الإعلام اللبناني بين التهويل والتطبيع

post-img

نزار نمر/جريدة الأخبار

من التهويل بالحرب إلى تقديم الانتخابات بلغة «حيادية»، انشغل الإعلام اللبناني بالاستحقاق الإسرائيلي، كلٌّ وفق سرديّته السياسية. بين من راهن على تبدّل المشهد، ومن رأى أن السياسات ثابتة، تحوّلت التغطية إلى مرآة لانقسامات الداخل اللبناني، فيما غابت الإجابات اليقينية عن النتائج وتداعياتها المحتملة على لبنان والمنطقة في الأيام المقبلة

كما سائر الإعلام حول العالم، أرخت الانتخابات في الكيان الإسرائيلي بظلالها على الإعلام اللبناني. لكن بالطبع، في لبنان هناك دائمًا اللمسة الخاصّة. إذ ضخّمت القنوات والصحف المهيمنة من الحدث وتداعياته، كأنّ سياسة الاحتلال تغيّرت يومًا مع تغيّر مسؤوليه، بالإضافة إلى رشّة التهويل التي باتت ترافق أيّ حدث ولو كان في سابع البحار. كذلك، كان هناك ربط مع الانتخابات النصفية الأميركية، نظرًا إلى دور الوصاية الأميركية في المشهد السياسي اللبناني الحالي.

LBCI: شرح «حيادي»

خصّص عدد من القنوات فقرات خاصّة في نشرات الأخبار اليومية تتناول المشهد الانتخابي في الكيان، على رأسها LBCI التي بثّت تقارير يومية حول الأطراف المشاركة في الانتخابات ومواقفها من السياسة الداخلية عمومًا ومن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خصوصًا. ولَئِن كان من المفيد تعريف المشاهدين في لبنان بالمشهد في الداخل المحتلّ وكم أنّ مجتمع المستوطنين مريض، إلّا أنّ LBCI حاولت اعتماد لغة «حيادية»، ولو أنّها بقيت على مسافة دائمًا ما حافظت عليها في انتقاد الكيان. باتت المستوطنات «بلدات»، والمستوطنون «مواطنين» أو «سكّان» أو «أهالي»، والكيان «دولة» فيها «آليّات ديمقراطية» (لم تغفل القناة غياب الديمقراطية عندما يأتي الدور إلى الفلسطينيّين)، وغير ذلك من تعابير مشابهة تطبّع فكرة وجود الكيان بدلًا من اغتنام الفرصة لإظهار اصطناعيّته.

mtv: تهويل بالحرب

أمّا mtv، فكالعادة لم يكن يهمّها سوى التهويل بالحرب والتحريض على المقاومة، بل الجزم بأنّ الجولة الجديدة من الحرب على إيران التي تهدّد بها الولايات المتّحدة و«إسرائيل» ستقضي على النظام الإيراني ومعه «حزب الله»! ووصل بها الأمر مساء الأحد الماضي إلى بثّ تقرير أوردت فيه أنّ وجود القيادي في الحرس الثوري الإيراني حسين يكتا على ضفاف نهر الليطاني يعني أنّ قرار الحرب بيَد إيران وليس «نعيم قاسم أو الدولة اللبنانية»، مستندةً إلى تقرير لمركز «ألما» الإسرائيلي. وكرّرت القناة سردية أنّ قياديّين في الحزب لم يكونوا على علم «بالصواريخ الستّة» في آذار (مارس) الماضي.

لكن بسبب التهويل هذا، كانت mtv أكثر واقعيّةً بخصوص عدم تبدّل سياسية «إسرائيل» تجاه لبنان، ولم تسقط في وهم الفرق بين بقاء نتنياهو أو رحيله. هذا ما تجلّى في تقارير عدّة للقناة خلال الأيّام الماضية، مثل تقرير حمل عنوان «لبنان داخل الانتخابات الإسرائيلية» في نشرتها مساء الخميس الماضي، وآخر مساء السبت تحت عنوان «الانتخابات في إسرائيل والمصير في جنوب لبنان».

«المنار» وOTV: التشاؤم مقابل التفاؤل

على قناة «المنار»، كان التركيز على جوانب محدّدة من الانتخابات، مثل اعتبارها معركة على إدارة الصراع وليست فقط منافسة حزبية داخلية، والإشارة إلى صعوبة تشكيل حكومة جديدة. كما دأبت على نشر نتائج استطلاعات الرأي الإسرائيلية، والتباين في استطلاعات القنوات الإسرائيلية. أمّا OTV، فربطت الانتخابات باحتمالات الحرب والتهدئة في لبنان، وهو ما برز خلال مقدّمات عدّة لنشرات أخبارها خلال الشهر الحالي. وكانت وجهة نظر القناة أنّ الانتخابات قد تؤثّر في المفاوضات ووقف التصعيد والانسحاب الإسرائيلي وعودة الجنوبيّين إلى قراهم.

«الجديد»: نتنياهو الخبر

على ضفّة «الجديد»، كان هناك تركيز على شخص نتنياهو أكثر من سياسة حزبه أو كيانه، فاعتبرت تهديداته بحقّ الضفّة الغربية وإيران مجرّد حملة انتخابية، ولا سيّما في مقدّمتَيها مساء الجمعة والأحد الماضيَين، علمًا أنّ LBCI ذهبت إلى مقاربة مشابهة. ومثل OTV، ربطت «الجديد» اشتداد التوتّر في الجنوب اللبناني باقتراب موعد الانتخابات في الكيان. وغلب تناول الانتخابات هذه في البرامج السياسية على «الجديد» أكثر من نشرات الأخبار.

بالنسبة إلى الصحف، نشرت «النهار» الأحد الماضي ملفًّا بعنوان «عشية الانتخابات الإسرائيلية... «النهار» تفكّك المشهد الانتخابي»، تناولت فيه نظام الكنيست، والفروق بين اليمين والوسط واليسار، ودور الناخبين العرب والأحزاب الدينية في تشكيل الحكومة، وغيرها. وحمل غلافها يوم الإثنين عنوان «لبنان تحت وطأة الترقّب القلق للاستحقاق الإسرائيلي». أمّا صحيفة «نداء الوطن»، فقد اعتمدت في تقارير لها على الإعلام الصهيوني في محاولة منها لإظهار الانقسام في الداخل المحتلّ، علمًا أنّها (كما mtv) لم تعتبر أنّ السياسة ستتغيّر تجاه لبنان. وحمل غلافها يوم الإثنين عنوان «بيروت تراقب صناديق إسرائيل وتخشى «إسنادًا» بأمر إيراني».

تعدّدت الوجهات والارتباك واحد

في الخلاصة، يمكن استنتاج أنّه على الإعلام اللبناني تعدّدت الوجهات والارتباك واحد. فلا أحد يدرك فعلًا ما الذي سيحصل قبل انتهاء يوم الثلاثاء، ولا أحد يعلم النتائج ولا تداعياته. المشهد الإعلامي في الأيّام وحتّى الأسابيع الماضية اقتصر على قرار الوسيلة الإعلامية نفسها، وما الذي تريد الإضاءة عليه: الانقسام، أم تبدّل السياسة تجاه لبنان، أم عدم تبدّلها، أم التهويل بالحرب، أم تقدّم فرص التفاوض، أم انهيار داخلي، أم حرب إقليمية، أم ماذا؟ في كلّ الأحوال، أُلهي جمهور كلّ وسيلة إعلامية بحسب سرديّتها المعتمَدة، فيما الواقع المقبل الذي لا يمكن لأحد استشرافه، سيفرض نفسه فوق كلّ السرديّات لدى حلوله عاجلًا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد