3 قصص لمشاريع استثمارية جنوبية دمّرها الاحتلال

post-img

علي حسن بنجك (صحيفة الأخبار)

سواء بالقصف الجوي أو بالجرف، خسارة الجنوبيين لمشاريعهم الاستثمارية واحدة. علي هزيمة من قرية ميس الجبل المحتلّة اليوم، دخلت جرافات العدو الإسرائيلي إلى أرضه، حوّلت «مشروع تقاعده»، وهو واحداً من أكبر مشاريع الزراعة المائية في لبنان إلى خردة. مثله، خسر علي صبرا معظم قطيعه ومئات الدونمات المزروعة، فيما يقدّر سهاد قطيش خسائره في حولا بنحو 7 ملايين دولار!

ثلاث حكايات تختصر جانباً من واقع أصحاب المصالح في القرى الحدودية الجنوبية: ممتلكات ومصادر رزق دُمّرت أو أُحرقت أو جُرفت، وأصحابها يعيشون منذ قرابة ثلاث سنوات بعيداً عن قراهم، بعضهم بلا عمل، في انتظار العودة والتعويض.

قبل العدوان، عُرف عدد من القرى الحدودية بالنشاط التجاري والزراعي والصناعي، وشكّلت مؤسساتها مقصداً للمستهلكين والتجار من الجنوب ومناطق لبنانية أخرى. ولكن مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، نزح السكان، وتوقفت أعمال كثيرة، فيما تعرّضت ممتلكات بُني جزء كبير منها بعد التحرير عام 2000 للتدمير والتفجير والحرق.

واليوم، يجد عدد من أصحاب هذه المؤسسات أنفسهم عاطلين من العمل، يحاولون تأمين قوت يومهم وينتظرون من الدولة اللبنانية أن تعوّض جزءاً من خسائرهم، فيما لا يزال بعضهم عاجزاً حتى عن الوصول إلى أرضه.

«صرنا تحت الأرض»

«صرنا تحت الأرض»، يقول علي هزيمة، صاحب مشروع «هايدروبونيك» للزراعة المائية، وهي زراعة تعتمد على المياه والمغذيات من دون الحاجة إلى التربة. كان هزيمة يرى في هذه الزراعة «المستقبل». قصته بدأت بعد الانهيار النقدي والمصرفي عام 2019، إذ غادر بيروت للعيش في بلدته ميس الجبل، وبدأ مشروعه على مساحة 3000 متر مربع، ليكون، بحسب قوله، مشروع تقاعده، وليصبح من أكبر مشاريع الزراعة المائية في لبنان.

صنع هزيمة بنفسه الأنابيب المستخدمة في الزراعة وجهّز الخيام بما تحتاج إليه. وضم المشروع نحو 35 ألف شتلة من الخضار والفواكه. وكان حجمه موضع دهشة لدى مدير فرع عين إبل في منظمة مالطا ومسؤولين فيها، وفق هزيمة، لكون مشروع بهذا الحجم موجوداً في لبنان.

لكن المشروع لم يعد موجوداً اليوم. إذ جرفه العدو ودمّره بالجرافات، محوّلاً حلم هزيمة إلى خردة. ولا يستطيع الرجل إعادة تجهيزه، أولاً بسبب الكلفة المرتفعة، وثانياً لأن أرضه باتت تحت الاحتلال. يعيش هزيمة اليوم في منطقة البسطة التحتا في بيروت، بلا عمل منذ ثلاث سنوات، منتظراً مصير أرضه. ويختصر حاله بالقول: «النهر إذا ما بينبع، بينشف». وبحسب هزيمة، كشفت الدولة اللبنانية على المشروع مطلع عام 2025، لكنها لم تدفع له تعويضاً عن الأضرار المادية، فيما بقي طوال هذه الفترة ينتظر مصير أرضه ومشروعه.

من 800 كيلوغرام حليب إلى 45

هزيمة ليس وحده. علي صبرا، عضو بلدية مجدل سلم وعضو مجلس نقابة مربي المواشي والدواجن في الجنوب، خسر نحو 56 رأس بقر و70 رأساً من الغنم، فتراجع إنتاجه من الحليب من 800 كيلوغرام يومياً إلى 45 كيلوغراماً.

كذلك، تضررت 600 دونم من الأراضي التي كان يزرعها بالقمح والعدس والشعير، ولم يحصد منها شيئاً منذ بدء العدوان على جنوب لبنان في تشرين الأول 2023 وحتى اليوم. ويقول صبرا لـ«الأخبار» إنه يلتقي وزير الزراعة نزار هاني أسبوعياً، وإن جداول وإحصاءات الأضرار في البلدة سُلّمت إلى الجهات المعنية، إلا أن «القرار السياسي لم يسمح بالتعويض حتى الآن».

سهاد قطيش: لم نعد نريد شيئاً سوى العودة إلى أرضنا التي أورثنا إياها أجدادنا.

7 ملايين دولار... و«نريد أرضنا»

«لم نعد نريد شيئاً سوى العودة إلى أرضنا التي أورثنا إياها أجدادنا»، يقول سهاد قطيش، الذي يقدّر خسائره في بلدته حولا بنحو 7 ملايين دولار، حيث كان يملك مركزاً لتجارة البلاط والقرميد والأدوات المنزلية وغيرها، إضافة إلى عدد من الآليات، بينها «سكتريك» و«فانات». لكنه بات عاطلاً من العمل منذ نحو ثلاث سنوات.

ولم تقتصر خسارته على ممتلكاته ومصدر رزقه. فعلى الرغم من انتقاله للسكن في شمال لبنان، يقول إن القصف لاحق عائلته، وقتل ستة من أفرادها، بينهم والدته.

حاول قطيش متابعة ملفه مع الدولة اللبنانية للحصول على تعويض عن خسائره، إنّما من دون نتيجة، بحسب قوله. كما لجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي وإحراق الإطارات في الشوارع في محاولة لإيصال صوته إلى المسؤولين. أما اليوم، فيختصر مطلبه بالعودة إلى أرضه التي حُرم منها بفعل العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان.

هل التدمير مشروع قانوناً؟

تطرح حالات هزيمة وصبرا وقطيش سؤالاً يتجاوز التعويضات: ما الوضع القانوني لتدمير المؤسسات التجارية والأراضي الزراعية ومصادر رزق المدنيين خلال الحرب؟ وما مسؤولية الدولة اللبنانية في ملاحقة هذه الانتهاكات وتعويض أصحابها؟

يرى أستاذ الحقوق في الجامعة اللبنانية محمد عيسى أن ما تعرضت له المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، ولا سيما ما بات يُعرف بـ«المنطقة الصفراء»، لا يمكن اختزاله في الأضرار الجانبية التي ترافق عادة العمليات العسكرية. فالتدمير والقصف طالا مؤسسات تجارية وأراضي زراعية ومصادر رزق، ومن الصعب، بحسب عيسى، افتراض أن هذه القطاعات جميعها كانت تستخدم لأغراض عسكرية.

ويوضح أن الأصل في القانون الدولي الإنساني هو «مدنية هذه الأعيان»، ولا تفقد هذه الصفة إلا إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعلها هدفاً عسكرياً، مشيراً إلى أن تدمير ممتلكات الخصم محظور ما لم تفرضه ضرورة عسكرية ملحّة.

ويضيف أن «نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنّف التدمير الواسع للممتلكات، عندما لا تبرره الضرورة العسكرية ويُنفذ بصورة غير مشروعة وتعسفية، ضمن جرائم الحرب».

وبحسب عيسى، فإن حجم التدمير وتكرار عمليات الحرق والتجريف يستوجبان تحقيقاً قانونياً وطنياً ودولياً شاملاً، لا يكتفي بإحصاء الخسائر، «وإنما يبحث في طبيعة الأهداف التي استُهدفت، ومدى وجود ضرورة عسكرية لكل عملية، وما إذا كان التدمير قد اتخذ طابعاً واسعاً أو منهجياً يهدف إلى تعطيل الحياة المدنية والاقتصادية في المنطقة».

ويشير إلى أنه إذا أثبت التحقيق أن تدمير هذه الممتلكات لم تفرضه ضرورة عسكرية، فإن المسألة لا تبقى في نطاق المسؤولية السياسية أو الأخلاقية، بل قد ترتب مسؤولية دولية عن أفعال غير مشروعة دولياً، فضلاً عن المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب متى توافرت عناصرها.

ملف وطني للأضرار

هنا، بحسب عيسى، تبدأ مسؤولية الدولة اللبنانية. إذ تقع عليها مهمة توثيق الانتهاكات بصورة علمية وقانونية ومنهجية، عبر إنشاء ملف وطني موحد يضم صور الأقمار الصناعية، والصور الفوتوغرافية والفيديوهات الموثقة، ومحاضر البلديات، وسجلات الملكية، والتقارير الهندسية، وتقديرات قيمة الأضرار، والبيانات المتعلقة بالمؤسسات التجارية والصحية والزراعية المتضررة، إضافة إلى شهادات أصحابها والسكان، مع تحديد تاريخ كل واقعة ومكانها وطبيعة الهدف الذي تعرض للتدمير.

ويرى أن هذا التوثيق لا ينبغي أن يبقى محصوراً بالتعويضات المحلية، بل يجب أن يتحول إلى ملف قانوني تقدمه الدولة اللبنانية إلى الجهات الدولية المختصة، بما فيها الهيئات الأممية والآليات الدولية المعنية بالتحقيق في الانتهاكات، وأن يستخدمه لبنان للمطالبة بإلزام إسرائيل بتحمل تبعات أفعالها غير المشروعة والتعويض الكامل عن الأضرار التي لحقت بالدولة والأشخاص والمؤسسات والممتلكات المدنية.

ويؤكد عيسى أن المطالبة بالتعويض تستند إلى قاعدة راسخة في القانون الدولي الإنساني. إذ تقرر القاعدة 150 من القانون الدولي الإنساني العرفي أن الدولة المسؤولة عن انتهاك القانون الدولي الإنساني تلتزم بالتعويض الكامل عن الخسائر أو الأذى الناجم عن الانتهاك. كما تنص المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول على مسؤولية طرف النزاع عن أعمال أفراد قواته المسلحة والتزامه بالتعويض متى اقتضى الأمر ذلك.

ويورد النص أن الدولة اللبنانية تنازلت عن حقها في استخدام هذه المسارات من خلال توقيع «اتفاق الإطار»، الذي ينص، وفق المادة، على عدم مقاضاة لبنان لإسرائيل على جرائم الحرب المرتكبة بحق المدنيين وأصحاب المصالح في جنوب لبنان.

مسؤولية الدولة لا تسقط

وفي المقابل، يشدد عيسى في حديثه إلى «الأخبار» على أن مطالبة لبنان إسرائيل بالتعويض لا تعفي الدولة اللبنانية من مسؤوليتها تجاه مواطنيها. فالدولة، بحسب عيسى، ينبغي أن تتولى إغاثة المتضررين وتعويضهم أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب وفق الآليات التي يحددها القانون اللبناني، ولا سيما عندما يتعذر تحصيل التعويض الدولي فوراً.

ولا يعني ذلك أن تتحمل الخزينة اللبنانية نهائياً عبء الأضرار التي أحدثتها دولة أخرى. فقيام الدولة بالتعويض أو الإغاثة لا يسقط حقها في الرجوع على إسرائيل والمطالبة بالتعويض الكامل، بل يشكل جزءاً من حماية المواطنين وضمان استمرارية الدولة في مواجهة آثار العدوان.

وعليه، يطرح عيسى مسارين متوازيين أمام الدولة اللبنانية: تعويض المتضررين ودعمهم وفق إمكاناتها والتزاماتها الداخلية، وفي الوقت نفسه بناء ملف قانوني دولي منظم للمطالبة بالتعويض الكامل عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالأشخاص والممتلكات والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية في جنوب لبنان.

فبالنسبة إلى هزيمة وصبرا وقطيش، لا تختصر المسألة بأرقام تُدرج في جداول الأضرار. خلف كل رقم مصدر رزق تعطّل، وأرض يتعذر الوصول إليها، وأصحاب مصالح انتقلوا من الإنتاج إلى انتظار التعويض. وبعد قرابة ثلاث سنوات، لا يزال السؤال نفسه قائماً: من يعيد لهؤلاء القدرة على العيش من أرضهم؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد