منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، في العام 1965، شكّلت الفصائل الفلسطينية عنوانًا أساسيًا من عناوين النضال الوطني الفلسطيني، وحملت على عاتقها مسؤولية التحرير والعودة والدفاع عن الهوية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.
لقد استطاعت هذه الفصائل، في زمن العمل الفدائي والانتفاضة، أن تعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العربي والدولي، بالكفاح الوطني بأشكاله كافة، وبوجود مناضلين دفعوا أثمانًا باهظة من حياتهم واستقرارهم، وقدّموا كثيرًا من التضحيات. لكن وضع هذه الفصائل أصبح مختلفًا على صعيد الفاعلية والحضور وتطوير الأدوات والإجابة عن أسئلة الناس المتعلقة بالحال الراهنة والمستقبل والمصير وتحديات الأوضاع في غزة والضفة الغربية ومخيمات اللجوء واستمرار عدوان الاحتلال.
تعيش فصائل فلسطينية في قصور من البلاغة، من دون أن تنتبه إلى أن الزمن تغيّر، وأن الشعب لم يعد قادرًا على تحمّل الخطابات نفسها، بشعارات ثورية تحوّلت إلى غطاء لأكثر الممارسات جمودًا، وكأن صلاحية الشعب عندها قد انتهت. لكن بقاء الفصائل الفلسطينية أو انتهاء دورها لا يُقاس فقط بقدراتها الذاتية أو بخطاباتها، أيضًا بامتدادها الاجتماعي وقاعدتها الشعبية وقدرتها على التكيّف مع الظروف والمتغيرات وتطوير أدوات العمل السياسي والشعبي؛ من دون التنازل عن المبادئ وإجراء مراجعة شاملة وإطلاق المبادرات وفقًا لمصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
تطلق، في الساحة الفلسطينية، شعارات سياسية لا نعرف منها ما يمكن ان ترفضه الفصائل، وما يمكن ان تقبله، وما هي الأولويات عند فتح وحماس وفصائل منظمة التحرير وقوى التحالف والمؤسسات والنخب الفكرية والاجتماعية..
قد يكون المستقبل القريب متجهًا نحو إعادة تشكيل هذه الفصائل، أو اندماج بعضها ببعض، أو تراجع بعضها الآخر إلى مستويات أدنى مما هي عليه الآن، أو نشوء قوى سياسية واجتماعية جديدة، باستراتيجية عمل جديدة أيضًا، تستجيب للتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، ضمن مشروع وطني جامع لا مساومة فيه، وبمساحات أوسع من البنى التنظيمية القائمة، من دون التفريط بالكيان السياسي والمعنوي، ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي يجب أن تضم القوى والتيارات السياسية والاجتماعية المختلفة على أساس الشراكة والمسؤولية في إطار المشروع الوطني العام.
لا تزال الفصائل الفلسطينية، على الرغم مما أصابها من تراجع، تعقد الاجتماعات وتصدر البيانات وتحشد ما أمكنها في المناسبات، مستندةً إلى التضحيات السابقة التي تعدها بمثابة حصانة سياسية لها، من دون تقديم أي أجوبة عن أسئلة الحاضر والمستقبل والوحدة وفعل المقاومة بأشكالها كافة في ميدان المواجهة مع الاحتلال.
لقد بات من حق الناس أن يسألوا، بعد سنوات من العجز عن إنهاء الانقسام: هل أصبحت المصالحة خطرًا على مصالح بعض القيادات، أم أن مصالح تلك القيادات باتت تشكّل خطرًا على المصالحة؟
إن المصالحة يجب أن تتم الآن، لا غدًا، وفقًا لمبادئ واضحة تتعلق بوحدة الأرض والشعب والتمثيل ورفض التهجير ومواجهة الاحتلال والاستيطان، ضمن رؤية واضحة للمستقبل، وبما يعبّر عن العمل الوطني الفلسطيني الذي بات مثقلًا بالكثير من التراجع والجمود والهشاشة الذاتية، في ظل قيادات مأزومة ترفض حتى الحديث عن أزمتها، وتعيش في قوقعتها، وتسمّي ذلك، ببرودة مطلقة، حياةً سياسية. بسبب هذه القيادات، خرج الشعب الفلسطيني من الحياة السياسية، وهو في حالٍ من التشتت والضياع والإحباط، نتيجة عجز قواه السياسية عن الفعل.
لذلك، بات الفلسطينيون يبحثون عن صيغ جديدة للعمل السياسي تؤمّن لهم الخلاص الفردي والجماعي والانتقال من الشعارات التي «طفّشتهم» من السياسة إلى الفعل والتنظيم، ومن الانتظار إلى اليقظة، ومن التشاؤم إلى التفاؤل. هذه من صفات الشعب الفلسطيني المقاوم الذي يقدّم التضحيات في مواجهة الاحتلال، رفضًا للخضوع والإذعان.
لقد تحوّلت الفصائل الفلسطينية في المرحلة الراهنة إلى تنظيمات ساكنة ومتكلّسة، وأطر شكلية بعيدة عن الواقع، وأصبحت موضع انتقاد دائم من الناس ومن المجتمع السياسي الفلسطيني، والذي يرى أن عجز هذه الفصائل عن تحقيق المصالحة والوحدة والتوافق واجراء الانتخابات وتفعيل المقاومة الشاملة قد دفع بالقضية الفلسطينية نحو أزمة مغلقة، حدودها التفكك والإحباط.
يأتي ذلك وسط إصرار هذه الفصائل على الاستمرار في عقد الاجتماعات الضيقة والموسعة، واجتماعات «النص نص»، حول الوحدة والحوار الوطني وإنهاء الانقسام والانتخابات. إضافة إلى ذلك، تحاصر هذه الفصائل الشعب الفلسطيني بمعايير ناقصة التحديد، مثل «حق عادل للاجئين» و«الدولة المستقلة» و«السلطة الوطنية»، وهي معايير لا ترقى إلى مستوى ما يريده الشعب الفلسطيني من المشروع الوطني بأبعاده الأخلاقية والثقافية والتاريخية.
كما أن هذه الفصائل تقول ما تقول، من دون أن تقرن أقوالها بالأفعال، وهو ما يدفع إلى القول إنه لم تعد هناك ضرورة لوجودها خارج إطار الدور المطلوب منها وطنيًا. إذ إن الضرورة القصوى اليوم هي جعل السياسة شأنًا وطنيًا يشارك فيه الجميع، لا حكرًا على قيادات تعيش داخل حيزها المغلق، بلا نوافذ ولا أبواب.
إن فلسطين اليوم، وهي تواجه محاولات المحو والإبادة والعدوان، لا تحتاج إلى فصائل تشكّل عائقًا أمام المشروع الذي نشأت من أجله، بل تحتاج إلى فصائل وقوى قادرة على الدفاع عن الأرض والشعب والعمل من أجل تحقيق العودة والاستقلال والخلاص من الاحتلال وتجسيد الأقوال بالأفعال، بلا خوف، وبلا قهر، وبلا انقسام.