الإسكندرية سحر وتاريخ يقاوم عوامل التعرية الحضارية والجمالية (1 - 2)

post-img

إيهاب شوقي/كاتب مصري

ما أن تطأ قدماك الإسكندرية تهاجمك المشاعر المختلفة والمتناقضة، أحيانًا، وفقًا لتصنيفك إن كنت زائرًا للمرة الأولى، أو عائدًا إليها، فإن كنت زائرًا جديدًا فأنت محمل بأفكار مسبقة تسابق الزمن لمعاينتها، وإن كنت عائدًا فأنت لا تملك إرادتك وخططك وبرنامجك.. قد يقودك الحنين إلى استعادة ذكرى وتكرار التجربة أو العودة إلى صخرة أو كرسي على مقهى أو ركن ودعته وعاهدته على لقاء جديد.

يتذكر البعض طفولتهم والتناقض التام بين دخولهم الإسكندرية ببسمة وخروجهم بعد انتهاء موسم الصيف بدمعة وشجن، فهي ذكرى مشتركة بين أجيال الطفولة والآباء والأجداد.. ربما لخصت معلمة اللغة العربية "إيمان الجزار" عشقها للمدينة بكلمات بليغة تقول: "مدينة لا تُشبه إلا نفسها، تمشي على رمالها كأنك تمشي في قلبٍ مفتوح على البحر، نسيمها يسرق منك الحزن، وبحرها يعيدك طفلًا يؤمن بالمعجزات. هي العشق الذي لا ينطفئ مهما ابتعدت، والحضن الذي تعود إليه كلما ضاقت بك الدنيا".

هل هي إسكندرية واحدة؟

في التنوع الثقافي والحضاري الناتج عن التراكم التاريخي، نحن أمام أكثر من إسكندرية، ولكننا، وبشكل مباشر وعملي وأثري، نحن أمام مدينة فوق الأرض ومدينة غارقة تحت البحر، وما يزال خبراء الآثار يتحفوننا باكتشافاتهم بداية من  هيراكليون الغارقة تحت مياه خليج أبو قير، والتي سبقت مجئ الإسكندر وبناء الإسكندرية بمسماها المنسوب إليه، وصولاً إلى الحي الملكي في الميناء الشرقي بين رأس التين وقلعة قايتباي، والتي تضم نسبة كبيرة من بناء الإسكندر والبطالمة، ومنها المنارة التي صنفت إحدى عجائب الدنيا السبع.

اللافت أن التخطيط الأصلي للإسكندرية الذي وضعه المهندس الإغريقي دينوقراطيس بأمر من الإسكندر الأكبر، في العام 331 ق.م، والمعروف بالنظام الهيبودامي أو الشطرنجي، لا يزال حاضرًا حتى اليوم، حيث لا تزال بعض الشوارع الرئيسة الحديثة، مثل شارع طريق الحرية (شارع فؤاد)، تطابق مسار الشارع الرئيسي القديم (الشارع الكانوبي) الذي يقطع المدينة من الشرق إلى الغرب، كما ظلت حركة تنظيم البناء ثابتة في مناطق كثيرة عبر العصور المختلفة.

هذه العوامل، كما يقول الباحث ميشيل ناجي، جعلت الإسكندرية واحدة من أعظم مدن العصور القديمة، تجمع بين العبقرية الهلنستية والحضارة المصرية والازدهار العلمي والثقافي. لا تزال آثارها، فوق الأرض وتحتها، تحكي قصة مدينة وُلدت لتكون عالمية منذ لحظتها الأولى.

حين تكون رحلة القطار جولة عبر التاريخ

من أشهر وسائل المواصلات الشعبية، والتي تُطوّر اليوم إلى مشروع المترو، هو قطار "أبو قير"، والذي يربط أقصى شرق المدينة بوسطها عند "محطة مصر"، والذي ظل مدعومًا بسعر تذكرته؛ حيث أصبح الوسيلة لشعبية الأولى للمواصلات.

محطات هذا القطار شاهدة على تراكم تاريخ الإسكندرية وتطوره، وما رشح من تحولات عبر العصور، فهو ينتهي عند أقدم مدينة تاريخية حلت محل هيراكليون الغارقة تحت خليج أبو قير، وقد تطورت أبو قير من قرية تعيش على الصيد إلى حي شعبي كبير به أشهر سوق للأسماك وبه ميناء ضخم. كذلك استُحدث رصيف بحري استثماري قابله أهالي أبي قير بمزيج من الخوف والأمل، حين عبر لنا محمد "سائق التوك توك" عن خوفه من إزالة المباني والأكشاك التي اقتات منها الناس أوقاتًا طويلة لمصلحة مشروع دولة الإمارات الاستثماري، والذي لا نرى مردودًا مباشرًا على الأهالي منه.

هذه المخاوف طالت العديد من الأوساط الشعبية، في مناطق مختلفة من الإسكندرية، واللافت أن كثيرًا منها لم يكن بدافع شخصي، إنما بدافع الغيرة على تراث الإسكندرية ومعالمها. لقد عبث الاستثمار بميزات كثيرة، وأهمها كورنيش الإسكندرية؛ حيث حجبت أسوار "الكوفي شوب" الحديثة رؤية البحر في مناطق عديدة، كما ردمت شواطئ تاريخية لمصلحة بعض المشروعات، كما أزيلت محطات الترام التاريخية لتكون مواقف للسيارات.

لا نزال مع قطار أبو قير، وهو يمر على محطات طوسون، وهي المنطقة المنسوبة إلى الأمير  "عمرطوسون "حفيد محمد علي باشا، والذي ولد وعاش في الإسكندرية وكان له قصر شهير، ثم المعمورة التي كانت خرائب يطلق عليها أهالي الاسكندرية "الخرابة،" ثم عمرت بالتزامن مع تطوير المنتزه وتحويله إلى منطقة ملكية، فتحولت من خرابة إلى "معمورة".

يمر القطار، أيضًا، على محطة الإصلاح، والتي سميت بذلك تخليدًا لمشروع الإصلاح الزراعي الذي دشنته ثورة يوليو، ووزعت الأراضي على صغار الفلاحين. يتنقل القطار ليمر بالمندرة، والتي تعددت الروايات التاريخية والتراثية في تسميتها، والثابت أنها كانت استراحة للقوافل وفيها غرفة تشرف على المنطقة. هذا النوع من الغرف يعرف في التراث باسم "المندرة". كما يمر القطار بالعصافرة المنسوبة لنبات طبي شهير يعرف بسنبل العصافيري، ثم "سيدي بشر" التي شهدت معيشة الإمام الصوفي الزاهد الشيخ بشر بن الحسين بن محمد الجوهري، والذي وفد إلى الإسكندرية في أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس الهجري.

في نقلة مفاجئة؛ يأخذك القطار إلى محطة "فكتوريا"، وهي منطقة سميت باسم ملكة بريطانيا، في أثناء الاحتلال البريطاني، والتي تحوى كلية شهدت تخرّج أسماء بارزة من الملوك والزعماء والأدباء والفنانين، منهم الملك حسين بن طلال والفنان العالمي عمر الشريف وغيرهم.

كما يمر القطار بمحطات توثق أصل المنطقة، مثل الرمل الميري، والتي توثق طبيعة المنطقة الصحراوية والرملية وتبعيتها للدولة أو الأملاك الأميرية.. ثم تمر بمحطة غبريال، في توثيق لكبار الإقطاعيين وملاك الأراضي الأجانب، مثل الخواجة فرنسيس غبريال، ثم محطة باكوس التي تختلف الروايات في تسميتها بين الأساطير الإغريقية والنسبة إلى "إله الشمس باخوس"، وبين نسبتها إلى الخواجة باكوس من كبار ملاك الأراضي الأجانب اليونانيين.

كذلك، يمر القطار بمنطقة سيدي جابر المنسوبة إلى العالم والولي الصالح الشيخ جابر بن إسحاق الأنصاري، والذي دفن هناك وبني مسجده الشهير في المنطقة، خلال القرن السابع الهجري.. ثم يدخل القطار إلى منطقة الحضرة، والتي جاء فيها قولان الأول نسبة إلى معركة الحضرة في تونس بين الهلالية والزناتة في عهد الدولة العباسية، والثاني نسبة لبحيرة الحضرة التي جففت من أجل مرور خط السكة الحديد عند إنشائها.. ثم ينتهي القطار بمحطة مصر، والتي سميت كذلك؛ لأن المحطة المركزية للربط مع القاهرة والمحافظات..إلا أن كل محطة، من هذه المحطات، محاطة بمناطق تاريخية، وتنقسم معها الإسكندرية إلى شمال السكة الحديد "بحري السكة"، وجنوب "قبلي السكة".

المنتزه مجمع قصور يزف العرائس

قد يطلق على المنتزه مصطلح قصر، وتشتهر حديقته بأنها "حديقة المنتزه"، ما يعطي صورة نمطية لقصر تاريخي له حديقة شاسعة، لكن في حقيقة الأمر أنه مجمع قصور وشاهد أخر على تطور التاريخ والتحولات السياسية. يكفي أن نقول إن قصري الحرملك والسلاملك والحدائق الملكية أصبحت مشاعًا للجماهير، وتحرص العرائس على الزفاف والتصوير في هذا المكان الملكي البديع.

الحكاية التاريخية تقول، باختصار، إنه في العام 1892، أمر الخديوي عباس حلمي الثاني ببناء أول قصر في المنطقة (السلاملك) ليصبح مصيفاً واستراحة ملكية، وبين عامي 1925 – 1928، أمر الملك فؤاد الأول، بإشراف المهندس الإيطالي فيروتشي، ببناء قصر الحرملك لتوسيع المقر الملكي. وشهد عصر الملك فاروق إضافات معمارية وتأمينية، مثل برج الساعة والسرداب السري.

بعد قيام ثورة 23 يوليو، اتخذ قرار بفتح حدائق وشواطئ المنتزه لعامة الشعب. أما قصر السلاملك؛ فقد تحول إلى فندق راقٍ، في حين فتح قصر الحرملك في أعقاب الثورة أمام الجماهير للزيارة قبل أن ينضم إلى مجموعة قصور رئاسة الجمهورية؛ ليقيم فيه ضيوف مصر من الرؤساء والملوك. في العام 1964، أقيم فندق "فندق فلسطين"؛ ليشهد إقامة ثاني قمة عربية احتضنتها مصر في الإسكندرية، من 5- 11 سبتمبر/أيلول 1964.

يبدو أن المنتزه يحوي تحت أرضه كنوزًا أثرية، وكما يقول أحمد عطا الله: "من المعتقد أن المنتزه مثل غيره من المواقع الساحلية الممتدة شرقًا وحتى كانوب". هي مدينة أبو قير حاليا"، كانت تضم مقابر وفيلات ومراسي خاصة.. هذا ما تؤكده الشواهد الأثرية الحالية، في جزيرة الشاي، كذلك الاكتشافات في منطقة المعمورة والأراضي المجاورة، والتي كانت ملك الأمير عمر طوسون وأراضي المعسكرات الساحلية الممتدة حتى أبو قير، والتي ما تزال تنتظر المزيد من التنقيب والاكتشافات الأثرية".

إلى هنا، نصل إلى نهاية الجزء الأول، وفي الجزء الثاني، سنحكي لكم حكاية العرافة التي قابلها الملك فاروق في قصر المنتزه ونبوءتها، وسنرصد لكم كورنيش الإسكندرية وكيف يوثق التنوع التاريخي، ونصطحبكم في رحلة لمعرفة التصوف الإسكندري وطبيعة الشخصية الإسكندرية، كذلك الطبيعة مدينة الإسكندرية المقاومة وشعبها، وكيف تعد المدينة شاهدًا على التحولات السياسية والاجتماعية وانعكاساتها التي بدت، بوضوح كبير بعروس البحر الأبيض المتوسط.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد