يحيى دبوق (صحيفة الأخبار)
يتردّد في لبنان سؤال عمّا إذا كان رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يسعى إلى حرب جديدة على الساحة اللبنانية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المُقرّرة في 27 تشرين الأول المقبل. غير أن ربط الحرب مباشرة بالحاجة الانتخابية لنتنياهو يبقى استنتاجاً يفتقر إلى الإثبات. فما يحتاج إليه نتنياهو انتخابياً قد يكون أقل من شنّ حرب جديدة، وإن كان أكثر تعقيداً. ذلك أن حاجته أكثر أن لا تتوقّف حالة الحرب القائمة، وأن لا تُغلق الجبهات المفتوحة بتسويات سياسية صارمة، وهو يأمل أن تبقى أمامه مساحة لالتقاط أي تطوّر أمني وتقديمه إلى الناخب الإسرائيلي دليلاً إضافياً على الحاجة إلى «رجل الأمن».
بهذا المعنى، لا تكمن المصلحة السياسية لنتنياهو بالضرورة في إشعال حرب شاملة، بما تنطوي عليه من مخاطر عسكرية وبشرية واقتصادية وسياسية قد تخرج عن السيطرة وتنقلب عليه، بل في الحفاظ على «بيئة أمنية» تبقى فيها الحرب قائمة ولو بوتيرة منخفضة. وتتيح له هذه البيئة إبقاء التهديدات الخارجية في صدارة النقاش العام الإسرائيلي، في مقابل إبعاد مركز الثقل الانتخابي عن الملفات الداخلية وعن إخفاقاته السياسية والأمنية.
ومن هنا يمكن قراءة موقف نتنياهو الرافض لمسارات سياسية بأن يقود ذلك إلى انسحابات أو إغلاق بعض الجبهات. وقد أفادت «القناة 13» العبرية في تموز الماضي، بأن «نتنياهو أبلغ وزراءه أنه سيرفض طلباً أميركياً بتنفيذ انسحابات من لبنان وسوريا وغزة»، فيما نقل موقع «أكسيوس» الأميركي - الإسرائيلي عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من نتنياهو بدء «إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج سوريا ولبنان»، علماً أن نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس أعلنا في حزيران الماضي، تمسّكهما ببقاء القوات الإسرائيلية في ما تصفه إسرائيل بـ«المناطق الأمنية» في لبنان وسوريا وغزة من دون تحديد سقف زمني لهذا الوجود.
بالنسبة إلى نتنياهو، قد تخدم التسويات السياسية مصلحة إسرائيل بوصفها دولة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطرة انتخابية: نقل ساحات المواجهة من خانة «التهديد» إلى خانة «المشكلة المحلولة». وعندها، يصبح من الأسهل انتقال اهتمام الناخب الإسرائيلي إلى الداخل، فيما تُظهِر استطلاعات متعاقبة أن ائتلاف نتنياهو يواجه احتمال خسارة الانتخابات، في ظلّ تراجع الثقة بقيادته. أمّا إذا بقيت غزة مفتوحة على احتمالات التصعيد، والجبهة الشمالية في لبنان وسوريا قابلة للاشتعال، وإيران في قلب مواجهة مستمرة، فيبقى الأمن مرشّحاً للاحتفاظ بموقع متقدّم في الحملة الانتخابية، وتبقى معه الحاجة السياسية إلى صورة نتنياهو بوصفه القادر على إدارة الأخطار الخارجية.
لكن لهذه السياسة كلفة أمنية لا تتطابق بالضرورة مع الحساب الانتخابي. فإبقاء جبهات متعددة مفتوحة يعني استمرار استنزاف القوات والموارد، فيما تظهر في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مخاوف من عبء الانتشار الواسع والحاجة المتزايدة إلى القوى البشرية. وفي موازاة ذلك، تتواصل في لبنان العمليات العسكرية رغم وقف إطلاق النار، مع بقاء مسار الانسحاب الإسرائيلي وتسوية الوضع الحدودي متعثّراً.
هنا يظهر التباين بين منطقين: منطق أمني يرى في خفض التصعيد والتسويات وسيلة لتحرير القوات وتقليص الحاجة إلى الاحتياط والحدّ من كلفة الانتشار، ومنطق سياسي قصير المدى لا يرى بالضرورة مصلحة في إغلاق الجبهات عشية الانتخابات. ولا يعني ذلك أن المؤسسة العسكرية تطرح السياسة بديلاً من الأمن، بل قد تنظر إليها بوصفها أداة ضمن استراتيجية أمنية أوسع؛ إلا أن القرار النهائي يبقى بيد المستوى السياسي.
النتيجة أن الخطر على لبنان لا يرتبط حصراً بقرار إسرائيلي مُسبق بشن حرب انتخابية. فرفض التسويات والإبقاء على بيئة التصعيد قد يكونان كافييْن لإنتاج الحرب من دون أن تكون الحرب نفسها الهدف الأصلي. وكل جبهة مفتوحة بلا حل سياسي تحمل إمكانية أن يؤدّي حادث ميداني إلى ردّ، ثم إلى ردّ على الردّ، وصولاً إلى مسار تصعيدي يصبح التراجع عنه مُكلِفاً سياسياً وعسكرياً للطرفين.
وعليه، إذا اندلعت حرب جديدة، وهي إمكانية لا يمكن استبعادها كما لا يمكن الجزم بها، فلن يكون ضرورياً أن يكون نتنياهو قد خطّط لها من أجل الفوز في الانتخابات. الأخطر أن تكون مصلحته الانتخابية كامنة في إبقاء البيئة التي تجعل الحرب ممكنة: لا تسويات نهائية، ولا جبهات مُغلقة، ولا خروج كاملاً من حالة الطوارئ الأمنية. عندها، قد لا تكون الحرب هي الغاية، لكنها تصبح نتيجة محتملة لسياسة ترى في استمرار التوتر مكسباً سياسياً، حتى لو حمل هذا التوتر في داخله قابلية الانفجار.