لم يحتج فيلم "نازا" إلى مشاهد ضخمة للدمار كي يهزّ مهرجان البندقية السينمائي، كان يكفي أن يجلس أشخاص في عتمة الليل، فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، وأن يبدأوا الكلام: أصواتٌ معدّلة، ووجوهٌ مخفيّة، وشهاداتٌ جاءت من داخل المؤسّسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، لتكشف كيف يمكن أن يُراقَب منزل في غزة، ويُحدَّد موقعه، ويُدرَج في منظومة الاستهداف، ثم يُقصف مع معرفة مسبقة بأنّ أطفالًا، ونساءً، ومدنيين موجودون في داخله.
في 12 أيلول/سبتمبر 2026، فاز الفيلم الوثائقي "نازا NAZA" بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، بعدما استُقبل عرضه العالمي الأوّل بتصفيق استمر نحو خمسٍ وعشرين دقيقة.. لم يكن التصفيق، على الأرجح، احتفاءً بفيلم متقن فحسب؛ بل كان ردّ فعل إنسانيًا على حقيقة حاولت الحرب تحويلها إلى أرقام، فاستطاع الفيلم أن يعيد إليها أصواتها ووجوهها ومعناها. لقد مثّل الفيلم بريطانيا في المسابقة الرسمية، وتبلغ مدّته ثمانين دقيقة، وهو من إخراج يوفال أبراهام وراحيل تسور وإنتاج صحيفة "الغارديان" وشركة Films JW.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا فاز "نازا"؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا أخاف هذا الفيلم إسرائيل إلى هذا الحد؟
- اسمٌ يحوّل البشر إلى رقم
يحمل الفيلم عنوانًا شديد الدلالة، فكلمة "نازا" هي اختصار عسكري إسرائيلي يشير إلى ما يُسمّى "الأضرار الجانبية"، أي عدد المدنيين الذين يُتوقّع مقتلهم في غارة معينة. هنا تكمن الصدمة الأولى: المدني لا يعود إنسانًا له اسم، وبيت، وعائلة، وذكريات، بل يصبح رقمًا يدخل في حسابات الضربة العسكرية. قد يُقال مثلًا إنّ استهداف شخص مطلوب سيؤدي إلى مقتل عدد معين من المدنيين، وبدل أن يكون هذا التوقّع سببًا لإلغاء الضربة، تكشف الشهادات التي يعرضها الفيلم أنّه قد يتحول إلى رقم مقبول داخل منظومة القرار. وفقًا لما نُقل عن أحد المصادر، مُنحت في إحدى المعارك موافقة تسمح بسقوط مئات المدنيين من أجل استهداف شخص واحد؛ وهي رواية يرفضها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وينفي مسؤولية قيادته عنها.
نحن هنا لسنا أمام مشكلة لغوية عابرة، فاللغة هنا جزء من السلاح.. عندما يُسمّى الأطفال والنساء "أضرارًا جانبية"، يصبح قتلهم أقل وطأة داخل النظام البيروقراطي، ويغدو القرار ملفًا ينتقل بين الشاشات والمكاتب، لا حياةً تُنتزع من أصحابها.
أمّا المفارقة القاسية، فتكمن في التكنولوجيا التي قُدّمت للعالم بوصفها أداة لتحسين حياة الإنسان، لكنّها تظهر في الفيلم جزءًا من منظومة تستعمل البيانات والمراقبة والذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف. هنا لا تعود المسألة خطأ ارتكبه جهاز ذكي، ولا خللًا تقنيًا يمكن إصلاحه بتحديث البرنامج، بل سؤالًا عن الإنسان الذي صمّم النظام، والقيادة التي وضعت معاييره، والمؤسّسة التي قبلت نتائجه.. لأنّ الخوارزمية لا تملك ضميرًا، لكنها تعمل وفقًأ لضمير مَن يكلّفها بالمهمّة.
- أربعة وعشرون صوتًا من داخل المنظومة
استند "نازا" إلى شهادات أربعة وعشرين إسرائيليًا من العاملين، أو السابقين في المؤسّسة العسكرية والاستخبارية، وجُمعت مادته في سرّية على امتداد ثلاثة أعوام. بعض الشهود شاركوا في تطوير أدوات تعتمد على تحليل البيانات، وإشارات الهواتف، وبعضهم كان جزءًا من سلسلة طويلة تنتهي بإسقاط القنبلة على منزل فلسطيني.
تكمن قوّة الفيلم أيضًا، في أنه لا يكتفي بالسؤال عمّن ضغط الزر، بل يتتبّع "سلسلة القتل" كاملة: مَن جمع المعلومة؟ ومَن صمّم الأداة؟ ومَن اقترح الهدف؟ موَن حدّد عدد المدنيين الممكن التضحية بهم؟ ومَن وافق على التنفيذ؟
إنّها آلية تسمح لكل فرد بأن يقول: لم أقتل أحدًا، كنت أؤدي مهمّة تقنية صغيرة.. غير أنّ تراكم "المهام الصغيرة" هو ما يصنع الجريمة الكبيرة.. فالقتل الحديث لا يحدث دائمًا في مواجهة مباشرة بين قاتل وضحية؛ قد يبدأ من موظّف يحلّل إشارة هاتف، وخبير يطوّر خوارزمية، وضابط يراجع اسمًا على شاشة، وينتهي بعائلة كاملة تحت الركام.. وبين البداية والنهاية، تتوزّع المسؤولية إلى درجة يشعر معها كل فرد بأنّه مجرّد ترس صغير لا يملك القرار.
هذا تحديدًا ما يجعل "نازا" أكثر من فيلم عن غزة؛ إنّه فيلم عن البيروقراطية حين تنفصل عن الأخلاق، وعن التكنولوجيا حين تُستخدم لتوفير المسافة النفسية بين الفاعل والضحيّة، وعن الإنسان حين يحتمي بوظيفته كي لا يواجه نتائج أفعاله.
- لماذا أثار الفيلم هذا الغضب كله؟
لم يأتِ "نازا" بروايته من خارج إسرائيل، ولم يصنعه فلسطينيون يمكن للخطاب الرسمي اتهامهم بسهولة بـ"الانحياز". مخرجاه إسرائيليان، وشهوده إسرائيليون، ومادّته الأساسية جُمعت من داخل المؤسّسة العسكرية والاستخبارية نفسها.. لهذا كان الفيلم خطيرًا على الرواية الرسمية.
الشاهد القادم من داخل المنظومة لا يكتفي بمواجهة الإنكار؛ إنّه يربك آليته، وعندما تعجز السلطة عن إسكات الوقائع، تبدأ عادةً بمحاكمة مَن كشفها.. هكذا وُصف الفيلم بأنّه معادٍ لإسرائيل، واتُّهم صانعاه بالتحريض، وطالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بسحب جنسيتهما، فيما دعا رئيس الأركان إلى التحقيق في التسريبات، وملاحقة العسكريين الذين تعاونوا مع العمل.. واللافت أنّ عددًا من المسؤولين الذين هاجموه أقرّوا بأنّهم لم يشاهدوه أصلًا.
هذه المفارقة تكشف أنّ الخوف لم يكن من جودة الفيلم، بل من إمكان مشاهدته؛ ليس من الصور وحدها، بل من انتقالها إلى الرأي العام العالمي، ومن تحوّل الشهادات المتفرّقة إلى سردية مترابطة يصعب تجاهلها..فالسلطة لا تخشى الكاميرا عندما تصوّر ما تسمح به، بل عندما تدخل إلى المنطقة التي تريد إبقاءها خارج الضوء.
- شهادة الإسرائيلي لا تصنع حقيقة الفلسطيني
مع ذلك، ينبغي الانتباه إلى مسألة أخلاقية شديدة الحساسية: قيمة "نازا" لا تعني أن آلام الفلسطينيين أصبحت حقيقية فقط لأنّ إسرائيليين شهدوا عليها. لقد تحدّث الفلسطينيون تحدثوا اليوم الأول.. فالأطباء وصفوا المستشفيات المنهارة، والصحافيون وثّقوا العائلات التي مُسحت من السجل المدني، والأمهات حملن صور أطفالهن، والناجون رووا ما حدث أمام الكاميرات.. لم تكن الحقيقة غائبة؛ الذي غاب هو استعداد قسم من العالم لتصديق أصحابها.
لذلك؛ فإنّ أهمية الفيلم لا تكمن في منح الضحية الفلسطينية صدقية كانت تفتقر إليها، إنما في إسقاط إحدى الذرائع التي استُخدمت لرفض شهادتها. إنّه يقول للمتشكّكين: إذا كنتم لم تصدّقوا الضحيّة، فها هي أصوات من داخل الجهة التي صنعت المنظومة تشرح لكم كيف تعمل. هنا يصبح السؤال موجعًا: لماذا يحتاج الفلسطيني إلى شهادة مَن شارك في استهدافه حتى يُصدّق العالم موته؟
عندما تصبح الجائزة موقفًا أخلاقيًا
إنّ فوز "نازا" بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة لا يوقف القصف، ولا يعيد طفلًا إلى أسرته، ولا يرفع الركام عن غزة.. لكنّه يكسر شيئًا من الحصار المفروض على الحقيقة.. فالجوائز الثقافية لا تغيّر العالم بمفردها، لكنّها تمنح الروايات المهمّشة مساحةً وشرعيةً وقدرةً أكبر على الوصول، وعندما يحتفي مهرجان عالمي بفيلم يواجه منظومة القوّة، تتحوّل الجائزة من تقدير فنّي إلى موقف أخلاقي: ما يحدث لن يُدفن بالكامل تحت لغة البيانات العسكرية والبيانات السياسية.
لقد حاولت الحرب أن تجعل غزة كتلةً من الأرقام تتمثّل في تعداد الشهداء، والغارات، والمباني المدمّرة.. أمّا "نازا"، فيكشف الآلية التي تنتج الرقم، واللغة التي تسوغه والمسافة التقنية التي تجعل تنفيذه ممكنًا.
صحيح أنّ فوزه ليس نهاية الحكاية، بل بداية امتحان جديد.. هل يشاهد العالم الفيلم ثم يغادر القاعة متأثرًا؟ أم يحوّل ما عرفه إلى مساءلة سياسية، وقانونية، وأخلاقية؟
.jpg)
لقد نال "نازا" جائزته، لكنّ الحقيقة لا تزال تنتظر جائزتها الأصعب: أن تتوقّف آلة القتل، وأن يُحاسَب المسؤولون عنها، وأن يعود الفلسطيني في ضمير العالم إنسانًا كاملًا، لا رقمًا في خانة "الأضرار الجانبية".. لأنّ أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب، ليس أن تقتل الإنسان فقط، بل أن تقنع الآخرين بأنّ موته كان رقمًا ضروريًا.
-
المصادر والمراجع
- الموقع الرسمي لمهرجان البندقية السينمائي ـــــــــ فيلم نازا
https://www.labiennale.org/en/cinema/2026/venezia-83-competition/naza?utm_source=chatgpt.com
- الإعن الرسمي عن فوز فيلم نازا بجائزة التحكيم الخاصّة بمهرجان البندقية:
Guardian News & Media. (2026, September 12). NAZA awarded the Special Jury Prize at Venice International Film Festival.
- Associated Press. (2026, September 12). Venice Film Festival: “Woman Unknown” wins Golden Lion; “NAZA” takes Special Jury Prize.
- https://www.reuters.com/business/media-telecom/list-winners-2026-venice-film-festival-2026-09-12/?utm_source=chatgpt.com
- https://www.theguardian.com/film/2026/sep/11/naza-directors-film-israeli-intelligence-rachel-szor-yuval-abraham-?utm_source=chatgpt.com
- https://www.972mag.com/lavender-ai-israeli-army-gaza/?utm_source=chatgpt.com
- https://www.972mag.com/mass-assassination-factory-israel-calculated-bombing-gaza/?utm_source=chatgpt.com