقيقية، بعدما تكبّد مزارعوها كلفة مرتفعة للزراعة والقطاف والتخزين والنقل، من دون أن تتوافر لهم حتى الآن أسواق كافية لتصريف إنتاجهم. ولم تتمكن «معراب»، رغم ما يُنسب إليها من علاقات «عابرة للقارات»، من تأمين منفذ فعلي لتصدير التفاح.
الواضح تماماً أن «القوات اللبنانية» تجد نفسها في ورطة نتيجة سوء أداء وزرائها في وزارات لطالما طالبت بتوليها، لـ«تعلّم» الآخرين أصول إدارة شؤون الناس. وينعكس هذا الفشل جلياً في أداء الوزراء الأربعة، الذين يبدون في الآونة الأخيرة أكثر توتراً، في ظل وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ، واستعراضات لا تلامس أصل المشكلات، وتهديدات بالاستقالة، وصولاً إلى إصدار قرارات ثم التنصل منها أو المطالبة بالتراجع عنها.
وعلى هذا المنوال، خرج وزير الطاقة جو صدي ليعلن عزمه طرح إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وهو الرسم الذي أقرته الحكومة قبل سبعة أشهر ووقّعه الوزير نفسه، ولم يكن ليمر من دونه. وإذا كان صدي قد بات اليوم يقدّم نفسه معارضاً للرسم، فإن السؤال يبقى: لماذا انتظر كل هذه الأشهر قبل أن يطالب بإلغائه؟
وقد التقط رئيس الحكومة نواف سلام «شعبوية» معراب، فتعامل مع طرح صدي بالمثل، طالباً منه إعداد عرض متكامل حول الموضوع وإحالته إلى وزير المال ياسين جابر لدراسته، على أن يُتّخذ القرار بعد ذلك.
والمشكلة هنا ليست في التراجع عن قرار قد يكون خاطئاً، بل في تقديم التراجع عنه باعتباره إنجازاً لمصلحة اللبنانيين، متنصّلاً من كونه شريكاً أساسياً في القرار الذي رفع الأكلاف على الناس، ولم تقتصر تداعياته على سعر البنزين، بل طاولت مختلف السلع والخدمات المرتبطة بكلفة النقل والطاقة.
ويبدو أن الوزير القواتي يعمل، ببساطة، «على الموجة»: حين كان «الترند» نحو زيادة رواتب القطاع العام، وافق على إضافة الرسم لاسترضاء الشارع، ولما صرخ الشارع مجدداً في وجهه، سوّق لإلغاء الرسم، فيما لم يحصل المستفيدون على الزيادة بعد. وفي الحالَين، يبقى الثابت أن المبلغ اقتُطع ويُقتطع من جيوب اللبنانيين.
«الكذب» ملح الوزراء
كشف أداء جو صدي في وزارة الطاقة حجم الفجوة بين الدعاية القواتية ووعود معراب بتأمين الكهرباء في حال وصولها إلى السلطة، وبين واقع العتمة وسوء التقدير وغياب خطط الطوارئ. فقد استخدمت معراب ملف الكهرباء طويلاً في المزايدات الشعبية والتنافس مع التيار الوطني الحر عندما كان في السلطة، إلى أن بات لسمير جعجع أربعة وزراء «سياديين» في الحكومة، فانقلب السحر عليه.
ولا يقتصر الأمر على عيسى الخوري وصدي، إذ يتقدمهما بأشواط وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة، الذي يجهد لإقناع الحكومة بتوقيع مرسوم تحويل وزارته إلى وزارة أصيلة. وقد بدأ تسويق أهمية عمله بتوقيع اتفاقية، مطلع العام الجاري، لتدريب وتأهيل 50 ألف لبناني في مجالي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي مع شركة «Oracle». ورغم ما أثير حول الاتفاقية من محاذير أمنية، شدّد شحادة على أنها ستسهم في تطوير البنية التحتية الرقمية في لبنان، وصولاً إلى جعل 80% من الخدمات الحكومية قائمة على الحوسبة السحابية. مرّت عشرة أشهر، من دون أن يظهر أثر واضح لـ50 ألف متدرب، أو أن يلمس اللبنانيون تحولاً في الذكاء الاصطناعي أو حتى في «ذكاء الدولة» وبعض وزرائها.
ويبدو أن «نجاح» شحادة الاستثنائي شجّع رئيس الحكومة على الإعلان عن إطلاق مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي»، ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي. ومنذ ذلك الحين، بدأ شحادة الترويج لمشروع «المليون خبير»، فيما لا يزال الذكاء الاصطناعي غائباً عن معظم إدارات الدولة التي تواصل العمل بـ«المانيفال».
وللتوضيح، تشير أحدث دراسة ديموغرافية منشورة على موقع الجيش اللبناني إلى أن عدد اللبنانيين المقيمين في لبنان لا يتجاوز 3.7 ملايين نسمة. وهذا يعني أن مشروع شحادة، وفق الرقم المعلن، يستهدف تحويل نحو 27% من المقيمين إلى «خبراء» في الذكاء الاصطناعي، أي قرابة لبناني واحد من كل أربعة. ويشبه الأمر إعلان ألمانيا تأهيل نحو 22 مليون ألماني ليصبحوا خبراء محترفين في الذكاء الاصطناعي، أو إعلان الاتحاد الأوروبي، الذي يناهز عدد سكانه 451 مليوناً، تأهيل نحو 122 مليون خبير في المجال نفسه. والمشكلة، بطبيعة الحال، ليست في البرنامج أو في هدف نشر المعرفة الرقمية، بل في تضخيم الأرقام وبيع الأوهام والكذب المتواصل على اللبنانيين، بما ينسيهم الأكاذيب السابقة.
وعلى هذا المنوال، لا حاجة إلى الاستفاضة في تعداد «إنجازات» وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، في مرحلة كان يفترض أن يكون فيها نجم الدبلوماسية و«اللوبيينغ» لوضع لبنان على خارطة التضامن الدولي والإضاءة على الجرائم الإسرائيلية. بدلاً من ذلك، التزم رجي منزله «حرداناً» من عدم اصطحاب رئيس الجمهورية جوزيف عون له في رحلاته الخارجية، مكتفياً بدور كاتب بيانات الإدانة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بدول الخليج.
ولكن، حتى هذه الوظيفة المتواضعة لم يُحسن أداءها. فقد عجز عن تقديم نص واضح ومتماسك حول إنشاء بعثة أوروبية مدنية - عسكرية في لبنان، رغم بساطة المقترح، ما أدى إلى التباس لدى الوزراء عند طرح البند أمامهم، وانتهى إلى تأجيل البحث فيه.