بين طموح التقدميين وصلابة المؤسسة.. هل نشهد أزمة هوية في الولايات المتحدة؟

post-img

د. زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية

تشهد الولايات المتّحدة، اليوم، حراكًا سياسيًّا واجتماعيًّا تجاوز حدود المنافسة الانتخابيّة التقليديّة في المقاعد والبرامج الاقتصاديّة. إذ لم يعد الخلاف بين التيار التقدمي الشابّ ومؤسّسة الحكم التقليديّة مجرّد اختلاف في وجهات النظر في الضرائب أو الرعاية الصحيّة، لقد تحوّل إلى صراع عميق يمسّ جوهر الفكرة الأميركيّة ذاتها. إنّ التدافع المحتدم بين طموح التقدميين الداعين إلى مراجعة شاملة للرأسماليّة وصيغ السياسة الخارجيّة التاريخية، وبين صلابة المؤسّسة المتمسّكة باستمراريّة النموذج الأميركي التقليدي، يسلط الضوء على تساؤل أكثر خطورة وأثرًا: هل تعيش الولايات المتّحدة أزمة هويّة تعيد تعريف معنى "المواطنة" و"الاستثنائيّة الأميركيّة" في القرن الحادي والعشرين؟

الرؤية التقدميّة في إعادة تعريف "الأميركيّة" من المنظور النقديّ

يسعى التيار التقدمي الشابّ، الممثّل بكوادر مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ورشيدة طليب وإلهان عمر، إلى تقديم مفهوم جديد للهويّة الأميركيّة يقوم على النقد الذاتيّ والمراجعة التاريخيّة:

1.    التعدّديّة الثقافيّة والعدالة الاجتماعيّة: يرى التقدميون أنّ الهويّة لا تتمثّل في الرواية التاريخيّة الموحّدة للمؤَسّسين، هي في استيعاب التعدّد والتصدّي للتفاوت الطبقيّ والتمييز الهيكليّ. إنّ إعادة القيمة والأهمية للفئات المجمّشة لا تتوقّف عند حدود الاعتراف الرمزيّ بالثقافات والعرقيّات المتنوّعة في المجتمع الأمريكيّ، إنما تمتدّ لتشمل صياغة سياسات عامّة تضمن التوزيع العادل للفرص والتمكين الماديّ والسياسيّ للمهمّشين. بذلك تتحوّل العدالة الاجتماعيّة من مجرّد شعار سياسيّ إلى ركن أساسيّ لتأسيس مواطنة كاملة تلغي الفوارق الطبقيّة والهيكليّة. كما يربط التقدميون بين استقرار المجتمع وصيانة هذه الهويّة المتعدّدة بحماية حقوق العمال ومواجهة أشكال التمييز المُمأسَس في القضاء والتعليم ومؤسّسات الدولة.

2.    تفكيك أحاديّة الرواية التاريخيّة: ينطلق هذا الطرح من رؤية نقدية ترى في السرديّة الأمريكيّة التقليديّة نصًّا غير مكتمل يحتاج إلى إنصاف الفئات والمجموعات التي هُمّشت عبر التاريخ، وجعل نضالاتها صلب الهويّة الوطنية. يعتمد التقدميون على مراجعة المناهج التعليميّة والروايات الرسميّة لتفكيك الصورة النمطيّة التي اختزلت نشأة الدولة، في إنجازات الآباء المؤَسّسين وحدهم، من دون التطرّق إلى تضحيات الأعراق والطبقات الأخرى. يتيح هذا النقد التاريخيّ إعادة قراءة المحطات المفصليّة في تاريخ البلاد برؤية أكثر شمولًا تعترف بالماضي وتواجه أخطاءه بجرأة من دون تجميل. كما يُسعى إلى بناء ذاكرة جمعيّة جديدة تتّسع لجميع مكوّنات الشارع الأميركي، وتجعل الاعتراف التاريخي مقدّمة للمصالحة والعدالة.

3.    العدالة الاقتصاديّة ركيزة للمواطنة: يعتقد التقدميون أنّ المواطنة الحقيقيّة لا تتجزّأ، وأنّ حماية الهويّة تبدأ من التصدّي لظاهرة الفوارق الطبقيّة وتمدّد نفوذ رأس المال، بتأمين الرعاية الصحيّة الشاملة والتعليم، مثل حقوق أساسية للجميع. يُنظر إلى التغول الرأسمالي وتراكم الثروة عند فئة قليلة بوصفه تهديدًا مباشرًا لحريّة المواطن وقدرته على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة والسياسيّة. لهذا، يرى هذا التيار أنّ حماية المواطنة تتطلّب كسر احتكار الشركات الكبرى وفرض ضرائب تصاعدية على الثروات لتمويل الخدمات الأساسيّة وتحقيق تكافؤ الفرص. إنّ توفير شبكات أمان اجتماعيّة قويّة للجميع هو الأساس الذي يضمن للمواطن عيشًا كريمًا، ويمنحه شعورًا حقيقيًّا بالانتماء لمنظومة وطنيّة تحميه وتصون كرامته.

كيف تمسك القيادات التقليدية بهوية أميركا التاريخية (قائدة للعالم الحر وقاعدة الرأسمالية العالمية)، وترى الطرح التقدمي تهديدًا لاستقرار الدولة؟

تُشكّل المؤسَّسَة الحاكمة التَّقليديَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة،بصناعها العسكريّ والماليّ، وحزبيها التَّاريخيَّين،حارسًا أمينًا للهويَّة الأمريكيَّة كما تبلورت بعد الحرب العالميَّة الثانيَّة. فبالنسبة إلى هذه القيادات، لا تُعدّ أمريكا مجرَّد دولة ذات حدود جغرافيَّة، هي "الفكرة" الّتي يقوم عليها النظام الدولي الحديث، وتتجثّم في دورها التاريخي قائدة لـ "العالم الحرّ" والضامنة الأساسيَّة لتدفّق الرأسماليَّة العولميَّة. تستند هذه الرؤية إلى عقيدة "الاستثنائيَّة الأمريكيَّة" التي أرسى دعائمها صُنّاع القرار الأوائل، ومفادها أنّ أمن أميركا وازدهارها الداخليَّين يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بفرض الاستقرار الخارجيّ وصيانة النظام الدولي الليبرالي بشبكة من التحالفات العسكريّة والقواعد الممتدّة عبر القارّات.

في هذا الإطار؛ تُعدّ الرأسماليَّة العولميَّة وتسهيل حركة رؤوس الأموال وحرّيّة التجارة ركيزةً أمنيّةً واقتصاديّةً لا غنى عنها لسيادة الدولة. إذ إن النظام المالي العالمي القائم على سيادة الدولار وتفوّق الشركات الكبرى المبتكرة ليس مجرَّد سياسات اقتصاديَّة، هو سلاح استراتيجيّ يضمن هيمنة واشنطن وتفوّقها الماديّ والتقنيّ على المنافسين الدوليَّين التَّقليديَّين والمعاصرين. بناءً على ذلك؛ ترى القيادات التَّقليديَّة أنّ التناغم بين القطاع الماليّ والتكنولوجيّ ومجمّع الصناعات الدفاعيَّة هو المقوّم الأساسيّ الذي يحفظ للولايات المتّحدة قوّتها الناعمة والصلبة، ويمنع انزلاق النظام الدولي إلى الفوضى.

إزاء هذا الواقع؛؛ تتعامل المؤسَّسَة الحاكمة مع الطرح التقدّميّ بحذر شديد، وتنظر إليه بوصفه تهديدًا هيكليًّا يمسّ استقرار الدولة وهويّتها التأسيسيّة في الصميم. إذ إن القيادات التَّقليديَّة ترى في الدعوات التقدّميّة الداعية إلى فرض ضرائب تصاعديّة حادّة وتقييد الشركات الكبرى محاولةً لتفكيك العجل الاقتصادي الذي يُحرّك البلاد، ما يضعف التنافسيّة الأمريكيّة ويؤدّي إلى تراجع نفوذها المالي. كما تنظر بوجلٍ بالغ إلى الخطاب التقدّمي المناهض للنزعة العسكريّة، والذي يُطالب بتقليص ميزانيّة الدفاع والانكفاء عن التحالفات الخارجيّة،  فهي ترى في ذلك دعوةً صريحةً لترك فراغ استراتيجي خطير ستسارع القوى المنافسة إلى ملئه.

تزداد صلابة هذه القيادات في مواجهة الطرح التقدّمي عندما يتجاوز الاقتصاد والسياسة الخارجيّة ليطال إعادة كتابة التاريخ الأميركي ونقد الهويّة التأسيسيّة؛ إذ تُدرك المؤسَّسَة أنّ التركيز التقدّمي على الإرث الاستعماري والعنصريّة الهيكليّة يُجرّد الدولة من مشروعيتها الأخلاقيّة التي تقود بها العالم. إنّ القيادات التَّقليديَّة ترى في هذه المراجعات النظريّة الخاطفة تفكيكًا لِلّحمة الوطنيّة وتزييفًا لرمزية أميركا التاريخيّة، ثمّ، فإنّ الدفاع عن النموذج الرأسمالي والقيادة العالميّة ليس خيارًا سياسيًّا بحتًا بالنسبة إلى المؤسَّسَة، هو معركة وجوديّة لحفظ استقرار الدولة ومنع انهيار هويّتها التَّاريخيَّة من الداخل.

الانشطار في انقسام الشارع وتصاعد خطابات الاستقطاب وفقدان الثقة بالمؤسسات العريقة

تتجلّى أزمة الهويّة والسيادة في الداخل الأميركي، في أبهى صورها، في انشطار عميق يتجاوز حدود الاختلاف السياسيّ التقليدي ليمسّ نسيج الدولة الاجتماعي والبنائي. لم يعد الاستقطاب مجرّد تباين في البرامج الحزبيّة أو تنافس انتخابي موسمي، لقد تحوّل إلى انقسام وجداني وثقافي حاد يُقسم الشارع الأميركي إلى معسكرين يتعذّر الجسر بينهما. يرى كلّ طرف في الآخر تهديدًا وجوديًّا لقيم البلاد ومستقبلها، ما حوّل الفضاء العام من ساحة للتفاوض والتسوية إلى ميدان لمواجهة صفريّة تُصاغ فيها الخلافات بلغات إيديولوجيّة وأخلاقيّة لا تقبل التنازل.

غذّى هذا الانشطار تصاعد قياسي في خطابات الاستقطاب التي تقودها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والنخب السياسيّة على حدّ سواء. أصبحت هذه الخطابات تعتمد على منطق "التجييش الذاتي" وشيطنة الآخر، إذ يُعاد تفسير الأحداث التاريخيّة والسياسات العامة من منظور القبيح والجميل، أو الحقّ والباطل. أدّى هذا الشحن المتواصل إلى تآكل المساحات المشتركة للهويّة الوطنيّة، واستُبدلت بها "هويّات فرعيّة" وكتل متناحرة تتكتّل في قضايا الهويّة الثقافيّة والعرق والطبقة والدين، ما جعل القرار السياسيّ الداخليّ معطّلًا ومكشوفًا أمام الهزات الاجتماعيّة.

يقف فقدان الثقة المتزايد بالمؤسّسات العريقة على رأس مظاهر هذه الأزمة؛ إذ باتت الهيئات الّتي شكّلت لتكون صمّام أمان الدولة، مثل الكونغرس والمحكمة العليا والأجهزة أمنيّة والاستخباراتيّة، وحتى المؤسّسات الإعلاميّة والأكاديميّة، موضع تشكيك واختراق من الشارع المتذمّر. يرى التيّار التقدّمي، في هذه المؤسّسات، أداةً لحماية النفوذ واستمرار النواقص الهيكليّة والتفاوت الطبقيّ، في حين يراها التيّار المحافظ والتقليدي مخترقة من النخب العولميّة ومُجرّدة من حيادها التأسيسي. لقد أدّى هذا التشكيك المتبادل إلى نزع الشرعيّة عن القواعد الإجرائيّة الّتي تحكم اللعبة السياسيّة نفسها.

إنّ هذا الانشطار الداخليّ يهدّد التماسك الاجتماعي في الولايات المتحدة الأميركية، كما يضرب في الصميم قدرتها على ممارسة سيادتها الخارجيّة وقيادتها للعالم. إذ إن الدولة التي تُعاني انقسامًا في الشارع وتناحرًا في مؤسّساتها تُصبح عاجزة عن صياغة استراتيجيّة طويلة الأمد أو تقديم نموذج جذاب للرأسماليّة والديمقراطيّة الليبراليّة. كما أنّ مظاهر الأزمة هذه تعكس تحوّلًا خطيرًا يتحوّل فيه تنوّع أميركا التأسيسي من مصدر قوّة ومرونة إلى خاصرة رخوة تُهدّد استقرار هيكل الدولة برُبّانتها كافّة.

تأسيسًا على ما تقدّم، يتّضح أنّ أزمة الهويّة والسيادة، في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وإن تجري في حراك سياسيّ، إنما هي انعكاس لصراع عميق بين صعود الطرح التقدّمي الذي يفكّك المرويات التأسيسيّة للنظام الكولونيالي والرأسمالي وبين صلابة المؤسّسة الحاكمة التقليديّة الّتي تتمسك بهويّة أميركا التاريخيّة بصفتها قائدة للعالم الحرّ وحامية لنسق السوق المفتوح. لقد أدّى هذا التصادم، بين مشروعين متناقضين، إلى انشطار هيكلي في النسيج الاجتماعي، يتجلّى في انقسام الشارع، حيث تتصاعد خطابات الاستقطاب الحادّ، وتآكل الثقة بالمؤسّسات العريقة الّتي ظلّت على مدى عقود طويلة صمّام الأمان للنظام السياسي.

في المدى المنظور :

 يُرجَّح أن يتّجه مستقبل الهويّة والسيادة الأميركيّة نحو أحد مسارين؛ أحلاهما مرّ: إمّا استمرار العجز والجمود السياسي الناجم عن مواجهة صفريّة؛ تجعل واشنطن منكفئة على أزماتها الداخليّة وأقلّ قدرة على فرض سيادتها الخارجيّة، وإمّا الذهاب نحو إعادة تعريف قسريّة للسيادة تُعيد فيها الدولة صياغة عقدها الاجتماعي وهويّتها الثقافيّة على أنقاض النموذج الليبرالي التقليدي. في كلتا الحالين، التحدّي الأكبر الّذي يواجه أميركا، في القرن الحادي والعشرين، يكمن في قدرتها الذاتيّة على ترميم الشرعيّة الداخليّة وإيجاد مساحة مشتركة للتعايش بين نخبها وشعبها، ، لا في حجم التهديدات القادمة من المنافسين الدوليّين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد