مدينة مكة المكرمة ليست ورقة في الحرب، وحرمتها لا يجوز أن تظهر وتختفي بحسب موقع الخصومة السياسية. إذ إن المكان الذي ارتبط في الوعي الإسلامي بحرمة الدم والأمن قبل قيام الدول الحديثة، لا يمكن أن يتحول كلما اندلعت مواجهة سياسية إلى عنوان جاهز لإدانة الخصم وتعبئة المسلمين ضده. حرمة مدينة مكة المكرمة ثابتة، أما الروايات السياسية التي تتحدث باسمها فتحتاج إلى دليل.
التاريخ الإسلامي نفسه لا يسمح بهذه القراءة الانتقائية. لقد حوصرت مدينة مكة المكرمة في عهد عبد الله بن الزبير، وتعرضت الكعبة لأضرار خلال الصراع، ثم تكرر الحصار سنة 692 واستخدمت قوات الحجاج بن يوسف المنجنيق ضد المدينة. في سنة 930 دخل القرامطة مدينة مكة المكرمة وقتلوا عددًا كبيرًا من الحجاج، واقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هَجَر، حيث بقي أكثر من عقدين. لم تمنع حرمة المكان الصراع السياسي من الوصول إليه، لكنها بقي لها حرمتها في الوعي الإسلامي، ولم تكن ملكًا لسلطة سياسية بعينها.
مع دخول آل سعود الحجاز بدأت صفحة أخرى من تاريخ مكة المكرمة والمدينة ، لكنها لم تبدأ من بوابة الهدوء الذي توحي به بعض الروايات الرسمية عن دخول مكة. في سنة 1924 تقدمت قوات ابن سعود نحو الحجاز، وبعد سقوط الطائف وقعت أحداث دامية وثقتها السجلات البريطانية المعاصرة تحت عنوان صريح هو «مجازر الطائف»، وتضم هذه الملفات شهادات وتقارير عن قتل سكان المدينة وعمليات نهب، إضافة إلى مطالبات بالتعويض قدمها رعايا بريطانيون عن الخسائر التي لحقت بهم. بعد الطائف انفتح الطريق إلى مدينة مكة المكرمة، فدخلتها قوات ابن سعود في أواخر 1924 بعد انسحاب القوات الهاشمية منها، بينما استمر الحصار والقتال الدامي في جدة حتى 1925، واكتمل إخضاع الحجاز. لذلك؛ فإن اختزال تلك المرحلة في عبارة «دخول مكة بصورة سلمية» يخفي الصورة الأوسع؛ فالمدينة دخلت في نهاية صراع عسكري وسياسي على الحجاز بدأ بالقتال وسقوط المدن، وانتهى بانتقال السيطرة عليها إلى آل سعود.
كما لم تتوقف المسألة عند انتقال السلطة. فقد حمل الحكم الجديد تصورًا دينيًا صارمًا تجاه القبور والمزارات والمعالم التي عدّها من ممارسات التقديس المرفوضة. وفي 1926 هُدمت القباب والأضرحة في البقيع في المدينة المنورة، وأزيلت معالم ارتبطت بقبور شخصيات من آل بيت النبي محمد. ولم يكن البقيع واقعة منفردة، فقد امتدت عمليات إزالة المعالم التاريخية إلى مواقع في مدينة مكة المكرمة والمدينة، في عملية غيّرت جانبًا مهمًا من ذاكرة الإسلام المادية.
مع التوسع العمراني الحديث اتخذ الأمر شكلًا آخر؛ فمكة المكرمة التي يفترض أن تكون ذاكرة المسلمين قبل أن تكون مدينة ضخمة، فقدت خلال العقود الماضية عددًا من مواقعها التاريخية لمصلحة مشروعات التوسعة والعمران والفنادق والمجمعات التجارية. لقد وثقت تقارير ودراسات عمليات إزالة مواقع ارتبطت بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، فيما أصبحت الأبراج والمراكز التجارية جزءًا أساسيًا من المشهد المحيط بالحرم. أثارت هذه العملية انتقادات واسعة، كونها لا توسع المكان لاستيعاب الحجاج فقط، إنما تمحو معه أجزاء من تاريخ المدينة الإسلامي.
بعد ذلك؛ جاءت سنة 1979 لتكشف وجهًا آخر للمفارقة. استولت جماعة جهيمان العتيبي على المسجد الحرام، فتحول أقدس مكان في الإسلام إلى ساحة مواجهة دموية مسلحة بين الدولة والمسلحين. استمرت المواجهة أيامًا داخل الحرم نفسه. كان المشهد صادمًا في دلالته: الدولة التي تستمد جزءًا من شرعيتها من حماية الحرمين الشريفين اضطرت إلى خوض معركة عسكرية داخل الحرم لإعادة فرض سلطتها عليه.
بعد أقل من عقد؛ وقعت واقعة أخرى أكثر دموية. في أغسطس/آب 1987 اندلعت صدامات داخل مكة المكرمة بين حجاج إيرانيين وقوات الأمن السعودية خلال موسم الحج، وأعلنت وزارة الداخلية السعودية مقتل 402 شخص وإصابة 649، بينهم 275 إيرانيًا و85 سعوديًا و42 حاجًا من جنسيات أخرى. قدمت السلطات السعودية روايتها عن الأحداث، فاتهمت متظاهرين إيرانيين بالعنف، فيى حين حمّلت إيران السعودية مسؤولية ما حدث. بصرف النظر عن الروايتين، بقي الثابت في حصيلة الحدث أن مئات الحجاج قتلوا، وأصيب مئات آخرون في شوارع مكة المكرمة خلال موسم الحج.
لم يكن ذلك اعتداءً عسكريًا على الحرم، لكنه يظل جزءًا من تاريخ إدارة أكبر تجمع ديني سنوي في العالم، فمن حق المسلمين أن يسألوا عن المسؤولية والسلامة والمحاسبة من دون أن يعني السؤال انتقاصًا من قدسية المكان.
كل هذه الوقائع مختلفة في طبيعتها، ولا يصح وضعها في سلة واحدة. لكن اجتماعها يكشف شيئًا لا يمكن تجاهله. هو الحديث عن حماية المقدسات لا يبدأ وينتهي بمنع صاروخ أو مسيّرة من الاقتراب من مكة المكرمة . هناك أيضًا حرمة الدم، وحرمة الذاكرة، وحرمة التاريخ، وحق ملايين المسلمين ألاّ يروا مقدساتهم تتحول إلى ملكية سياسية مغلقة على رواية واحدة.. لهذا؛ تبدو رواية «استهداف مكة» الحالية بحاجة إلى تدقيق مضاعف لا إلى انفعال مضاعف.
في 16 سبتمبر/أيلول الحالي؛ أعلنت السعودية اعتراض مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة، في حين نفت صنعاء استهداف مكة المكرمة أو المواقع الدينية. إذ جاء البيان العسكري الصادر عن صنعاء لينفي استهداف مكة أو أي من المقدسات، ويصف الرواية السعودية بأنها «بهتان عظيم»، رابطًا العمليات بما قال إنه 732 غارة سعودية نفذت بمقاتلات من طرازي إف 15 وتايفون، ومؤكدًا استمرار معادلة «الحصار بالحصار». أهمية البيان أنه يعيد الحادثة إلى سياق الحرب بدل فصلها عن سنوات القصف والعمليات المتبادلة. أما الرقم 732 غارة، فيبقى رقمًا أعلنته صنعاء ، ويحتاج إلى تحقق مستقل.
المشكلة السياسية تبدأ عندما يتحول «اعتراض مسيّرة جنوب مكة» إلى «استهداف مكة»، ثم يتحول «استهداف مكة» إلى اعتداء على المقدسات الإسلامية. كل انتقال من هذه المستويات يحتاج إلى دليل جديد. وإلا أصبح الموقع الجغرافي نفسه دليل إدانة، وأصبح اسم مكة أداة تمنح الرواية العسكرية قوة دينية لا توفرها الوقائع بالضرورة.
مكة المكرمة للمسلمين جميعًا، والمدينة كذلك. ولذلك فإن احتكار الحديث باسم حرمتهما ليس مسألة دينية خالصة، وإنما قضية سياسية أيضًا. ومن يرفع حرمة مكة في وجه خصومه مطالب بأن يقبل المعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بدماء الحجاج، وبذاكرة المدينة، وبمعالم الإسلام التي أزيلت، وبأي اعتداء يقع على المقدسات أو زوارها، بصرف النظر عن هوية الفاعل وموقعه في خريطة الصراع.
إذا ثبت أن جهة ما استهدفت الحرم أو الكعبة عمدًا، فذلك اعتداء على المسلمين جميعًا، ولا تمنحه الحرب أي شرعية. أما إذا لم يثبت، فلا يجوز أن تتحول المسافة بين موقع الاعتراض ومكة المكرمة إلى دليل على النية، ولا أن تتحول قدسية المكان إلى غطاء لرواية عسكرية لم تكتمل أدلتها.

المقدس لا يحتاج إلى حماية الرواية السياسية، بل يحتاج إلى تحريره منها. ومكة المكرمة أكبر من أن تكون عنوانًا في حرب بيانات، وأقدس من أن تتحول إلى وسيلة لتعبئة المسلمين ضد بعضهم البعض.
من يريد فعلًا أن يجعل حرمة مكة المكرمة خطًا أحمر، فعليه أن يقبل بالخط نفسه عندما يتعلق الأمر بدماء الحجاج، وذاكرة المدينة، ومعالم الإسلام التاريخية، وأي اعتداء عليها، لا أن يصبح المقدس أكثر حضورًا عندما يكون الخصم هو الطرف الذي يريد إدانته.