"صبرا وشاتيلا" .. عندما تحدّد المجازر شكل النظام العالمي

post-img

محمد أبوشريفة/كاتب وصحفي فلسطيني

ما أشبه اليوم بالبارحة؛ هو ذاته خيط الدم الذي رسم خريطة الشهداء الأحياء. لم تكد تخرج آخر دفعة من قوافل مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت حتى أقدمت قوى انعزالية يمينية لبنانية مدعومة من قوات الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا؛ بذريعة وجود نحو ألفي مقاتل فلسطيني لا يزالون داخل المخيمات، فراح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني.

 وقعت المجزرة، خلال ثلاثة أيام، بين 16 و18 أيلول/ سبتمبر 1982. جاء توقيتها بعد أحداث بارزة؛ أهمها اغتيال قائد "القوات اللبنانية" المنتخب رئيسا للجمهورية بشير الجميّل قبل 48 ساعة من وقوع المجزرة، والحدث الآخر التعهد الأميركي لقيادات منظمة التحرير الفلسطينية بعدم المساس بالمدنيين الفلسطينيين حينما اتفق على نزع السلاح من المخيمات، وأن  تجلي منظمة التحرير قواتها من بيروت الغربية بإشراف قوة متعددة الجنسيات؛ قوامها تشكيلات أميركية وفرنسية وإيطالية، في مقابل تعهد الحكومة الإسرائيلية عدم دخول جيشها إلى بيروت الغربية وبتقديم ضمانات التزمت بتوفيرها الولايات المتحدة في ما يتعلق بحماية أمن المدنيين الفلسطينيين داخل المخيمات.

لقد جاء الاتفاق، بعد نحو ثلاثة أشهر، من اجتياح القوات الاسرائيلية لبنان في السادس من حزيران/يونيو 1982؛ حين وصلت قوات العدو إلى مشارف العاصمة بيروت، وفرضت عليها حصارًا واجهته القوات المشتركة الفلسطينية – اللبنانية ببسالة ومقاومة قل نظيرها.

في موازاة ذلك؛ كانت تنشط المساعي الديبلوماسية حتى توصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب ورئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان إلى اتفاق 11 آب/ أغسطس 1982 آنف الذكر، يقضي بوقف إطلاق النار وخروج مقاتلي وقيادات الفصائل الفلسطينية من لبنان. اليوم؛ يذهب الأمريكي مرة أخرى ليطالب المقاومة الفلسطينية في غزة تسليم سلاحها، مقابل تعهدات وضمانات بعدم المساس بالمدنيين، في حين بلغت حصيلة الشهداء في قطاع غزة، منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وحتى منتصف أغسطس/ آب 2026، نحو 1.266 شهيدًا، وأكثر من 4.200 جريح، بالإضافة إلى استمرار الخروقات والهجمات الإسرائيلية المتكررة في مناطق مختلفة من القطاع.

لقد تباينت حصيلة الأرقام التي وثقت تعداد الضحايا، في مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان. الرواية الصهيونية تقول بأن عدد الشهداء 300 شخص وفقا لتقرير لجنة "كاهان"، والتي تشكلت في أعقاب المجزرة للتحقيق في ملابساتها، بعد تصاعد موجات الرأي العام في كيان الاحتلال ومطالبة رئيس الوزراء مناحيم بيغن بالاستقالة من منصبه.

إلا أن الكاتبة والباحثة بيان نويهض كان لها رأي مغاير؛ نشرته في كتابها "صبرا وشاتيلا" بعد 20 عاما على وقوع المجزرة، وثّقت فيه شهادات وأحداث المجزرة بالأرقام والأسماء والتفاصيل. ذكرت أنها استطاعت توثيق أسماء 906 ضحايا بالإضافة إلى 408 أشخاص في عداد المفقودين والمخطوفين، في حين ذكرت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" أنّ عدد الشهداء وصل إلى أكثر من 3 آلاف ضحية.

أربعة وأربعون عامًا مرت على المجزرة التي أعادت صبرا وشاتيلا من الموت الرجيم؛ لتسردا أخبارهما، وتمد خيط دمائها على امتداد الجرح الغزّي، وعلى اتساع تراجيديا الأوجاع المزمنة، وكيف لنا أن نقرع الآن الأجراس، وندق جدران خزاننا الأبدي.

مجزرة صبرا وشاتيلا لا تؤجل معراجهما في الذاكرة؛ فهي لا تزال تدق جدران الخزان اليوم مع من عاشوها وفقدوا ذويهم في المجزرة، ورأوا الأرواح حين ارتعاشاتها الأخيرة ونزيف دم الأرض؛ ليتّقد جمر حكايات لا تنسى. إذ يروي الكثيرون منهم كيف كان ذلك الصباح غير العادي في المخيمين؛ حيث أجساد الضحايا المدنيين في العراء الطليق ، والأشلاء ممزوجة بالدم في كل الأزقة وفي البيوت التي انتهكت حرمتها وأزيلت بالجرافات حتى الحيوانات لم تسلم من المقتلة. وفرة القتل بقيت شاهدة على الجريمة، وتحدث عنها عدد من الناجين الذين مى تزال جراحهم مفتوحة تسترجع أوجاعها في تراجيدية مزمنة؛ لتنثر حروف الحكاية على جبال الأسى.

أكثر من أربعة عقود مضت؛ ولا نزال نعيد إلى ذاكرتنا أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا، ونضيف إليها آلامًا جديدة لمقتلة جديدة. إذ لم تتوقف نكبة فلسطين، كما يعتقد البعض عند تاريخ الخامس عشر من أيار/ مايو1948، فأحداثها المأساوية تتكرر يومًا بعد يوم على الأرض الفلسطينية وفي الشتات، حيث تشكل حلقة في مسلسل النكبة؛ حين يستيقظ أهالي المخيمات على شبح الإبادة والطرد والاقتلاع والتهجير وإزالة وجودهم، بشريًا وتاريخيًا ومعنويًا؛ للقضاء على حق العودة وتصفية قضية اللاجئين وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية.

يجب ألا ننسى أنه، طوال العقود الماضية، لم يُسجل للأمريكي وفاؤه بتعهداته إزاء الفلسطيني، وغالبًا ما يلجأ إلى دعم المقاربة التي تقدمها حكومة الاحتلال. في حين لمّا نتعلم بعد درس صبرا شاتيلا ، وكذلك المجازر كلها التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ العام 1948، حين منع السلاح عن الفلسطيني طوال الاحتلال البريطاني، لتقوم بعد ذلك العصابات الصهيونية المتخمة بالأيدولوجيات الإقصائية الإرهابية والسلاح المتفلت بارتكاب عشرات المجازر في طول البلاد وعرضها، من دير ياسين مرورا بالطنطورة وليس انتهاء بالدوايمة.. فأصبح التاريخ الفلسطيني مليئًا بالمجازر.. على هذا نحن أمام معضلة حقيقية؛ فمن جهة يقف الشعب الفلسطيني وحيدًا مدافعًا عن المنطقة والإنسانية بأسرها، في مواجهة أعتى حركة إرهابية دموية وهي الحركة الصهيونية اليوم، ومن جهة أخرى نرى انسداد الأفق السياسي أمام القضية الفلسطينية، فالعالم كله مشغول بقضاياه وأزماته.

أمام هذا المأزق التاريخي، ينتظر الفلسطيني إنفراجًا ما في بنية هذا النظام الدولي منزوع الأخلاق، ليعيد ترتيب أوراقه  حتى لا تتكرر صبرا وشاتيلا وتستمر حرب الإبادة في غزة، فهي جرائم دولية ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا بد من محاكمة المجرمين الذين ارتكبوا هذه المجزرة، وكل من يقف وراءهم..

كما أن للتاريخ كلمته التي ستقال ولو بعد حين.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد