منذ بدء الخليقة، مرورًا بتطور الحياة على الأرض، وهناك صراعات تتطور إلى صدامات وحروب، وهناك فوارق أخلاقية وحضارية بين المعسكرات المتصارعة تحكم الممارسات السياسية والعسكرية، ما ينتج مدرستين رئيسيتين في الصراع، إحداهما مدرسة أخلاقية وحضارية، والأخرى عدوانية وهمجية.
وقد اتفق حديثًا على مقولة بليغة ودقيقة للفيلسوف والعسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، تقول إن: "الحرب ليست إلا استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى"، وهو ما يعني تطابق أخلاق الحرب وأخلاق السياسة عند كل طرف، وأن كل مدرسة أو معسكر يتبع نمطًا أخلاقيًا وحضاريًا واحدًا في ممارساته السياسية والعسكرية. لهذا ليس مستغربًا أن نجد التجاوزات والانتهاكات والمجازر وعدم الالتزام بالعهود تنطلق من مدارس الطغيان والتدليس السياسي والديكتاتوريات وحكومات الاستعمار.
بناء على ما تقدم؛ يمكن رصد الفوارق الحضارية بين مدرستي المقاومة والاستعمار وأعوانه، والتي تنعكس على الممارسات السياسية والعسكرية في عناوين عامة مختصرة:
معالم المدرستين في السياسية
تنطلق كل جماعة بشرية، في ممارساتها، من مرجعية أخلاقية بحكم الدين والحضارة والثقافة العامة. مدرسة المقاومة بتنوعاتها الأيدلوجية تنطلق من مرجعية ثورية أخلاقية ترفض الظلم والاستسلام والمذلة، وتنحاز إلى المستضعفين والمهمشين.
هذه المنظومة القيمية تنعكس على السياسة في صورة التزام بثوابت وطنية وسعي دائم نحو العدالة والاستقلال الوطني، وتصاغ التحالفات مع قوى ودول تحمل ذات الثوابت، وسواء كانت المقاومة في المعارضة أم السلطة، فإنها تتبع خطابًا سياسيًا ثوريًا، وتفرض نمطًا من التعبئة العامة للجماهير، وتلتزم بالتوعية والشفافية في ما يخص الأمور السياسية، ولا مجال للغموض إلا في ما يتعلق بالشؤون العسكرية الدقيقة.
أما مدرسة الاستعمار وأعوانه، فتنطلق من منظومة همجية لا يعنيها سوى المصلحة، وتلتزم نمطًا من السياسة يعرف بالميكافيللية، يقوم على تسويغ الغاية للوسيلة أيا كانت، من دون معيار لقيم أو أخلاقيات أو مرجعيات، وتمتاز بالغموض التام والخديعة للخارج والداخل، وتصاغ تحالفاتها وفقا للمصلحة لا للمبادئ ولا القيم المشتركة.
تاليًا؛ نجد قوى الاستعمار وتوابعهم من الدول الإقليمية التي تستقوي بهم وتخدم أجندتهم، يمارسون ازدواجية في المعايير ونهب للمستضعفين وشراء للذمم والولاءات وخلق للفتن ونشر للأكاذيب؛ بهدف تحقيق المصلحة من دون نظر لأي معايير أخرى، ومنها القوانين والأعراف الدولية,
معالم المدرستين في الحروب
هذه الفوارق الأخلاقية والحضارية تمتد من السياسة الصدامات ثم الحروب، فنجد مدرسة المقاومات ملتزمة بأخلاقيات الحرب الشريفة، في بنك الأهداف العسكري والالتزام بالعهود والهدن وعدم الاعتماد على الأكاذيب والدعايات الزائفة والتزام الشفافية مع الجماهير. في حين نجد قوى الاستعمار، مثل أميركا والعدو الصهيوني، حتلا الدول التي تتحالف معهم في منطقتنا، لهم مدرسة مختلفة تتميز بالهمجية والغدر ونقض العهود وخلق الفتن والاعتماد على الأكاذيب واستهداف المدنيين والنساء والأطفال وتعذيب الأسرى والاعتماد على المجازر الجماعية؛ لخلق رعب وردع والتأثير في معنويات الخصوم والأعداء.
لمن النصر الاستراتيجي؟
لقد أثبت التاريخ أن النصر الاستراتيجي يكون دومًا لمدرسة الشرف والمقاومة؛ على الرغم من فداحة الخسائر والتضحيات الكبرى، فقد تحررت دومًا الشعوب المقاومة، ولم ينتصر الاستعمار إلا على الشعوب المستسلمة. كما سقطت أنظمة الطغيان والملكيات الفاسدة مهما طال مكوثها على سدة الحكم بعد ثورات الشعوب وانتفاضتهم، وبعد زوال الإمبراطوريات التي نصبتها ودعمتها.
ما نعيشه هو درس تاريخي؛ لا بد وأن تعيه الأنظمة التي تستقي شرعيتها من الاستعمار، ولا تتكئ على شرعية الشعوب، حيث الإمبراطوريات زائلة، والشعوب لن تظل في غفلة واستسلام.
لقد اثبتت قوى المقاومة، في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، أن الالتزام بأخلاق الحروب، مهما كانت فجوات القوة وحجم الاستهداف والدعايات والتواطؤ، هو الخيار الاستراتيجي الصحيح، وهو لا ينفصل عن الإرادة الحديدية والاستعداد للتضحية والصمود، كونها معالم لمدرسة متكاملة ودروس في منظومة المقاومة الشاملة، وها هي قوى المقاومة تضع القوى الكبرى، دوليًا وإقليميًا، في مأزق استراتيجي ووجودي غير مسبوق.