نتنياهو وترامب.. عندما تتعارض حسابات الحليفين..!

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في مارس/أذار 2018، وأمام مؤتمر «أيباك» في واشنطن، توقف بنيامين نتنياهو عند غرينلاند، متسائلًا عمّ يمكن لــ"إسرائيل" أن تفعله هناك؟ ومتحدثًا عن احتياجات محتملة تتعلق بالأقمار الصناعية تستطيع بلاده تلبيتها. كان الرجل يتحدث عن توسيع الحضور الإسرائيلي في العالم، وعن تحويل القدرات التكنولوجية والأمنية إلى أدوات نفوذ تتجاوز حدود فلسطين المحتلة والمنطقة المحيطة بها. يومها لم يكن أحد يتعامل مع غرينلاند بصفتها عنوانًا لمواجهة سياسية كبرى، لكن إصرار دونالد ترامب لاحقًا على وضع الجزيرة تحت السيطرة الأمريكية يعيد طرح سؤال يتجاوز الجزيرة نفسها: ماذا يحدث عندما يريد حليفان توسيع نفوذهما، في حين يحتفظ كل منهما بحساباته الخاصة ومشروعه المستقل؟

لا دليل على أن نتنياهو كان يخطط للاستحواذ على غرينلاند، ولا ما يثبت أن ترامب تحرك بناءً على تصور إسرائيلي سابق. لكن تصريح نتنياهو يكشف عقلية سياسية ترى أن النفوذ لا يتوقف عند الحدود، وأن التكنولوجيا والأمن والعلاقات الدولية تفتح أمام "إسرائيل" مساحات للحضور والتأثير في مناطق بعيدة عن محيطها الجغرافي. أما ترامب، فيتعامل مع الجزيرة من منطلق مختلف، مفاده أن المواقع التي تمس الأمن القومي الأمريكي يجب أن تكون خاضعة لضمانات أمريكية مباشرة، حتى لو اقتضى ذلك الضغط على حليف داخل حلف شمال الأطلسي.

غرينلاند مهمة لواشنطن؛ بسبب موقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ودورها في مراقبة الفضاء والإنذار المبكر بالصواريخ، فضلًا عن الموارد المعدنية والتنافس المتصاعد في القطب الشمالي. الولايات المتحدة تمتلك بالفعل وجودًا عسكريًا فيها، لكن ترامب يريد ما يتجاوز الوجود العسكري والاتفاقيات القائمة مع الدنمارك. إنه يريد ضمانًا بأن تظل الجزيرة ضمن المجال الذي تستطيع واشنطن التحكم في مستقبله الاستراتيجي.

ذلك الفارق بين النفوذ والسيطرة يفتح نافذة على طبيعة العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية. فــــ"تل أبيب" تريد توسيع قدرتها على التأثير في القرارات الدولية، وتستفيد من علاقاتها الأمنية والتكنولوجية ومن التحالف مع القوة الأمريكية الأكبر. لكنها لا تريد أن يتحول اعتمادها على واشنطن إلى قيد يحد من طموحاتها أو يجعل قرارها السياسي رهينة لحسابات البيت الأبيض.وفي المقابل، يريد ترامب حليفًا قويًا يستطيع خدمة المصالح الأمريكية، لكنه لا يقبل بالضرورة أن تتحول أولويات هذا الحليف إلى التزامات أمريكية مفتوحة.

إزاء ذلك، تكمن المسألة التي يغطيها خطاب التحالف المتين. إذ إن العلاقة بين الطرفين ليست شراكة متكافئة في القوة، مهما بلغت درجة التقارب السياسي والأمني. الولايات المتحدة توفر لـــ"إسرائيل" قدرات عسكرية وغطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا لا تستطيع الاستغناء عنهما بسهولة، في حين تمتلك "إسرائيل" أدوات تأثير وخبرات أمنية وتكنولوجية تجعلها شريكًا مهمًا في حسابات واشنطن. غير أن القدرة على التأثير في القرار الأمريكي لا تعني امتلاكه، كما أن اعتماد الولايات المتحدة على "إسرائيل"، في بعض الملفات، لا يجعل مصالح الطرفين متطابقة.

ترامب يريد أن يبقى صاحب القرار النهائي في تحديد ما يخدم الولايات المتحدة، وهذه نقطة قد تتحول إلى مصدر خلاف عندما تتعارض حساباته وأهداف نتنياهو. بينما ترى الحكومة الإسرائيلية في تصعيد عسكري فرصة لتغيير موازين القوة الإقليمية، يحسب البيت الأبيض الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وما إذا كانت النتائج المتوقعة تستحق المخاطرة. قد يتفق الطرفان على الخصم أو العدو، لكنهما يختلفان بشأن الحرب المطلوبة وسقفها، وتوقيت وقفها، والنتائج التي ينبغي فرضها بعدها.

إيران مثال واضح على أهمية هذا التمييز. التقاء واشنطن و"تل أبيب" في مواجهة النفوذ الإيراني لا يضمن اتفاقهما على حدود المواجهة أو نهايتها. نتنياهو يريد ترتيبات إقليمية تضمن تفوق "إسرائيل"، وتحد من قدرة خصومها على تهديدها، في حين يواجه ترامب حسابات أمريكية أوسع، تشمل كلفة الانخراط العسكري وأمن القوات الأمريكية وأسعار الطاقة والعلاقات مع القوى الدولية. قد تتقاطع الأهداف في مرحلة ما، ثم تظهر الفجوة عندما يصبح المطلوب تحديد من يتحمّل تبعات التصعيد، ومن يملك قرار إنهائه.

لعلّ جوهر المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو أن الولايات المتحدة، مهما بلغت درجة انحيازها إلى "إسرائيل"، تظل دولة تتحرك وفقًا لمصالحها الخاصة. تستطيع الحكومة الإسرائيلية التأثير في خيارات واشنطن، لكنها لا تستطيع ضمان أن يظل هذا التأثير حاسمًا في الظروف كلها. إن ترامب قد يمنح "إسرائيل" دعمًا واسعًا عندما يرى أن ذلك يخدم مشروعه، وقد يضغط عليها عندما يعتقد أن استمرار مسار معين يضر بحساباته أو يعرقل صفقة يريد تحقيقها.

غرينلاند لا تثبت وجود اشتباك بين الرجلين، لكنها تكشف اختلافًا في طريقة توظيف القوة. "إسرائيل" توسع حضورها عبر العلاقات والقدرات التكنولوجية والأمنية، فيما يسعى ترامب إلى تحويل التفوق الأمريكي إلى سيطرة مباشرة على المواقع التي يراها حيوية. قد تتكامل الأدوات الإسرائيلية مع المشروع الأمريكي، لكن القرار بشأن غرينلاند سيبقى مرتبطًا بحسابات واشنطن والدنمارك وسكان الجزيرة، وليس بمجرد اهتمام نتنياهو السابق بها.

المفارقة أن التحالف الذي يمنح "إسرائيل" قوة إضافية يضعها أيضًا أمام حدود لا تستطيع تجاوزها بسهولة. هي تحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنها تريد في الوقت نفسه مساحة واسعة للمناورة والتأثير في القرار الأمريكي. أما ترامب؛ فيحتاج إلى "إسرائيل" في ملفات إقليمية، لكنه لا يريد أن يتحمّل تلقائيًا كلفة كل ما تراه حكومتها ضرورة لأمنها أو لطموحاتها.

قد لا يظهر هذا التناقض في صورة مواجهة علنية، وقد يستمر الطرفان في تبادل الدعم وتأكيد متانة العلاقة. لكن لحظة الاختبار تأتي عندما تتباعد حسابات المصالح، ويصبح على أحدهما أن يتراجع أو يتحمّل الكلفة. عندها تتراجع الشعارات إلى الخلف، ويظهر السؤال الذي لا تستطيع لغة التحالف حسمه: هل تستطيع "إسرائيل" توجيه القوة الأمريكية إلى حيث تريد، أم أن ترامب سيستخدم التحالف ما دام يخدم مشروعه، ثم يفرض حساباته عندما تختلف الأولويات؟

تصريح نتنياهو عن غرينلاند لا يقدم إجابة عن هذا السؤال، لكنه يضعنا أمام مفارقة تستحق المتابعة. الحليف الذي يملك قدرة كبيرة على التأثير في القوة الأمريكية ليس هو من يملكها، والاعتماد المتبادل لا يلغي التنافس على القرار. إذ بين طموح "إسرائيل" إلى توسيع نفوذها وإصرار ترامب على احتكار القرار الاستراتيجي الأمريكي، تظل مساحة الخلاف قائمة، حتى عندما يبدو التحالف في أقوى حالاته.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد