حين نتحدث عن القوة، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)، نميل إلى النظر إلى ما يمكن رؤيته بسهولة: الجيوش والقواعد والصواريخ وحقول النفط. لكنّ جزءًا آخر من القوة يتحرك في الاتجاه المعاكس تقريبًا، بعيدًا عن الصور العسكرية المباشرة، فوق البحر وعبر الموانئ والسكك وخطوط الأنابيب والكابلات. إنه الطريق الذي تتحرك فوقه الأشياء، والذي قد يصبح في لحظة من اللحظات أهم من المكان الذي جاءت منه أو المكان الذي تتجه إليه.
السفينة التي تغير مسارها بسبب خطر أمني لا تعرف شيئًا عن الحسابات السياسية التي دفعتها إلى ذلك، لكنها تحمل نتيجتها معها. أيام إضافية في البحر، وقود أكثر، تأمين أعلى، مواعيد تتغير، وسلاسل توريد تضطر إلى إعادة ترتيب نفسها. في النهاية يصل أثر قرار، اتخذ في مضيق أو ميناء إلى مصنع بعيد، ثم إلى السوق والمستهلك. المسافة هنا لم تعد مجرد مسافة، والطريق لم يعد مجرد وسيلة للوصول.
لذلك؛ يكتسب مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس أهمية تتجاوز شكلهم الجغرافي. ما يمنح هذه المواقع وزنها هو حجم الحركة التي تعتمد عليها وقلة البدائل القادرة على تقديم الوظيفة نفسها بالكلفة والزمن نفسيهما. إذ كلما زاد اعتماد الآخرين على نقطة معينة، أصبحت قدرة من يؤثر فيها أكبر من المساحة التي يحتلها على الخريطة.
لا يحتاج الأمر دائمًا إلى إغلاق الطريق. يكفي أن تصبح الحركة فيه موضع شك. في البحر الأحمر، لم تتوقف التجارة العالمية، لكن شركات النقل بدأت تتعامل مع المخاطر بطريقة مختلفة، وأصبحت الرحلة حول رأس الرجاء الصالح خيارًا يمكن تحمله على الرغم من كلفته. لم يكن الطريق البديل أفضل، لكنه كان متاحًا، وهذه وحدها كانت كافية لتغيير الحساب.
النتيجة لا تظهر في البحر فقط. الرحلة الأطول تعني استهلاكًا أكبر للوقود وسفنًا تبقى في البحر مدة أطول، وحاجة أكبر إلى التأمين والمخزون. هذا كله يدخل في تكلفة السلعة قبل أن تصل إلى المشتري. هكذا تتحول مشكلة أمنية، في نقطة محددة، إلى مشكلة اقتصادية موزعة على مسافات بعيدة.
الدول تنظر إلى هذه المسألة قبل الشركات؛ فهي تعرف أن الاعتماد على طريق واحد يضع جزءًا من قرارها خارج حدودها. لهذا؛ ظهرت مشاريع كثيرة لإيجاد طرق أخرى بين آسيا وأوروبا، وبعضها يتجاوز حسابات التجارة المباشرة إلى حسابات أوسع تتعلق بالأمن والنفوذ.
طريق التنمية العراقي، مثلًا، لا يتعلق فقط بإنشاء خط للنقل بين الخليج وتركيا وأوروبا. العراق يحاول، من خلاله، أن يستعيد وظيفة جغرافية ظل بعيدًا عنها عقودًا، وأن يجعل موقعه جزءًا من حركة إقليمية أوسع بدل أن يبقى محصورًا داخل أزمات المنطقة. تركيا، بدورها، تنظر إلى موقعها بين آسيا وأوروبا بصفته فرصة لبناء مركز تتجمع حوله التجارة والطاقة والنقل. أما دول الخليج؛ فتوسع استثماراتها في الموانئ والخدمات اللوجستية؛ لأنها تريد أن تكون جزءًا من حركة البضائع نفسها، لا أن تظل علاقتها بها محصورة في إنتاج الطاقة.
الهند، أيضًا، لديها الحساب نفسه من زاوية مختلفة. تجارتها تحتاج إلى طرق متعددة، وكلما زادت قدرة نيودلهي على استخدام أكثر من مسار، قل اعتمادها على نقطة يمكن أن تقع تحت نفوذ خصم أو تتأثر بحرب لا تملك قرارها. بسبب ذلك كله؛ لا تبدو مشاريع الممرات الجديدة منفصلة عن التنافس على النفوذ في المنطقة، حتى عندما تقدم رسميًا بصفتها مشروعات اقتصادية.
المسألة لا تتوقف عند إنشاء طريق جديد. إذ مجرد وجود خيار آخر، تتغير قدرة الطريق القائم على فرض شروطه. قد تظل السفن تمر من خلاله، وقد تبقى تكلفته مناسبة، لكن الدول والشركات أصبحت تعرف أن لديها طريقًا يمكن اللجوء إليه إذا تغيرت الظروف. هذا وحده يغير طريقة حساب المخاطر.
بناء على ما تقدم؛ تصبح المنافسة بين الممرات أكثر تعقيدًا من مقارنة طول الطريق أو عدد الكيلومترات التي يوفرها. هناك الأمن والوقت وكلفة التأمين وقدرة الميناء على استقبال السفن وربط الميناء بالسكك والطرق وتوافر الطاقة والتخزين، ثم السوق التي يستطيع الطريق الوصول إليها. الطريق الذي يبدو أقصر على الخريطة قد يكون أقل جاذبية إذا كان أكثر تعرضًا للاضطراب، والطريق الأطول قد يصبح منافسًا إذا منح الشركات والدول درجة أكبر من الاستقرار.
مصر مثال واضح على هذه المعادلة. قناة السويس تضعها في موقع يصعب تجاهله في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، لكن السؤال الذي يهم، على المدى الطويل، ليس فقط مقدار ما يمر عبر القناة، أيضًا مقدار القيمة التي تستطيع مصر أن تحتفظ بها من الرحلة التي تمر عبرها؟
السفينة تدفع مقابل العبور ثم تواصل طريقها. أما إذا كانت الرحلة مرتبطة بموانئ مصرية قادرة على المنافسة، وخدمات بحرية وتخزين وإعادة تصدير وطاقة وصناعة وشبكات نقل، فإن جزءًا أكبر من النشاط الاقتصادي يبقى في البلد الذي عبرته السفينة. عندها لا يصبح الموقع مجرد نقطة على طريق دولي، سيتحول إلى جزء من الاقتصاد الذي يعتمد على هذا الطريق.
تلك ليست مشكلة مصر وحدها. الدولة التي تعتمد على موقعها الجغرافي فقط تظل معرضة لتغير حسابات الآخرين؛ فإذا وجدت طريقًا بديلًا، أو تغيرت تكلفة النقل، أو ظهرت شبكة أكثر كفاءة، فإن جزءًا من القيمة التي كانت مرتبطة بالموقع يمكن أن ينتقل إلى مكان آخر. أما الدولة التي بنت حول موقعها اقتصادًا متكاملًا، فحتى تغير مسارات التجارة لا يعني بالضرورة أن القيمة ستغادرها بالسرعة نفسها. هذا هو السبب في أن الصراع على الموانئ أصبح مرتبطًا بالصناعة والطاقة والنقل والخدمات المالية والتخزين. إذ إن الميناء وحده لا يصنع مركزًا تجاريًا. ما حوله هو الذي يحدد مقدار القيمة التي يمكن أن تتجمع فيه. وقد يكون الميناء صغيرًأ مرتبطًا بشبكة قوية أكثر تأثيرًا من ميناء أكبر يفتقد الاتصال ببقية عناصر الرحلة.
حتى الكابلات البحرية تدخل في الحساب نفسه. إذ إن حركة العالم لم تعد مقتصرة على النفط والحاويات. البيانات تنتقل، عبر بنية تحتية مادية تمر تحت البحار، ومراكز البيانات تحتاج إلى طاقة واتصالات ومواقع آمنة، والشركات تختار مواقعها وفقًا لشبكة كاملة من المعايير. لذلك؛ بدأت البنية التحتية الرقمية تدخل تدريجيًا في حسابات القوة إلى جانب الموانئ والسكك والطاقة.
عندما تتجمع هذه العناصر، يصبح الطريق شيئًا مختلفًا. لم يعد مجرد خط يصل نقطتين، إنما سلسلة مترابطة من المصالح، الميناء يحتاج إلى سكة، والسكة تحتاج إلى سوق، والسوق تحتاج إلى طاقة واتصالات وتمويل، وكل حلقة تضيف سببًا جديدًا لبقاء الحركة في المكان نفسه. لهذا يصعب اختزال التنافس الإقليمي في سؤال: أي طريق هو الأقصر؟ السؤال الأهم هو: أي شبكة تستطيع أن تجعل التجارة والطاقة والاستثمار أكثر اعتمادًا عليها، ومن يستطيع أن يقدم البديل عندما تتعرض عقدة من هذه الشبكة للضغط؟
في تلك الحال؛ لا تحتاج الدولة إلى السيطرة على الطريق كله. يكفي أن تكون في موقع لا تستطيع الشبكة تجاوزه بسهولة. قد لا تحتاج دولة أخرى إلى امتلاك ممر رئيس، يكفي أن تمتلك البديل الذي يمنع الطرف الأول من تحويل موقعه إلى احتكار. هنا؛ تتغير علاقة الجغرافيا بالقوة. الأرض نفسها لا تتحرك، لكن قيمة الأرض تتأثر بما يحدث فيها. ميناء كان على هامش التجارة يمكن أن يصبح مركزًا؛ إذا تغيرت خطوط الحركة، ودولة كانت بعيدة عن الحسابات يمكن أن تكتسب نفوذًا إذا أصبح طريق جديد يمر عبرها.
وفقًا لتلك التغيرات؛ قد تتغير مكانة الدول من دون أن تتغير حدودها. قد يخسر بلد جزءًا من نفوذه؛ لأن التجارة وجدت مسارًا آخر.. وقد يصعد بلد آخر؛ لأن الاستثمار اكتشف فيه نقطة أكثر ملاءمة للحركة.
الممر، إذًا، ليس مجرد طريق تملكه دولة أو تعبره السفن. هو علاقة اعتماد بين أطراف متعددة، ومن يستطيع التأثير في هذه العلاقة يمتلك جزءًا من القوة التي تنتج عنها.
من يملك الطريق يستطيع التأثير في الحركة، ومن يملك البديل يستطيع تقليل قدرة الطريق على الضغط. أما الطرف الذي يستطيع جمع الموانئ والطرق والطاقة والاتصالات والأسواق، في شبكة واحدة، يصبح قادرًا على التأثير في خيارات الجميع.
عندما يصبح اختيار الطريق نفسه جزءًا من الصراع، لن يكون السؤال فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل من يستطيع أن يجعل الآخرين يمرون من عنده، ومن يستطيع أن يجعلهم قادرين على المرور من مكان آخر إذا أرادوا؟
هناك تبدأ إعادة توزيع القوة، من دون أن تحتاج الخريطة إلى تغيير حدودها.