يتوجّه الإسرائيليون، اليوم، إلى صناديق الاقتراع، بعد ثلاث سنوات من الحروب والانقسام. في الظاهر، ستحسم الأصوات ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيحتفظ بالسلطة، أم أن رئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت، سينال فرصة تشكيل حكومة جديدة، لكن المنافسة بين الرجلين تتجاوز الأسماء إلى طبيعة «الدولة» نفسها: موقع الدين، صلاحيات القضاء، وحدود السلطة السياسية. إذ لا يتّفق المعسكران حتى على معنى «الديمقراطية الإسرائيلية» وسُبل «حمايتها»، ليبرز، والحال هذه، سؤال قد يفوق في أهميته اسمَ رئيس الحكومة المقبل: أيّ إسرائيل يريد الإسرائيليون إنقاذها؟
في خطاب المعارضة، تبدو الإجابة جاهزة. يرى أنصار هذا التيار أن «الديمقراطية الإسرائيلية» تواجه محاولة لتقويض مؤسّساتها، بعدما خاض نتنياهو وحلفاؤه معركة طويلة لتقليص نفوذ القضاء، انتهت في آذار الماضي من عام 2025 بإقرار تعديل يمنح السياسيين يداً أطول في اختيار القضاة، على أن يدخل حيّز التنفيذ مع «الكنيست» الجديد. وعليه، يتعهّد آيزنكوت بإلغاء هذا التعديل، وحماية استقلال «المحكمة العليا»، وإعادة رسم العلاقة بين السلطات على أسس دستورية أوضح.
بيد أن الخلاف أعمق من ذلك؛ فعبارة «دولة يهودية وديمقراطية»، التي تتكرّر في الخطاب الرسمي والوثائق الإسرائيلية، لم يُحسم معناها يوماً: هل تعني «اليهودية» هوية ثقافية وتاريخية للأغلبية، أم امتيازاً سياسياً ودستورياً دائماً لجماعة بعينها؟ وأين تبدأ الديمقراطية وأين تنتهي، حين لا ينتمي جميع السكّان إلى الجماعة التي تعرّف الدولة نفسها بها؟ في هذا السياق، أظهر استطلاع نشره «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، قبل أيام من الاقتراع، أن 41 في المئة من المستطلَعين اليهود يرون أن الطابع اليهودي لـ«الدولة» بات طاغياً أكثر من اللازم، في مقابل 23 في المئة يرون أن الطابع «الديمقراطي» هو الغالب، و24 في المئة يعتبرون التوازن القائم مناسباً. والأهم،ّ أن غالبية اليهود تعتقد بإمكانية أن تكون إسرائيل يهودية و«ديمقراطية» بالكامل في آن، فيما لا تتجاوز هذه النسبة 29 في المئة بين المستطلَعين العرب، وهو ما يعكس تصوّرين متناقضين لـ«الدولة» نفسها، لا مجرّد تفضيل لحزب على آخر.
كذلك، تكشف نتائج الاستطلاعات أن الخلاف داخل المجتمع اليهودي يدور حول معنى التوازن بين هويّتَي «الدولة»؛ إذ يختلف اليمين واليسار على حصّة المؤسسات الدينية من السلطة، وعلى صلاحيات القضاء في مواجهة الأغلبية المنتخبة. ومع هذا، يبقى آيزنكوت نفسه متمسّكاً بالطابع اليهودي لـ«الدولة»، ويعدّ الحفاظ على الأغلبية اليهودية ركناً أساسياً في مشروعه السياسي.
بين القاضي والحاخام والجندي
على أن النزاع بين الحكومة و«المحكمة العليا» لا يكفي لفهم الأزمة، إذ ثمّة أيضاً خلاف ثقافي على المرجعية التي يُفترض أن تملك الكلمة الأخيرة في الشأن العام. فالقاضي يجسّد القانون وقدرته على مراقبة السياسيين، والحاخام يجسّد المرجعية الدينية التي تسعى الأحزاب «الحريدية» إلى توسيع نفوذها داخل الدولة، فيما يمثّل الجندي الوجه العسكري للمشروع الاستيطاني الإحلالي. وإذ تحتلّ الخدمة العسكرية، في الداخل الإسرائيلي، موقعاً مركزياً في تعريف المواطنة والانتماء، حتى غدت معياراً يُقاس به التزام الفرد تجاه الدولة، تعدّ قضية إعفاء الرجال «الحريديم» من التجنيد من أكثر القضايا حساسية في إسرائيل. ووفق تقييم «معهد سياسات الشعب اليهودي» لعام 2026، ارتفعت نسبة الإسرائيليين الذين يعدّون الانقسام بين المتديّنين والعلمانيين تهديداً أساسياً للتماسك الاجتماعي، من 20 في المئة في العام السابق إلى 32 في المئة؛ وهو ارتفاع يمكن قراءته في ضوء حرب طويلة أثقلت كاهل جنود الاحتياط وعائلاتهم بشرياً واقتصادياً، فيما بقي «الحريديم» بمنأى عن أعبائها، وظلّ ملف إعفائهم معلّقاً.
على هذه الخلفية، يطرح آيزنكوت تعميم الخدمة العسكرية على الجميع وفق ترتيبات قانونية، جاعلاً من «تقاسم الأعباء» ركيزة أساسية لمشروعه للإصلاح الداخلي. واللافت، هنا، أن آيزنكوت كان أمضى عقوداً في المؤسسة العسكرية، وقُتل نجله غال (25 عاماً) خلال مشاركته في حرب الإبادة على قطاع غزة في كانون الأول 2023، ثم قُتل ابن شقيقته في اليوم التالي؛ وهي سيرة تمنحه موقعاً خاصاً لدى الجمهور الذي يرى في الجيش أحد أبرز مصادر الثقة والشرعية.
ديمقراطية لليهود فقط؟
أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فلا تحمل هذه الانتخابات أيّ مؤشر إلى تغيير جوهري في واقعهم. فبينما أمضى نتنياهو سنوات في «إدارة الصراع» معهم، معمِّقاً الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف تقويض أيّ فرصة لقيام دولة فلسطينية (وفق اتفاق «أوسلو»)، يتمسّك آيزنكوت، بدوره -وإن كان يحمل مشروعاً مختلفاً لإدارة «الدولة»-، بالسيطرة الأمنية على الأراضي الفلسطينية، ويرفض إقامة دولة فلسطينية، وصولاً ربّما إلى ضمّ الضفة وغزة، في وقت لا ترقى فيه معارضته بعض سياسات الاستيطان واعتداءات المستوطنين إلى حدّ مراجعة أسس الاحتلال ومنظومة القهر التي يفرضها على الفلسطينيين بشتّى الوسائل.
اليمين الإسرائيلي و«ماغا» يخوضان معركة ضد القضاء والإعلام
تتّضح حدود «الديمقراطية» الإسرائيلية أيضاً في موقف المجتمع اليهودي من مشاركة الأحزاب العربية في الأراضي المحتلة عام 1948 في الحكم. فبحسب «مؤشر الديمقراطية» لعام 2025، يعارض 71.5 في المئة من اليهود الإسرائيليين دخول هذه الأحزاب إلى الحكومة، وسط تفاوت المواقف بحسب الانتماء السياسي؛ إذ يؤيّد مشاركتها 69 في المئة من اليهود المحسوبين على اليسار، في مقابل 26 في المئة من الوسط، و7 في المئة فقط من اليمين. على أن هذا الموقف لا يقتصر على اليمين؛ فقد أعلن آيزنكوت نفسه أن «القائمة العربية الموحّدة»، بقيادة منصور عباس، لن تكون جزءاً من أيّ حكومة يرأسها بصيغتها الحالية، واشترط لمشاركة الأحزاب العربية الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية وديمقراطية»، وتأييد الخدمة العسكرية للجميع، واعتبار حركة «حماس» تنظيماً «إرهابياً».
وعليه، قد يحمل فوز آيزنكوت، إن تحقّق، تغييرات فعلية في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، من استعادة «المحكمة العليا» بعض صلاحياتها، إلى الحدّ من نفوذ الأحزاب الدينية، وصولاً إلى إعادة ضبط العلاقة بين السلطات؛ وهي فوارق مهمّة عن مشروع نتنياهو. غير أن الخلاف بين الرجلَين في ما يخصّ طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي ومؤسساته يتلاشى أمام تقاطع مواقفهما من إقامة الدولة الفلسطينية، والعدوانية تجاه الفلسطينين، وإن اختلفت سُبلهما.
المرآة الأميركية
تتعذّر قراءة الصراع على هوية إسرائيل بمعزل عن التحوّلات السياسية والثقافية في الولايات المتحدة؛ إذ وجد اليمين الإسرائيلي في صعود حركة «ماغا - لنُعِد لأميركا عظمتها» حليفاً سياسياً وفكرياً، ولا سيما في معركته ضدّ المؤسسات القضائية والإعلامية، حتى تسلّلت إلى خطابه مفردات مألوفة لدى اليمين الأميركي، من الحديث عن «الدولة العميقة» إلى اتهام القضاة بـ«مصادرة إرادة الناخبين».
وانسحب هذا التشابه على ملف تغيّر المناخ؛ إذ درست وزارة البيئة الإسرائيلية الانسحاب من «اتفاق باريس للمناخ»، على خطى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل أن تقرّر البقاء فيه. وفي استطلاع إسرائيلي نُشر العام الحالي، عزا 29 في المئة من المحسوبين على اليمين الاحترار العالمي إلى النشاط البشري، في مقابل 60 في المئة من الوسط، ما يؤشّر إلى أن الخلاف على الثقة بالعلم والمؤسسات الدولية صار جزءاً من الاستقطاب السياسي الإسرائيلي، على غرار ما هو عليه الحال في أوساط اليمين الأميركي.
كان ترامب، الذي يخوض حزبه «الجمهوري» الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس» في الثالث من تشرين الثاني المقبل، أي بعد أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية، أعلن دعمه لنتنياهو، فيما امتنع نائبه، جي دي فانس، عن تأييد الأخير، في وقت برزت فيه داخل الإدارة مواقف أكثر انفتاحاً على التعامل مع حكومة إسرائيلية جديدة. كذلك، يمتدّ الانقسام إلى اليهود الأميركيين أنفسهم؛ ففي حين تدعم قطاعات من اليهود الأرثوذكس نتنياهو ومشروعه، تنتقد قطاعات ليبرالية وشابة سياساته في غزة وتوسيع الاستيطان ونفوذ الأحزاب الدينية. وبهذا، يتحوّل سؤال هوية إسرائيل ومستقبلها إلى مادة خلاف داخل المجتمعات اليهودية في الخارج أيضاً، وتحديداً في البلد الذي يمدّ الكيان بأهمّ مصادر الدعم السياسي والعسكري والمالي.
أيّ دولة في النهاية؟
بعد 78 عاماً على تأسيسها، تعود إسرائيل إلى السؤال الذي حاولت طويلاً حسمه بعبارة «دولة يهودية وديمقراطية». فنتنياهو يسعى إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يمنح الأغلبية الحاكمة سلطة أوسع، فيما يريد آيزنكوت استعادة التوازن بينها مع الحفاظ على طابعها اليهودي. والخلاف بينهما حقيقي، لكنّ حدوده تنكشف عند الحديث عن الفلسطينيين؛ فالدولة التي تتجادل حول مستقبل «ديمقراطيتها» هي نفسها التي تواصل احتلال الأراضي الفلسطينية وأجزاء من جنوب لبنان، وتحصر حقّ تقرير المصير القومي فيها بالشعب اليهودي.
ولعلّ أبرز ما تكشفه هذه الانتخابات أن حروب السنوات الثلاث الماضية لم تحسم صراع إسرائيل الداخلي على طبيعة الدولة. فالحروب غيّرت خرائط السيطرة العسكرية، ووسّعت رقعة الدمار والتهجير، فيما بقيت الأزمة الداخلية مفتوحة على أسئلة الدين والقومية والقانون والسلطة. لذا، قد يتغيّر رئيس الحكومة، وتتبدّل التحالفات، ويُعاد توزيع الصلاحيات بين المؤسسات، لكن الصراع على هوية الدولة سيستمرّ بعد إعلان النتائج، وهو ما يدفع بعض المحلّلين إلى التحذير من احتمال انفجار الأزمة الإسرائيلية من الداخل.