حين يخرج الجرح من تحت الركام.. "بغض النظر" مسرحٌ يستعيد الإنسان من قبضة الحرب

post-img

د. زينب الطحان/أستاذة جامعية وكاتبة

ليست الحروب كلها حكايات تُروى عن القصف والدمار وعدد الضحايا؛ فثمّة حروب تستمرّ داخل الأجساد بعد أن تصمت المدافع، وتظلّ حاضرة في المرآة، وفي خطواتٍ كانت مألوفة ثمّ أصبحت مستحيلة، وفي يدٍ تمتدّ إلى ابنةٍ لا تستطيع رؤيتها، أو وجهٍ يحاول صاحبه تعرّف صورته الجديدة. من هنا، تأتي مسرحيّة "بغض النظر"، والتي أعدّتها وأخرجتها سارة قصير، لتفتح على خشبة "مسرح المدينة" في بيروت نافذةً على حياة مصابي الحرب الإسرائيليّة على لبنان، وتمنحهم فرصة نادرة ليروي كلّ منهم حكايته بصوته، لا بلسان الآخرين.

هم لا يصعدون إلى المسرح لاستدرار الشفقة، ولا ليقدّموا أجسادهم بوصفها شواهد صامتة على المأساة، إنما ليقولوا إنّ الإنسان أكبر من إصابته، وإنّ الحرب، مهما غيّرت ملامحه، لا تملك وحدها حقّ كتابة خاتمة حياته.

تبدأ الحكاية من تحت شرشف أبيض كبير يغمر الخشبة، قبل أن تخرج منه الأجساد واحدًا تلو الآخر، في مشهد يستحضر الخروج من تحت الأنقاض. عشرة مشاركين، بينهم طفل في السادسة، يحملون آثار إصابات خلّفتها الحرب، وبعضهم فقد البصر أو السمع أو أطرافًا من جسده، لكنّهم يخرجون إلى الضوء لا ليعرضوا ما فقدوه، بل ليستعيدوا حقّهم في الحضور. يبدو الشرشف الأبيض، للوهلة الأولى، كأنّه ركام يختبئ تحته الألم، لكنّه يتحوّل تدريجيًّا إلى مساحة للبوح والنجاة؛ فالبياض هنا لا يمحو السواد، ولا يدّعي أنّ الجراح قد التأمت، هو يمنح أصحابها مكانًا يعيدون فيه صياغة ما حدث لهم. إنّها صورة مسرحيّة تختصر مفارقة التجربة كلّها: أجساد خرجت من الحرب مثقلةً بالخسارة، لكنّها ترفض أن تبقى مدفونةً تحتها.

في إحدى أكثر الحكايات إيلامًا، تقف سارة جفّال أمام سؤال المرآة، بعدما فقدت عينها اليمنى في تفجيرات أجهزة "البيجر": «هيك صرت؟ كلّ ما حطّ إيدي ع وجّي بحسّ كلّ شي تغيّر». ليس السؤال هنا عن الجمال وحده، أيضًا عن علاقة الإنسان بصورته، وعن الخوف من أن تصبح ملامحه الجديدة حاجزًا بينه وبين الحياة والآخرين.

في حكاية أخرى، نشاهد محمّد جلول، والذي فقد بصره قبل ولادة ابنته ليا، فيجد نفسه أبًا يريد أن يرى طفلتيه ويحميهما، فيما حُرم نعمة النظر إليهما. حين يشتدّ القصف، يصبح الخوف مضاعفًا: أبٌ لا يرى الطريق، وعائلة تحاول الوصول إلى مكان آمن، وطفلتان تحتاجان إلى الأمان في لحظة يعجز فيها العالم عن توفيره. هنا، لا تحتاج المسرحيّة إلى اختراع الدراما أو المبالغة في تصويرها؛ فالحياة نفسها، بكلّ قسوتها وتفاصيلها الصغيرة، تقدّم ما يكفي من الأسئلة التي لا تترك المتفرّج كما كان قبل دخول الصالة.

لكنّ "بغض النظر" لا تستسلم للحزن، ولا تحبس المشاركين داخل صورة الضحيّة التي لا تفعل سوى البكاء على خساراتها. إنّها تستعين بالكوميديا السوداء لتقول إنّ الألم، على فداحته، لا يلغي قدرة الإنسان على الضحك، وإنّ السّخرية قد تصبح وسيلة لاستعادة شيء من السيطرة على واقع فُرض عليه من دون اختيار. في حكاية العدّاء أحمد تالا، والذي بُترت ساقه، تتحوّل "فردة الشحّاطة" إلى مفارقة يوميّة تجمع الضحك والوجع؛ فحين يسأل عن "الفردة" الأخرى، تذكّره والدته بأنّها لا تزال تبحث عنها، قبل أن يذكّرها بأنّه لم يعد يحتاج إليها.

في لحظة أخرى، ينسى أحمد واقع جسده الجديد ويحاول الوقوف كما اعتاد، فتتحوّل الحركة العابرة إلى مواجهة مؤثّرة بين ذاكرة الجسد وحقيقته الراهنة. نضحك، ثمّ نكتشف أنّ ضحكتنا تمرّ فوق طبقة عميقة من الألم؛ فالكوميديا هنا ليست إنكارًا للمأساة، بل رفضٌ لأن تختصر المأساة أصحابها في لحظة الإصابة.

تكتسب التجربة بُعدًا أعمق؛ لأنّها لا تفصل الفنّ عن مسار التعافي النفسيّ والاجتماعيّ. فقد خضع المشاركون لبرنامج في العلاج بالدراما، بإشراف سارة قصير وبالتعاون مع اختصاصيّين، استعادوا خلاله حكاياتهم ومخاوفهم وأحلامهم قبل الإصابة وبعدها، ثمّ تحوّلت هذه الموادّ الشخصيّة إلى بناء مسرحيّ يجمع بين التمثيل والحكواتي والغناء والموسيقى الحيّة وخيال الظلّ. في هذا المعنى تقول "قصير" لموقع "أوراق" أن تجربة إعداد الجرحى لتمثيل أدوارهم الحقيقية على المسرح كانت صعبة للغاية، تضاعف معها مستوى الاحتراف وتجلى الألم كما نريد له أن يكون حركيًا يؤثر في المشاهدين، لا ليدر شفقتهم، لقد استهدفت "قصير" وفريق عملها استفزاز وعي المتلقي لحجم ألم الجراح النازفة مع بقاء ندوب الحروب على جسد كل ممثل جريح على المسرح.

لذلك تقول "قصير" لموقع "أوراق" :" لم يكن المشاركون مجرّد أشخاص تُروى حكاياتهم أو تُؤدّى أدوار كُتبت عنهم؛ فقد شاركوا أيضًا في صناعة العمل ورؤيته الفنيّة، ليصبحوا شركاء في تحديد الصورة التي يظهرون بها أمام الجمهور".

تبرز هنا قيمة إنسانيّة تتجاوز الخشبة: فبدل أن يحتكر الآخرون تفسير تجارب المصابين، يتولّى أصحاب التجربة أنفسهم روايتها، بما فيها من غضب وخوف وحنين وأمل. كما أنّ الموسيقى التي يؤدّي المشاركون جانبًا أساسيًّا منها لا تأتي مجرّد خلفيّة جماليّة، تصبح صوتًا يصنعه الذين يحملون آثار الحرب، ويحوّلون حضورهم من موضوع للفرجة إلى فعل إبداعيّ مستقلّ.

لا تنفصل رسالة المسرحيّة عن المجتمع الذي يعود إليه هؤلاء بعد انطفاء الأضواء. فالإصابة لا تغيّر الجسد وحده، هي تضع صاحبها أمام نظرات الآخرين وأحكامهم المسبقة، وتدفعه إلى مواجهة تصوّرات تختزل الإعاقة في العجز، أو تجعل الاعتماد على الآخرين مرادفًا لفقدان الكرامة. تزداد هذه المسألة تعقيدًا حين يتعلّق الأمر برجال تربّوا في بيئة تربط الرجولة بالصلابة والصمت وإخفاء الألم؛ إذ تصبح مشاركتهم مخاوفهم على الخشبة تحدّيًا للصورة الاجتماعيّة التي لا تسمح للرجل بأن يُظهر هشاشته. أمّا السينوغرافيا البيضاء، والممتدّة من الأرض نحو الأعلى، فتمنح هذا المعنى امتدادًا بصريًّا، إذ تستحضر الانفجارات والخراب، ثمّ تعيد تشكيلهما في صورة مختلفة، لا تنكر ما وقع، هي تفتح إمكانًا لتأمّله وصياغة معنى جديد منه..

هكذا تتداخل الأجساد والكلمات والأغنيات والضحكات لتؤكّد أنّ الصمود ليس ادّعاءً بأنّ كلّ شيء بخير، بل القدرة على مواصلة الحياة، مع الاعتراف بما تغيّر وما لا يمكن استعادته.

إذا كان عنوان «بغض النظر» يدعو إلى النظر إلى الإنسان بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، فإنّه يضع الجمهور أمام مسؤوليّة أخلاقيّة أيضًا: أن يرى المصاب إنسانًا كاملًا، له ماضٍ وأحلام وعلاقات وحقوق، لا مجرّد صورة تختصرها الإصابة. غير أنّ الاحتفاء بإرادة الحياة لا ينبغي أن يتحوّل إلى إعفاء للحرب من مسؤوليتها، أو إلى مطالبة المصابين بأن يكونوا أقوياء طوال الوقت كي يستحقّوا التعاطف والاحترام.

إن الأمل لا يلغي حقّهم في الرعاية والتأهيل وحق الوصول إلى الخدمات، ولا يعوّضهم عن الخسائر التي لحقت بهم، ولا يرفع عن المجتمع واجب إزالة الحواجز التي قد تعترض مشاركتهم في الحياة العامّة. إنّ القيمة الأعمق لهذا العمل أنّه لا يقدّم نهاية سعيدة مصطنعة، ولا يزعم أنّ الإرادة وحدها قادرة على إصلاح كلّ ما أفسدته الحرب؛ بل يترك الألم حاضرًا، ويمنح الخوف والغضب مساحة للتعبير، ثمّ يفتح نافذة صغيرة على حياة تستحقّ أن تستمرّ، وعلى كرامة لا ينبغي أن تتوقّف عند حدود الجسد، كما تقول "قصير".

في النهاية، لا تخرج «بغض النظر» من الخشبة لتقول إنّ الحرب لم تكسر شيئًا، فقد كسرت وغيّرت وخلّفت آثارًا لا يمكن التراجع عنها؛ إنّما تخرج لتقول إنّ الإنسان لا يُختصر فيما كُسر فيه. بين مرآة سارة، وأغنية محمّد لابنته، ومفارقات أحمد، وبين الشرشف الأبيض الذي يخرج من تحته الممثلون الجرحى المشاركون، تتشكّل شهادة مسرحيّة على قدرة الحياة على إيجاد لغة جديدة بعد الفقد. ليست البطولة هنا في إنكار الألم، ولا في إخفاء الندوب، هي في امتلاك الشجاعة للوقوف أمام الآخرين والقول: "هذه حكايتي، وهذا ما حدث لي، لكنّ ما حدث ليس كلّ ما أنا عليه".

لعلّ أبلغ ما تتركه المسرحيّة فينا أنّ النجاة لا تعني العودة إلى ما كنّا عليه قبل الحرب، إنما تعني أن نجد، رغم كلّ ما تغيّر، طريقةً لنواصل الوجود ونستعيد أصواتنا. حين يخرج الإنسان من تحت الركام ليحكي حكايته بنفسه، لا يكون قد استعاد مكانه على الخشبة فحسب، يكون قد انتزع من الحرب حقّها المزعوم في أن تكتب عنه الكلمة الأخيرة..

يبقى أن نقول إن البيئة الثقافية والاجتماعية، والتي خرجت منها هذه المسرحية، قد استطاعت أن تتألق خارج محطيها الاجتماعي الضيق إلى أفق لبنان الأرحب بشرائحه وانتماءاتها، في عرضها على "مسرح المدنية" في العاصمة بيروت، حيث تلتقي مع كل لبناني وعربي يفكر بأخيه الإنسان إنسانًا له كيان ولديه المشاعر ذاتها.. مهما اختلف معه في الرؤية والعقيدة والتوجه..تقول قصير:"اخترت "مسرح المدينة"، لنقول إننا في قلب لبنان وروحه النابضة بأمل حياة أفضل..". على أن المخرجة ومعدة العمل تعد أن المسرحية ستتوالى عروضها في مناطق أخرى خارج بيروت.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد