في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1970، ومنذ حوالي 56 ست وخمسين عامًا، ارتقى القائد والزعيم القومي العربي جمال عبدالناصر، بعد أكبر ملحمة إنسانية لوقف نزيف الدم الفلسطيني والحفاظ على الثورة الفلسطينية، وهي جوهر حياته ونضاله، وبعد مسيرة ثورية حافلة بالتضحيات والفعل الثوري المقاوم، من أجل أمة عربية واحدة ورسالتها الإنسانية والحضارية، وخاض في سبيل ذلك التحديات والمعارك الكبرى في مواجهة قوى الاستعمار والصهيونية.
في الشهر ذاته، في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2024، ومنذ عامين، ارتقى سيد المقاومة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله شهيدًا بعد مسيرة مقاومة وجهاد حافلة بالتضحيات تبقى خالدة في ضمير الأمة لتكون نبراس ضوء يُلهِم الأمة على طريق الانتصار الكبير القادم حتمًا.
تبقى مسيرة الرجلين، ناصر ونصرالله، إلى جانب سيرة قادة عظام في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، علامة بارزة على قدرة الأمة وقواها الحيّة على الاستمرار والنهوض ومواجهة التحديات والصعاب كلها، وتحمل المسؤوليات كلها، في إطار مشروعها الحضاري العربي الإسلامي الإنساني المستقل، في مواجهة قوى الغرب الاستعماري الأمريكي الصهيوني.
الدلالة المهمة لاستشهاد القائدين، وغيرهما كُثر، في خضم حرب ضارية تتواصل فصولها عبر قرنين من الزمان. منذ الحملة الاستعمارية الغربية وأداتها الصهيونية، على الإقليم، على الأمة العربية والإسلامية، وإذ تظن قوى البغي والعدوان أنها تمكنت من التخلص من قائد أو زعيم، إلا أن الحقيقة التي تؤكدها مسيرة الأمة، عبر تاريخها ونضالها الطويل والمتواصل، أنه كلما فقدنا قائدًا أو زعيمًا، قام منا ألف قائد، وهو ما قد يفسر سر صمود أمتنا عبر تاريخها ومعاركها المتواصلة. إذ لا تزال أمتنا العربية والإسلامية، بكل قيمها الجهادية والنضالية الثورية ورسالتها الحضارية الإنسانية، وعلى الرغم من فقدان واغتيال واستشهاد رموز وقيادات عظيمة، لا تزال تواصل رسالتها ومقاومتها، ولم ولن تستسلم، ثقة منها في النصر الأكيد وإن طال الزمن، ومهما تكالبت علينا قوى الشر والبغي.
في 28 سبتمبر/أيلول 1970، وبوفاة القائد التاريخي للثورة العربية، توهم أعداء الأمة، أنه قد واتتهم فرصة تاريخية للقضاء على الثورة وفكرها وإنجازاتها، مع أن قوى الثورة المضادة قد حققت انتصارات جزئية ومؤثرة، إلى حين، إلا أن قوى وطلائع ثورية وحدوية لا تزال تحمل الحُلم والأمل، ولا يزال نبض الثورة ينتفض في جسد الأمة، على أمل نحقيق الانتصار الحاسم ولو بعد حين، لا تزال لحظة تأميم قناة السويس 1956، ومعارك السد العالي وما تحمله من دلالات عظيمة، ورفض الهزيمة والاستسلام للعدو، وتواصل حروب الاستنزاف بعد 1967، وتحقيق نصر أكتوبر 1973، وانتصارات الثورة في الميادين اقتصاديًا واجتماعيًا و...، يُلهم الأمة وطلائعها، والأمل كل الأمل، أن تتمكن قوى الثورة العربية وطلائعها الوحدوية أن تستوعب الدرس، وتنظم وتوحد صفوفها، وتعي طبيعة وأبعاد اللحظة التاريخية التي تعيشها الأمة، وما تتطلبه من مهام، تقتضي أن تمد بصرها وبصيرتها، وتنسق تحالفاتها، في إطار فهم واع للعدو وقواه وتحالفاته.
لقد تعلمنا من جمال عبدالناصر، أن العدو الرئيس في هذه المرحلة، ولا يزال، هو قوى الاستعمار الصهيوأمريكي، وعلينا أن نعي أن التناقض الرئيس يكون معها، وما عداه خلافات ثانوية. باختصار؛ علينا أن نبني تحالفاتنا على هذه القاعدة الذهبية التي علمنا إياها جمال عبد الناصر.. فنحن مع كل قوى أو دولة أو منظمة تواجه وتحارب أمريكا وإسرائيل.
في 27 سبتمبر/أيلول 2024، وباستشهاد القائد التاريخي للمقاومة العربية سيد الشهداء السيد حسن نصرالله، على أيدي قوى الغدر الصهيو أمريكي، توهم أعداء الأمة، أنه قد واتتهم الفرصة الأكيدة، للقضاء على حزب الله، وعلى حركة المقاومة الإسلامية في لبنان، وتناسوا أنها قد حفرت مجرى أساسي وفهم عميق، إذ صارت المقاومة فكرة ومعنى وأسلوب حياة، تجري دمائها في شرايين الأمة، لتكون الأمل والحُلم في انتصار الأمة.
ألم تكن هذه المقاومة، عبر مسيرتها وانتصاراتها في العام 2000، والعام 2016 وتحرير الجنوب، على الرغم من التراجع والخذلان العربي الرسمي بعد هيمنة الكامب والهرولة إلى التطبيع مع عدو الأمة. مع ارتقاء العديد من قيادات المقاومة من الصف الأول والثاني، والعديد من المقاتلين، قد يكون العدو الصهيوني وبدعم عسكري أمريكي هائل وبتواطؤ قوى إقليمية وانعزالية في الداخل اللبناني إلا أن حزب الله ومقاومته الباسلة لا تزال صامدة قوية منتصرة، ثقة في وعد الله في الانتصار النهائي.
في 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة الأمريكية عدوانها الإجرامي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتمكنت من إغتيال المرشد الأعلى قائد الثورة الإسلامية السيد على خامنئي واغتيال الصف الثاني والثالث من قيادات وخبراء وعلماء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في أكبر عدوان إجرامي وحرب إبادة، ومع ذلك، لا تزال الثورة الإسلامية ونظامها في إيران صامدة ومنتصرة، تكيل الضربات للعدوان الصهيو أمريكي، وتؤكد أن الانتصار آت؛ بل هو الممكن الوحيد لهذه الأمة ورسالتها الحضارية والإنسانسة.
تتوالى الدروس التي تؤكد قدرة أمتنا العربية والإسلامية على تحقيق الانتصار في مواجهتها الكبرى ضد قوى البغي والعدوان والاستكبار الصهيو أمريكي. في اليمن، لا تزال قوى العدوان الصهيو أمريكي، مع ما تملكه من قوى وتحشيدات وتحالفات، عاجزة تمامًا عن كسر إرادة قوى المقاومة، وقدرتها على تكامل مضيق هرمز وباب المندب، وفي اللحظة المناسبة على إحداث الشلل التام للاقتصاد الغربي خاصة. في غزة وفلسطين، ومع سقوط القادة والشهداء، وحرب إبادة قذرة وممنهجة، وفي ظل صمت وتواطؤ النظام الرسمي العربي، لا تزال روح المقاومة متوثبة وكامنة في الصدور، وكلها ثقة في النصر.
إن الدلالة الأكثر أهمية في مسيرة القائدين العظيمين، ناصر ونصر الله، وكل قيادات الثورة العربية والإسلامية، عبر كل التاريخ المجيد لأمتنا، تكمن في ضرورة الفهم والوعي برسالة الأمة التي تدعونا إلى الوحدة والتكاتف، ونبذ الفُرق والخلاف. إن هذا يدعونا جميعًا، وفي هذه المرحلة، إلى أن نتمثل المعاني العظيمة التي جسدها ناصر ونصرالله وكل الشهداء والقادة، وهي:
- فلسطين تجمعنا، هي جوهر القضية التي حملها وعاش من أجلها ناصر ونصرالله والشهداء والقادة والمقاتلون كلهم.
- أمريكا والصهيونية، ومن يتحالف معهما، هما العدو الرئيس في هذه المرحلة، ولا عدو آخر. هذا جوهر التناقض الرئيس لهذه الأمة، وعلينا ألا نسمح لأية قوة أو دولة أن أن تجرنا إلى تحالفات وهمية أو تناقض آخر يعلو فوق هذا التناقض الرئيس. وإلا فإنه يكون مُصاب بعمى الأوان وفقدان البصر والبصرة.
- إن المشتركات بين قوى الأمة كثيرة، وعلينا بالوعي والفهم العميق والحوار، أن ندعم التواصل الفعال بين القوى الحية في الأمة بكل مكوناتها الإسلامية والقومية، ونبذ الطائفية وعدم الانجرار وراء الفِتن والخلافات.
إن جوهر الفكر القومي ينطلق حقيقة من أن الإسلام هو الذي صاغ النسيج القومي للآمة العربية، وأن جوهر الإسلام كونه رسالة سماوية هو العدل والمساواة بين بني البشر، وهو الذي بنى أعظم حضارة إنسانية، ضد قوى الاستكبار والاستغلال والهيمنة.
علينا في هذه المرحلة، أن نرتفع فوق الخلافات، وفوق التعصب لشخص أو قائد بعينه، أو لطائفة، وسبيلنا في ذلك الحوار، وأن نخوض معركة الوعي، وأن نسعى جميعًا لمصالحة تاريخية بين كل مكونات الأمة وقواها الحية، على أرضية المواجهة مع المشروع الصهيوني الأمريكي.
علينا في إطار السعي لهذه المصالحة التاريخية أن نحترم مسيرة رائعة من نضالات الأمة وشهدائها، والذين قدموا أرواحهم في ميادين القتال والمواجهة المتواصلة ضد أعداء الأمة: جمال عبدالناصر، حسن نصرالله، السيد علي خامنئي، عبدالمنعم رياض، الشيخ أحمد ياسين، إسماعيل هنية، و... ، وقبلهم في التاريخ الحديث: أية الله الخميني، عمر المختار، عبدالكريم الخطابي، عبدالقادر الجزائري، أحمد عرابي، ...، وبعدهم، والقائمة تطول لتضم الآلاف بل الملايين من شهداء الأمة عبر تاريخها الطويل، جنودًا وقادة، كلٌ وفق قناعاته ورؤاه ومعتقداته واجتهاداته، وأيا كانت الاختلافات فيما بينهم، إلا أنها تعبير عن تنوع وتعدد ثري يُغني الأمة ويقويها، وهو ما يتطلب مصالحة تاريخية بين كل قوى الأمة وتياراتها الرئيسة تجمع كل هذه القوى الحية نحو طريق الجهاد المقدس والنضال الواحد ضد أعداء الأمة.
ثورة مستمرة... وإنا على العهد... تحريرًا للأرض... ووفاءً للمقاومة.
عاشت ذكرى القائد جمال عبدالناصر...
عاشت ذكرى السيد حسن نصر الله...
المجد والخلود للشهداء...