تتقاطع تداعيات العدوان المستمر على لبنان مع موجة واسعة من التحركات والاحتجاجات الشعبية والميدانية التي يقودها الأهالي المتضررون في أكثر من منطقة لبنانية، رافعين هتافات ومطالب موحدة تدعو الدولة إلى تأمين "بدلات إيواء" فورية وعاجلة لتمكينهم من الصمود خارج مراكز النزوح العامة. صدحت حناجر المعتصمين في الساحات والمواقع العامة للمطالبة بتحقيق الوعود وتوفير مساعدات نقدية فعلية تقي آلاف العائلات المستأجرة ذل العوز وتساعدهم في مواجهة الأعباء المعيشية الطارئة.
نفتح ضمن هذا التحقيق كواليس الأزمة السكنية للنازحين قسراً عن قراهم، مفككاً التحديات الهيكلية والتمويلات المرصودة وحدود التقصير الرسمي إزاء الأسر التي تعاني ويلات الحرب.
من هذا المنطلق، يرصد هذا التقرير الأرقام والآليات اللوجستية المرتبطة بخطط الإغاثة، مفنداً مستويات المسؤولية الدستورية المباشرة عن توفير المسكن الملائم للمواطنين.
1- واقع التمويل الحكومي
يرتبط تفكيك ملف الإيواء بمسح القدرات المالية المباشرة للمؤسسات العامة، حيث تشير المعطيات التوثيقية إلى فجوة واضحة بين الخطط المترنحة والاحتياجات الفعلية:
أ- شح الموارد المالية العامة: تواجه الخزينة اللبنانية عجزاً هيكلياً يمنعها من تأمين التمويل الثابت والدائم لتقديم مساعدات نقدية مباشرة تغطي كامل تكاليف بدلات الإيجار للشقق المستقلة، على الرغم من استمرار المباحثات لتأمين قنوات تمويل بديلة.
ب- دراسة مشاريع الهبات الدولية: تدرس رئاسة مجلس الوزراء بالتنسيق مع اللجان الإغاثية سبل تحويل جزء من المساعدات العينية والهبات الدولية إلى مخصصات نقدية موجهة لدعم بدلات السكن، إلا أن هذه الاتصالات لا تزال تصطدم بتعقيدات إدارية واشتراطات الجهات المانحة.
ج- ضغط الأسعار والمضاربة العقارية: يعمق اتساع موجات النزوح من وطأة الأزمة، في ظل الارتفاع المضاعف وغير المنضبط لأسعار الإيجارات في المناطق المستضيفة، ما يضع آلاف العائلات النازحة تحت مقصلة العجز المالي والتهديد بالطرد من المنازل مع دخول فصل الشتاء.
2- خطة الاستجابة الوطنية والدعم النقدي المرحلي
تسعى الجهات التنظيمية بالتعاون مع المنظمات الدولية إلى إدارة التدفقات الإنسانية من خلال حزم مالية طارئة ومحدودة:
أ- المساعدات النقدية للأسر المستقلة: تضمنت المعطيات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية تقديم دعم نقدي طال قرابة 140 ألف عائلة نازحة تقيم خارج مراكز الإيواء الجماعية، بقيمة إجمالية قدرت بنحو 16 مليون دولار لتغطية جزء من الاحتياجات الحياتية.
ب- مؤشرات الصمود في القرى الأمامية: شملت الخطط الإغاثية رصد مخصصات مالية طارئة لنحو 10 آلاف عائلة صامدة في البلدات المتاخمة للخطوط المباشرة، بهدف تعزيز قدراتهم اللوجستية ومساعدتهم على مواجهة أعباء انقطاع الخدمات.
ج- تكامل التوزيع العيني والوقودي: ترافق الدعم المالي المحدود مع تسليم آلاف الحصص الغذائية ومستلزمات النظافة العامة، بالإضافة إلى جدولة توزيع مادة المازوت للمؤسسات الخدمية لضمان استمرارية ضخ المياه والتدفئة مع اقتراب فترات البرد.
3- كواليس الأزمة الهيكلية والحلول المقترحة
تتشابك أزمة السكن البديل مع استمرار العمليات العسكرية وغياب الضمانات الأمنية، مما يفرض تحديات وجودية تتجاوز البعد الإداري البسيط:
أ- المشكلات البنيوية للأزمة:
1- استمرار العدوان الإسرائيلي المتواصل والقصف الممنهج للقرى والبلدات، وهو ما يشكل العائق الجذري والأصيل الذي يمنع العائلات النازحة من العودة الفورية إلى أرضها وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، مما يجعل من أزمة الإيواء قضية ممتدة بنيوياً لا تحلها التدابير اللوجستية المؤقتة وحدها كالسكن في منازل جاهزة ريثما يعاد الإعمار.
2- الضغط الحكومي لتقليص ودمج مراكز الإيواء الجماعية في المدارس الرسمية لإطلاق العام الدراسي، في ظل عدم توافر قنوات مالية بديلة ومستدامة تدعم استئجار الشقق المستقلة للأسر خارج نطاق المنشآت العامة.
3- اقتصار مفهوم الإيواء الرسمي الحالي على مبانٍ عامة لا تصلح أساساً للإقامة الطويلة، وتفتقر لأدنى المقومات الطبيعية والبيولوجية التي تكفل صون الكرامة الإنسانية وحق العائلات في الخصوصية اللائقة والعيش الطبيعي.
ب- الحلول والبدائل المقترحة:
1- إلزام المجتمع الدولي بالضغط على القوة المعتدية لوقف التدمير الممنهج للبنى التحتية، وتأمين بروتوكولات حماية دولية تضمن حرية الحركة وإطلاق ورش الإعمار السريع.
2- تحويل جزء من الهبات النقدية الدولية مباشرة إلى حسابات المستأجرين عبر بطاقات تمويلية مخصصة لبدلات السكن المستقل لمنع الاحتكار العقاري والمضاربات.
3- إنشاء مجمعات سكنية مؤقتة ومجهزة بكافة المقومات الحياتية والصحية الطبيعية على أراضٍ عامة آمنة، كخيار فوري كرامي بديل عن الغرف المدرسية غير المؤهلة.
4- تفنيد مستويات المسؤولية الدستورية وأطر العمل الرسمي
تتوزع المسؤولية التنفيذية والقانونية المباشرة تجاه الأفراد المتضررين على هرم السلطة التنفيذية والمؤسسات العامة في الدولة اللبنانية، حيث تظهر فجوات التدبير في ثلاث حلقات أساسية:
أ- مقام رئاسة الجمهورية: يتمثل الدور الدستوري الأعلى في الوقوف كرمز سيادي جامع لحماية القوانين التي تكفل حقوق المواطنين في العيش الكريم والمسكن اللائق. وتبرز المسؤولية السيادية في هذا المستوى في توجيه المراسيم الاستثنائية والضغط لإقرار قوانين طوارئ حمائية تمنع استغلال المستهلك الرقمي أو طرد العائلات النازحة من مساكنها المؤقتة.
ب- رئاسة مجلس الوزراء: يتحمل رئيس حكومة تصريف الأعمال، الدكتور نواف سلام، بصفته رئيساً للسلطة التنفيذية والمسؤول الأول عن رسم السياسات العامة وإدارة خطة الطوارئ الوطنية، التبعات المباشرة لعدم فرض المسارات التنظيمية اللازمة لفرض الاتفاقات الإطارية والقوانين الدولية لوقف التدمير المتواصل. كما تظهر فجوة الأداء في العجز عن رصد اعتمادات مالية طارئة وثابتة من الموازنة العامة لصالح بدلات السكن، والاعتماد شبه الكامل على استجداء المساعدات العينية والهبات الخارجية دون خطة تمويل ذاتية تدعم صمود العائلات.
ج- وزارة الشؤون الاجتماعية: يقع العبء اللوجستي والميداني المباشر على عاتق الوزارة المعنية ممثلة بالوزيرة حنين السيد. ويتجلى الخلل التنفيذي في التباطؤ الملحوظ في إنجاز عمليات المسح الميداني وحصر أعداد العائلات النازحة المستقلة خارج مراكز الإيواء، فضلاً عن ضعف التنسيق مع المجالس البلدية والمحلية لبناء منصة رقمية موحدة وشفافة تضمن التوزيع العادل لبدلات الإيواء وتحمي الأسر من مخاطر العجز المالي أو الإخلاء القسري.
5- الإرشادات التوعوية وآليات الإفادة للمواطنين
يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي خلال الأزمات الإنسانية تفعيل الممارسات الوقائية لدى الأفراد المتأثرين بالنزوح:
أ- التثبت اللوجستي من أذونات السكن: يُنصح المواطنون بتوثيق عقود الإيجار المؤقتة عبر المجالس البلدية الرسمية لضمان تثبيت حقوقهم القانونية، وحمايتهم من أي محاولات إخلاء قسري عشوائي أو مضاربات سعرية غير مشروعة تنتهك شروط الكرامة الإنسانية.
ب- استخدام منصات التسجيل المعتمدة: يجب على العائلات المقيمة خارج مراكز النزوح الجماعية إدخال بياناتها بدقة عبر المنصات الرقمية الرسمية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتجنب مشاركة المعطيات الشخصية أو الهويات الرقمية مع جهات وسيطة غير موثوقة تفادياً لمخاطر التتبع السيبراني.
بناء على ما تقدم:
إن الدولة اللبنانية، بجميع أركانها ومؤسساتها الدستورية، مطالبة اليوم بالخروج من مربع الوعود الكلامية والخطط الورقية المترنحة، وتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الكاملة تجاه مواطنيها الذين يدفعون ضريبة الدم والنزوح من بيوتهم وأرزاقهم نتيجة العدوان المستمر.لذا يجب على الدولة السعي لوقف العدوان الإسرائيلي المتواصل بشتى السبل المتاحة. فإيواء الإنسان ليس مجرد سقف يُمنح في مدرسة رسمية أو بيئة تفتقر للمقومات الفسيولوجية الطبيعية، بل هو حق دستوري أصيل لا يقبل المساومة أو التأجيل. إن السلطة التنفيذية ملزمة فجائياً بابتكار حلول تمويلية عاجلة، وتفعيل رقابة حازمة لضبط أسواق الإيجارات، وصرف بدلات إيواء نقدية عادلة ومباشرة، لحماية آلاف الأسر اللبنانية من مقصلة التشرد وبرد الشتاء، وتثبيت مقومات صمودهم الوطني في وجه تدمير منازلهم المدنية. وإلا فإن الاحتجاجات المحقة ستتصاعد مشكلةً ضغوط كبرى على السلطة لنيل الحقوق المشروعة.
1- وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية: تقارير المرحلة التجريبية لبرنامج بدل الإيجار والخطط الطارئة لعام 2026.
2- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR): تقارير برامج Cash-for-Shelter وخطة الاستجابة الوطنية في لبنان لعام 2026.
3- رئاسة مجلس الوزراء اللبناني: البيانات الرسمية الصادرة عن لجنة الطوارئ الحكومية لعام 2026.
4- الصحف اللبنانية (الديار، المدن، الأخبار): التغطيات الميدانية والمسوحات الاستقصائية للحركة الاحتجاجية لعام 2026.