لم تعد مسألة تأمين السكن اللائق في لبنان مجرد خيار شخصي أو ترف عقاري، لقد تحولت إلى أزمة بنيوية حادة تفرض ثقلاً ديموغرافياً واقتصادياً على آلاف الأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط في ظل غياب الآليات التمويلية المدعومة. في قلب هذا المشهد المأزوم، تبرز التحضيرات الجارية لإدراج اعتمادات مالية طارئة ضمن موازنة الدولة العامة في خطوة أولى لإعادة تشغيل محركات المؤسسة العامة للإسكان.
إن الخطط الإسكانية المطروحة على طاولة القرار تتجاوز حدود منح القروض الفردية لتشمل استراتيجيات أوسع تتعلق باستثمار العقارات العامة وقوننة بدلات الإيجار السكني لحماية الاستقرار الاجتماعي للشباب اللبناني.
من هذا المنطلق، يستعرض هذا التقرير المعطيات الفنية والمالية والخطط الهيكلية المقترحة لتفعيل قطاع الإسكان، مفككاً الشروط والآليات التنظيمية التي تضع مستقبل الإقراض السكني على المحك.
1- مسار تمويل القروض وآليات الموازنة العامة للدولة
يرتبط استئناف النشاط الإقرادي للمؤسسة العامة للإسكان برصد اعتمادات مالية واضحة وضوابط لوجستية محددة ضمن سياسة البلاد المالية العامة، حيث تكشف الخطوات الإدارية المشتركة مع وزارة الشؤون الاجتماعية ملامح التمويل المرتقب:
أ- الاعتمادات المطلوبة والميزانية المتوقعة: طالبت إدارة المؤسسة العامة للإسكان بتخصيص تمويل أولي بقيمة مئة مليون دولار أمريكي ضمن مشروع الموازنة العامة، مع إمكان انطلاق البرامج التمويلية باعتماد حد أدنى يفوق خمسين مليون دولار أمريكي كفيلًا بإعادة تشغيل محركات المؤسسة.
ب- أعداد المستهدفين وحجم التغطية: يتيح السقف التمويلي المقترح البالغ مئة مليون دولار تغطية نحو 1400 عائلة سنوياً، بينما يضمن الحد الأدنى المقدر بخمسين مليون دولار تغطية ما بين 700 إلى 800 عائلة لبنانية في المرحلة الأولى من الإطلاق.
ج- البرامج والمسارات التمويلية المتاحة: لا تقتصر خطة الإقراض الجديدة على تمويل عمليات شراء الوحدات السكنية الجاهزة فحسب، بل تمتد لتشمل قروضاً مخصصة لترميم المنازل القائمة، وقروضاً لتكملة البناء، أو تشييد المساكن على أراضٍ مملوكة مسبقاً من المقترضين.
2- الشروط الهيكلية والمعايير المالية للمستفيدين
وضعت المؤسسة العامة للإسكان حزمة من المعايير الرقمية الصارمة والضوابط التنظيمية لضمان وصول الدعم المالي لمستحقيه الفعليين وتفادي مخاطر التعثر المصرفي:
أ- السقوف المالية ومعدلات الفائدة: حدد التصور الفني سقف القرض السكني بمبلغ مئة ألف دولار أمريكي في الحد الأقصى، وبمعدل فائدة مقترح يبلغ ثلاثة ونصف بالمئة يُحتسب تناقصياً على القيمة المتبقية من رأس المال وليس كفائدة تراكمية مجرورة.
ب- الدفعة الأولى وآليات التقسيط البنيوية: يتوجب على المقترض تسديد دفعة نقدية أولى لا تقل عن عشرين بالمئة من قيمة المسكن الإجمالية. وتتوزع مراحل التقسيط لتصل إلى عشرين عاماً في الحد الأقصى، بقسط شهري يبلغ 580 دولاراً لقرض المئة ألف دولار، ويرتفع إلى 715 دولاراً في حال السداد على خمس عشرة سنة.
ج- الأهلية المشتركة والسن القانوني: يقتصر البرنامج في مرحلته الأولى على المواطنين المقيمين داخل لبنان من المتزوجين فعلياً. ويشترط ألا يتجاوز مدخول الزوجين معاً سقفاً يراوح بين 3000 إلى 3500 دولار، وألا يكون أي منهما قد أفاد سابقاً من قرض مدعوم، مع إلزامية تسديد كامل القرض عند بلوغ سن الرابعة والستين.
3- خطة استثمار الأملاك العامة والسياسة الإسكانية البديلة
تتضمن الرؤية الاستراتيجية لقطاع السكن التنموي تنشيط الأصول العقارية غير المستغلة لتأمين موارد مالية مستدامة وإيجاد بدائل سكنية ميسرة للمواطنين:
أ- حظر التسييل وحفظ أصول الدولة: تمتلك المؤسسة العامة للإسكان محفظة عقارية واسعة تضم أكثر من خمسة آلاف عقار موزعة على الأراضي اللبنانية، وتخضع لسياسة صارمة تحظر البيع أو التسييل لضمان استثمارها لمصلحة الخزينة.
ب- مشاريع السكن الاجتماعي المنظم: تقضى الخطة باستثمار الأراضي الواقعة في المناطق السكنية لبناء وحدات سكنية ميسرة بالتعاون مع البلديات والقطاع الخاص، على أن تتولى شركات متخصصة إدارة عمليات الإيجار والصيانة الدورية.
ج- قوننة قطاع الإيجار الجديد: تجري المؤسسة تنسيقاً مشتركاً مع المديرية العامة للإحصاء المركزي ومنظمة المستوطنات البشرية التابعة للأمم المتحدة لوضع مؤشر توجيهي سنوي لبدل الإيجار، مع فرض ضوابط تمنع استخدام المستودعات كأماكن سكنية.
4- كواليس الأزمة الهيكلية للمعاملات القديمة والحلول المقترحة
يرتبط النزيف الإداري وتراكم طلبات السداد المسبق وفك الرهن بتداعيات التذبذب الحاد في أسعار الصرف، والتي تتطلب معالجة تنظيمية وتشريعية سريعة لإنهاء أزمة آلاف العائلات:
أ- التراكم العددي ومعدلات الإنجاز: من أصل خمسة وثمانين ألف عائلة أفادت من القروض التاريخية بالليرة اللبنانية، أنجزت المؤسسة تسوية قرابة ستة وثلاثين ألف ملف بشكل نهائي، فيما يتبقى خمسون ألف ملف قيد المعالجة الإدارية والتنفيذية حالياً.
ب- المقترح القانوني للتسديد المقطوع: ينتظر مجلس النواب إقرار قانون معجل يتيح للمقترضين القدامى تسديد مبلغ مقطوع بقيمة مئة مليون ليرة لبنانية هي رسوم وفوائد إجمالية اختيارية، ما يسرع عملية الحصول على براءة الذمة من دون انتظار جداول التدقيق المحاسبي المعقدة.
ج- مكننة التتبع وحظر الوساطة: اعتمدت الإدارة نظام مكننة شاملاً يتيح للمواطن تتبع خمس مراحل أساسية لملفه عبر الرسائل النصية القصيرة، مع استثناء الحسابات القديمة وحالات الوفاة من قيود المنصة الإلكترونية، توازياً مع إحالة السماسرة ومعقبي المعاملات غير القانونيين إلى جهاز أمن الدولة.
5- آليات النزاهة وتوزيع المسؤوليات التنفيذية
تأسيساً على الواقع الإسكاني الراهن, يتبين أن تنظيم السياسة السكنية وحفظ حقوق المقترضين يمثلان ركيزة أساسية تتطلب تضافر الجهود؛ حيث تتوزع المهام على مستويات القرار لضمان النزاهة المطلقة:
أ- الدور السيادي لرئاسة الجمهورية: تقع على عاتقه المسؤولية السيادية لتوجيه الأجهزة الرقابية لإعلان استراتيجية وطنية موحدة للإسكان، تضمن التنسيق بين الصناديق المدعومة وحفظ التوازن الاجتماعي والحد من تداعيات الأزمات المعيشية على الاستقرار السكاني.
ب- الدور الإجرائي لرئاسة الحكومة: تبرز الحاجة العاجلة لتفعيل العمل الحكومي التنفيذي نحو رصد وتخصيص الاعتمادات والاحتياطات المالية الطارئة في موازنة العام 2027 لدعم رأس مال المؤسسة العامة للإسكان، وتسهيل إقرار القوانين المتعلقة بتسوية الملفات المتراكمة بالتنسيق مع لجنة المال والموازنة النيابية.
ج- الدور التشغيلي للوزارات والمؤسسة: تُطالب الجهات المعنية برفع كفاءة الآليات التشغيلية وتفعيل البرامج المشتركة مع المديرية العامة للإحصاء المركزي ومنظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، مع فرض الرقابة الصارمة لحظر الوساطة والمحسوبية عبر المنصة الإلكترونية الجديدة وتثبيت نظام الموافقة المسبقة للمقترضين.
6- ركائز الهيكلية التنظيمية المعتمدة للقروض
تتلخص المحدّدات الهيكلية والأرقام الأساسية الحاكمة لتنفيذ مشاريع الإقراض السكني في النقاط المستقلة الآتية:
أ- سقف القرض المالي: حدّدت القيمة المالية القصوى للقرض بمبلغ مئة ألف دولار أمريكي، وتستهدف هذه القيمة فئة ذوي الدخل المحدود والمتوسط الحقيقيين داخل لبنان.
ب- الفائدة والاحتساب التناقصي: تبلغ نسبة الفائدة المقترحة ثلاثة ونصف بالمئة سنوياً، وتتميز باحتسابها بشكل تناقصي على الرصيد المتبقي الفعلي من رأس المال، بعيداً عن الفوائد التراكمية المجرورة.
ج- الدفعة الأولى والضمانات: إلزامية سداد دفعة نقدية مسبقة بنسبة لا تقل عن عشرين بالمئة من القيمة التخمينية للمسكن، في إجراء وقائي وتنظيمي صارم للحد من مخاطر التعثر المالي.
د- المساحة البنيوية والقدرة المشتركة: حصر الأهلية السكنية للشقق التي تراوح مساحتها الإجمالية بين مئة وخمسين ومائة وسبعين متراً مربعاً في الحد الأقصى، مع اشتراط سقف دخل عائلي صافي ومشترك للزوج والزوجة لا يتجاوز ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار أمريكي شهرياً.
تأسيساً على المشهد الإسكاني والخطط المطروحة، يتبين أن هذه المشاريع التنموية والتوجهات الحكومية تحمل في طياتها ملامح إيجابية وتبعث على الأمل في نفوس الشباب اللبناني والأسر التي عانت طويلاً بسبب الجمود العقاري. غير أن التجارب والمنعطفات الاقتصادية السابقة أثبتت أن العبرة الحقيقية تكمن دائماً في آليات التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، وترجمة الوعود المدرجة في الموازنات إلى آليات تطبيقية مرنة وسريعة، لكي لا يقع المواطن مجدداً في دوامة الوعود المؤجلة ويستمر في العيش تحت وطأة الأوهام التي لا تجد طريقاً للتجسيد الميداني.
قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:
1- المؤسسة العامة للإسكان في لبنان (مجلس الإدارة): البيانات الرسمية، الجداول الرقمية المحدثة، والتعاميم الإدارية الصادرة عن المديرية العامة ومكتب الإعلام.
2- المقابلة التلفزيونية الرسمية للمدير العام المهندس روني لحود: تصريحاته عبر برنامج "شو إلك وشو عليك" على شاشة تلفزيون (OTV Lebanon)، والمتاحة للمشاهدة الكاملة والمباشرة عبر منصة يوتيوب.
3- مجلس النواب اللبناني (الأمانة العامة): المحاضر الرسمية للشرائع النيابية ومقترحات القوانين المعجلة المرفوعة من لجنة المال والموازنة.
4- منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat): التقارير التقييمية المشتركة بالتعاون مع المديرية العامة للإحصاء المركزي اللبناني حول مؤشرات قوننة بدلات الإيجار السكني.
5- جريدة "الأخبار" اللبنانية: المسوحات التحليلية والمقالات الميدانية المنشورة حول قطاع البناء، وتوقف قروض مصرف لبنان المدعومة وتأثيرها البنيوي على الدورة الاقتصادية المحلية.