قرار بلا دراسة ولا بدائل... وآلاف العائلات أمام المجهول | إقفال المسالخ حول المطار: أزمة طيور أم طيران أميركي؟

post-img

زينب حمود (صحيفة الأخبار)

في 7 آب الجاري، اتخذ مجلس الوزراء، «بشحطة قلم» ومن دون مراجعة أو تقييم لتداعياته «الكارثية»، قراراً بإقفال جميع المسالخ والمزارع الواقعة ضمن شعاع خمسة كيلومترات من حرم مطار بيروت الدولي، ومنع إنشاء مسالخ ومزارع جديدة، بحجة الحفاظ على سلامة الطيران المدني والحؤول دون اصطدام الطيور بالطائرات. وأبلغت وزارة الزراعة أول من أمس أكثر من 15 مسلخاً ومزرعة دواجن وأبقار مرخّصة بضرورة الإقفال ومغادرة المنطقة خلال مهلة شهر. ويعزو المدافعون عن القرار، الذي وصفه أصحاب المسالخ والمزارع المتضررون بـ«المجحف»، غزو أسراب الطيور محيط المطار واصطدامها بالطائرات إلى أن الأعلاف المستخدمة في المزارع تجذب الطيور.

فيما يجزم محافظ جبل لبنان، القاضي محمد مكاوي، بأن «الروائح في محيط المطار سببها المزارع ومياه الصرف الصحي»، مشيراً إلى أنه «أصدر قراراً بإقفال ثلاث مزارع ملاصقة للمطار قبل الحرب الأخيرة، لكن تدخلات من مراجع سياسية حالت دون تنفيذ القرار». صحيح أن بعض المسالخ والمزارع قد تؤثر في حركة الطيران، إلا أن السبب الرئيسي للمشكلة يبدو في مكان آخر تماماً. فـ«بحسب تقرير أعدّته شركة فرنسية متخصصة بعد كشفها على منطقة المطار، لا تتجاوز مساهمة المسالخ والمزارع في الروائح التي تجذب الطيور الـ20%، فيما تعود النسبة الأكبر إلى مطمر الكوستا برافا ومصبّ نهر الغدير»، وفق ما ينقله أمين سر «نقابة اتحاد القصابين وتجار المواشي» ومدير مزرعة «خليفة للدواجن والأبقار» ماجد عيد، مؤكداً أن التزام أصحاب المزارع بتغطية الأعلاف بالشبك يجعل تأثيرها في حركة الطيور «لا يُذكر».

ويتقاطع هذا التقرير مع دراسة أخرى أعدها البروفيسور غسان جرادي، المتخصص في علم الطيور وبيئاتها، عام 2017، استناداً إلى مسح ميداني لمحيط المطار. وتخلص الدراسة إلى أن أبرز المناطق التي تستقطب الطيور خارج نطاق المطار هي مطمر الكوستا برافا ومصبّ نهر الغدير، حيث رُصد نحو 15 نوعاً من الطيور، معظمها من النوارس. وهذه الطيور إما مهاجرة عابرة، أو تقضي فصل الشتاء في لبنان قبل أن تغادره في آذار. ومن بين هذه الأنواع، يبرز النورس الضاحك، أو النورس أسود الرأس، الذي يشكّل خطراً على حركة الطيران، باعتباره الأكثر انتشاراً على طول الشاطئ اللبناني بأعداد تقارب عشرة آلاف طائر.

إذاً، تبدو الحكومة وكأنها تجاهلت الأسباب الحقيقية للأزمة، بين تعقيدات معالجة أزمة مطمر الكوستا برافا، وكلفة الحد من التلوث في نهر الغدير، والتقاعس عن ملاحقة «الكشاشين» في منطقتَي الأوزاعي وطريق المطار، الذين يشكلون بدورهم خطراً على حركة الطيران، لتضع المشكلة في الحلقة الأضعف والأسهل.

لكن، ما دامت الحكومة تتهرب من مسؤولياتها وتكتفي بـ«ترقيع» الحلول، فما الذي دفعها أساساً إلى استعراض حلّ لأزمة قديمة؟ «استرضاء لشركات الطيران الأميركية التي ستستأنف رحلاتها المباشرة إلى لبنان تحت شروط أمان صارمة»، يجيب عيد. وهو ما قد يفسر، في رأيه، تجاهل التداعيات الاقتصادية الفادحة للقرار على أكثر من 15 شركة، بعضها أقدم من المطار نفسه، استثمرت ملايين الدولارات بعدما حصلت على تراخيص قانونية للعمل في حرم المطار، فضلاً عن تهديد أكثر من ألفي عائلة بفقدان مصدر رزقها بعد تسريح الموظفين والعاملين في هذه الشركات.

ويستغرب صاحب شركة «هادي تشيكن»، محمد طحان، «كيف يمكن ببساطة إبلاغنا بإقفال المسلخ ومغادرة المنطقة، بعدما أنفقت 10 ملايين دولار على شراء الأرض وبناء المسلخ، ووظّفت 200 عامل، وأنشأت محطة لمعالجة المياه الملوثة بكلفة 200 ألف دولار التزاماً بالشروط الصحية، فضلاً عن التزامنا بالمواصفات العالمية ومعالجة النفايات الصلبة في غرف خاصة ومقفلة». ويسأل طحان: «إذا كان وجودنا في هذه المنطقة يشكل أي ضرر، فلماذا منحونا ترخيصاً؟». ويضيف: «لو أخبرونا بذلك من قبل، لأنشأت الشركة في منطقة أخرى أو حتى في بلد آخر».

وإذا كانت الدولة قد خلصت إلى أن وجود المسالخ والمزارع يشكل خطراً فعلياً على السلامة العامة، فأين البديل الذي وفرته لأصحاب هذه المصالح؟ ومن سيعوّضهم عن الخسائر التي ستلحق بهم؟ لا إجابة، طبعاً، عن أي من السؤالين. أما نقل هذه المصالح إلى مناطق أخرى من دون تكبّد خسائر فادحة، فهو «أمر مستحيل»، بحسب طحان، الذي يشرح أن قرار منع إنشاء المسالخ في المنطقة سيجعل بيع المصلحة في موقعها شبه مستحيل، فيما لا يمكن نقل المنشآت والتجهيزات القائمة، و«البدء من الصفر في منطقة أخرى، في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة، ضرب من الجنون».

وإلى جانب التداعيات الاقتصادية، وفي ظل غياب دراسة علمية واضحة وخطة بديلة، تغفل الحكومة المخاطر المباشرة التي قد يرتبها القرار على الأمن الغذائي. فالمسالخ والمزارع في منطقة الشويفات تؤمّن جزءاً أساسياً من حاجات بيروت من اللحوم، فيما تشكل شركات كبرى، مثل «هادي تشيكن» و«وهبة» و«بول دور» و«حرقوص» وغيرها، جزءاً من شبكة إنتاج محلية تؤمّن نسبة كبيرة من استهلاك اللبنانيين من الدجاج. وتزداد خطورة إقفال هذه المنشآت في ظل احتمال إقفال طرق الجنوب والبقاع نتيجة الظروف الأمنية، ما قد يهدد استمرارية الإمدادات الغذائية ويدفع بالأمن الغذائي إلى دائرة الخطر.

وفي حديث مع «الأخبار»، لا ينفي وزير الزراعة نزار هاني «الدور الأساسي الذي تؤديه المسالخ والمزارع في تزويد السوق المحلية باللحوم البيضاء والحمراء»، لكنه يرى أن «حماية المطار وأمن الملاحة الجوية أولوية، إلى جانب ضمان الأمن الغذائي». ويقسم هاني الإجراءات المتعلقة بسلامة الملاحة الجوية إلى شقين أساسيين: الأول يتعلق بـ«كشاشي» الحمام، إذ «وجهنا كتاباً إلى وزير الداخلية لإصدار تعاميم عبر المحافظين إلى البلديات، تقضي بإزالة أقفاص الحمام ومنع تربية الطيور قرب مسارات الطيران، نظراً إلى ما تسببه من مخاطر على حركة الطائرات والسلامة الجوية».

أما الشق الثاني، فيتعلق بالمسالخ ومزارع الأبقار والدواجن، حيث «تعمل الوزارة على إعداد تقرير تفصيلي بهذا الخصوص خلال الأسبوع الجاري، لتقييم مدى التزام هذه المنشآت بالمواصفات والشروط الصحية». ويلفت هاني إلى أن الزيارات الدورية التي تجريها الوزارة تؤكد أن «عدداً كبيراً من هذه المؤسسات ملتزم بالمعايير ويعمل ضمن الأطر القانونية»، فيما أُقفل عدد منها بهدف تصحيح أوضاعه قبل إعادة فتحه وفق المعايير المطلوبة. كما عقدت الوزارة اجتماعات مع أصحاب هذه المنشآت للحد من مصادر التلوث والروائح التي تسهم في جذب الطيور إلى محيط المطار، وقد أبدى المعنيون تعاوناً لتطبيق معايير بيئية وصحية أكثر صرامة.

لكن المفارقة أن وزارة الزراعة عمّمت على المسالخ والمزارع ضرورة الإقفال خلال شهر، قبل أن تكشف عليها أو تتحقق من مدى مطابقة أوضاعها للمعايير الصحية والبيئية ومعايير سلامة الطيران المدني. و«من هون لآخر الشهر منشوف»، كما قال هاني، في إشارة مبطنة إلى احتمال تراجع حكومي «تكتيكي» عن القرار. وعليه، ينتظر رئيس «تجمع صناعيي الشويفات» جو بستاني، الذي فوجئ بالقرار، نتائج الكشف على المنشآت ومدى استيفائها الشروط الصحية والبيئية ومتطلبات سلامة حركة الطيران، مؤكداً لـ«الأخبار» أنه «على ضوئها نحدد موقفنا». وفيما يتحدث بعض المتضررين عن احتمال اللجوء إلى خطوات تصعيدية، بينها الاعتصامات وإقفال الطرق، يطرح عيد أيضاً احتمال «رفع دعوى قضائية أمام مجلس شورى الدولة ضد القرار الجائر».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد