المودعون يحوّلون أموالهم على سعر 15 ألف ليرة فقط! الشطب المقنّع: أكبر عملية احتيال بقيادة الحاكم

post-img

محمد وهبة (صحيفة الأخبار)

مع تزخيم النقاشات المرتبطة بمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، شعر المودعون بأن خياراتهم لم تعد تتضمن أي احتمالات واسعة للحصول على ودائعهم. فمبلغ الـ 100 ألف دولار الذي اتُّفق عليه بين كل الأطراف المنخرطة في إعداد هذا المشروع، سيكون مُقسّطاً على فترات تصل إلى 6 سنوات، أمّا الباقي، فسيحصلون عليه على شكل سندات تستحق بعد 20 عاماً وأكثر، ما يعني أن قيمتها ستكون أقرب إلى الصفر في السنوات الأولى. وهذا ما دفع عدداً كبيراً من المودعين إلى تحويل مبالغ من ودائعهم على سعر الـ15 ألف ليرة للدولار لتحديد خسائرهم واحتوائها من الشطب المُقنّع الذي تمارسه السلطة وصندوق النقد الدولي. لم تعد الاحتمالات في صالح المودعين. الخشية من شطب مُقنّع صارت بالنسبة إليهم أمراً واقعاً.

يدفعهم ذلك نحو خيار الاحتواء والحدّ من الخسائر، من خلال تحويل ودائعهم أو القسم الذي يزيد على 100 ألف دولار، إلى ليرات على سعر صرف قيمته 15 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد. وبحسب مصادر مصرفية، فقد سُجّل طلب كبير لدى المصارف من زبائنها لإنجاز هذا التحويل. لم يصل الأمر إلى حد التهافت بعد، لكن هناك قناعة بأن ما سيحصل عليه المودعون سيكون محدوداً. فما تسرّب من أوراق عمل ونقاشات جرت في الاجتماعات الأخيرة بين المسؤولين اللبنانيين وصندوق النقد الدولي، وبين حاكم مصرف لبنان والمصارف، يشي بأن اتفاقاً ما أو تسوية ما تتضمن شطباً مُقنّعاً للودائع «صارت على النار».

الواضح مما تسرّب أن هذه «الطبخة» تسير على هوى الحاكم كريم سعيد، ولا سيما ما ذكره في ورقته الأخيرة التي عرضها على صندوق النقد الدولي، والتي تضمنت مجموعة من المسائل، من أبرزها الآتي:
- مصرف لبنان هو صاحب الصلاحية الوحيدة في تنفيذ مشروع قانون الانتظام المالي وقانون معالجة أوضاع المصارف، بما يعنيه ذلك من توزيع للخسائر وتقرير مصير المصارف التي ستُمنح فرصة إضافية للبقاء على قيد الحياة أو تلك التي سيتم شطبها.

- أيضاً، تضمنت النقاشات ضمان تسديد أول 100 ألف دولار للمودعين مع إشارات واضحة من اللقاءات تفيد بأن أول 60 ألف دولار ستُدفع خلال أربع سنوات والباقي سيُدفع خلال السنتين التاليتين. وهذه الدفعات سيتم تضمينها ما سُدّد من خلال التعميميْن 158 و166. هذا الأمر سيطفئ أو يغلق عدداً كبيراً من الحسابات، لكنه يعني أيضاً أن الحسابات التي فيها أكثر من 100 ألف دولار ستخضع لطرق معالجة مختلفة، من خلال تحويل المبالغ الباقية في الوديعة بسعر بخس إلى أسهم في المصارف تستحق على المدى الطويل الذي يصل إلى 30 سنة. ولن تصل هذه الأسهم إلى قيمة سوقية مهمة قبل بضع سنوات على بدء المعالجة، ما يعني أن الخسارة ليست في قيمة المبالغ، بل أيضاً في تآكل هذه المبالغ عبر الوقت.

وبيع الأسهم لن يكون أمراً سهلاً إلا إذا أثبت المصرف الذي مُنح فرصة للبقاء، أنه قادر على البقاء والمنافسة وتحقيق الأرباح، وعندها سيتم تسعير السهم من خلال قدرته على جني الأرباح وهوامش الربح والاستمرار من خلال سيولته وملاءته المالية، أي أن تصبح إدارة عملياته متناسبة مع المخاطر المستقبلية. وهذا تحدٍّ صعب جداً، لأنه سيترتب على المصارف، وحتى لو لم يتم تصحيح القوانين الناظمة لها، أن تنافس بعضها بعدما كانت تربح من توظيف الأموال لدى مصرف لبنان وفي سندات الخزينة اللبنانية. كما أن المشكلة الأساسية، تكمن في أن المبالغ التي ستُحوّل إلى أسهم في المصارف، لن تحمل حقّ التصويت في الجمعيات العمومية، أي إنها أسهم عارية من الحقوق، باستثناء حقّ الاستفادة من توزيع الأرباح، وهذا التوزيع إذا حصل فإنه يتطلّب سنوات لن تقلّ عن خمس.
- من ضمن حدود المعالجة التي يقترحها مصرف لبنان تحويل بعض من الودائع بالدولار إلى ليرات لبنانية على سعر صرف يبلغ 15 ألف ليرة للدولار الواحد. أي إن كل هذه المعالجات تكبّد المودعين خسائر كبيرة، سواء في الوقت المنتظر للحصول على أموالهم، أو في قيمة الأموال نفسها.

لذا، يبدو أن المودعين، أو بعضهم على الأقل توصّلوا إلى قناعة بأن الخسارة واقعة حتماً، وأن الحدّ منها يكون من خلال تسييل الودائع الآن. وسواء أكان الهدف هو الحصول على السيولة ربطاً بحاجة ما، أم لأن السيولة التي يحصل عليها المودع الآن، قيمتها أكبر مع الفوائد السوقية المرتفعة من قيمة المبالغ التي سيحصل عليها في المستقبل. فضلاً عن أن عملية التحويل مضمونة مقابل لا ضمانات فعلية لقيمة الأسهم المصرفية في مستقبل يصل إلى 30 سنة. بمعنى آخر، إن كل هذا المسار الذي تدور حوله اتفاقات وتسويات بين صندوق النقد الدولي ووزارة المال وحاكمية مصرف لبنان، يؤدي إلى شطب مُقنّع للودائع. وهو مسار يضاف إلى ما يقترحه مصرف لبنان من شطب مباشر للودائع التي ليس في إمكان أصحابها إثبات شرعية مصدر الأموال، كما أن هناك شطباً للفوائد الإضافية، وربما تكون هناك عمليات أخرى تتضمن شطباً إضافياً مُقنّعاً.

في هذا الإطار، انطلقت عملية التحويل لدى المصارف بشكل مبكر. لكن حدود السياسات النقدية المتبعة من مصرف لبنان لا تسهّل الأمر. فالمصارف تطلب منه تحويل الدولارات إلى ليرات على سعر الصرف، وهو قرّر أن يحدّد لكل مصرف «كوتا». أما مجموع الكوتا للمصارف، فهو مبنيّ على حسابات مرتبطة بالكتلة النقدية. لذا، فإن «الكوتا» متدنّية جداً. وبحسب المعلومات، عمد مصرف لبنان إلى تحديد إجراءات تقييد لعمليات التحويل تتضمّن تأجيلاً كاملاً لشهر مثلاً، أو الموافقة على جزء من العمليات وتأجيل الباقي.

كل هذه العوامل أدّت إلى زيادة حصّة الوديعة بالدولار المصرفي مقابل الفريش. كانت النسبة قد تدنّت في الأسابيع الماضية إلى ما دون 13%، لكنها عادت وارتفعت اليوم إلى أكثر من 16%. بالنسبة إلى المودعين، إن الحصول على 16% من القيمة الاسمية أو من المبلغ المودع في المصرف، هو أعلى من القيمة التي سيحصلون عليها في المستقبل. طبعاً، يدرك المودعون أن الحصول على الـ 100 ألف دولار، بالإضافة إلى تسييل ما تبقّى هو أفضل الممكن. لم يعد أحد يفكر بأي خطوة مختلفة عن هذا المسار أو تفرض خيارات إضافية على الطاولة في ظل قناعة بأن الحاكم وصندوق النقد وسائر قوى السلطة اتفقوا على تنفيذ الشطب المقنّع.

صحيح أن صندوق النقد الدولي لا يمانع بيع قسم من الذهب لتسديد قسم من الودائع، لكنّ المشكلة التي يواجهها مصرف لبنان الآن هي التقلّبات في سعر الذهب التي لا تجعل خياراً كهذا مُفضّلاً. والجميع بات على علم بأن خطّة الحاكم كريم سعيد تتضمن الحصول من الدولة على مبلغ 600 مليون دولار سنوياً، وأنه لا يملك أكثر من 5.5 مليارات دولار من التوظيفات الإلزامية بالدولار التي تُصنّف «شعبوياً» بأنها عائدة للمودعين.
هكذا أصبحت خيارات المودعين تدور بين هوامش ضيّقة جداً تتعلق بحجم الخسارة التي يوافق كل مودع على تحمّلها. بعضهم ما يزال يأمل بأن قوى السلطة ستمنحه المزيد، لكنّ هذه القوى نفسها تعمل في الاتجاه المعاكس.

ماذا دار بين الحاكم والمصارف في باريس؟

عقدت جمعية المصارف اجتماعاً أول من أمس، لإطلاع أعضائها على المناقشات التي عقدت في باريس بدعوة من الحاكم كريم سعيد وبحضور عدد من أعضاء مجلس إدارة الجمعية ولجنة الرقابة على المصارف والشركة المالية الاستشارية لمصرف لبنان «دروتشيلد». ما عُرض في الاجتماع هو موقف مصرف لبنان من مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، ومضمون المناقشات مع المصارف في سياق «التواصل المستمر مع صندوق النقد الدولي»، والتي أظهرت أن «إحراز تقدّم نحو التوصّل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، مشروط بالتوافق على العناصر الأساسية لإطار إصلاح القطاع المالي، بما في ذلك اعتماد قانون الفجوة المالية مستقبلاً».

أوضح مصرف لبنان أن المناقشات مع خبراء الصندوق لا تزال مستمرّة، مشيراً إلى إحراز تقدّم في تبادل وجهات النظر مع خبراء الصندوق باتجاه التوصّل إلى فهم مشترك لكيفية تطبيق تراتبية المطالبات (Hierarchy of Claims)، التي تُعدّ مبدأً محورياً في الإطار المقترح. وهناك ثلاثة مبادئ اتفق عليها، وهي: الاعتراف بخسائر القطاع المالي واستيعابها عبر تطبيق تراتبية المطالبات، بالتوازي مع إلزام المصارف بإعادة تكوين رساميلها عند مستويات تُحدَّد استناداً إلى نسب الملاءة الاحترازية المناسبة، والاعتراف بمطالبات مصرف لبنان ومستحقّاته على الدولة اللبنانية مع إبداء مرونة بشأن شكلها وهيكليتها، ووضع إطار موثوق للسيولة لدعم تسديد الودائع كي يتناسب مع الموارد المالية المتاحة.

وكان الحاكم أبلغ أعضاء الجمعية في اجتماع باريس، أن المبادئ الأساسية التي تحكم تراتبية المطالبات هي على النحو الآتي:

- أولاً: حقوق الملكية العائدة إلى المساهمين الحاليين.

- ثانياً: أدوات رأس المال الأخرى والديون الثانوية، أي الديون المتأخّرة في مرتبتها عن غيرها من الديون.

- ثالثاً: الالتزامات تجاه الجهات غير المصنّفة ضمن العملاء.

- رابعاً: الودائع غير المنتظمة (Irregular Deposits)، التي تأتي في مرتبة أدنى من سائر الودائع.

- خامساً: الودائع المنتظمة المؤهّلة التي تتجاوز الشريحة المحميّة، وذلك فقط إذا بقي عجز بعد تطبيق المراحل السابقة، عبر آلية تحميل الدائنين جزءاً من الخسائر (Bail-in).

أي أنه ميّز بين «الودائع غير المنتظمة» التي تأتي في مرتبة أدنى من «الودائع المنتظمة»، على أن يكون الحدّ الأدنى للحماية للوديعة ضمن سقف 100 ألف دولار لكل مودع «تُسدَّد نقداً خلال مدة تتراوح بين أربع وستّ سنوات»، وعلى أن يتضمّن الاقتراح ضمانات تحول دون وضع أيّ دائن في موقع أسوأ نتيجة تطبيق إجراءات معالجة الخسائر.

وتتكون الودائع غير المنتظمة من الودائع التي نتجت من الفوائد المتراكمة بفعل «عوائد مرتفعة بصورة استثنائية دُفعت بهدف استقطاب تدفّقات بالعملات الأجنبية»، ومن الدولرة الاصطناعية، أي الودائع التي «حوّلت أرصدتها من الليرة اللبنانية إلى دولارات اسمية وفق سعر الصرف الثابت، من دون أن تكون هذه التحويلات مدعومة بأرصدة فعلية بالعملات الأجنبية».

وتبلّغ المصارف بأن الحاكم وعدهم بأن يولي مصرف لبنان اهتماماً خاصاً بضخّ رؤوس الأموال الجديدة الذي نفّذته المصارف بموجب التعميم رقم 567 خلال عامَي 2020 و2021، إذ تمثّل المساهمات المعنية نحو 20% من حقوق الملكية العادية من الشريحة الأولى، وأنه سيدرس إمكان فصل هذه المساهمات عن سائر العناصر وحمايتها. كذلك، سيدرس مصرف لبنان مع صندوق النقد الدولي إمكان معاملة هذه المساهمات، جزئياً على الأقل، بوصفها رأس مال رقابياً إضافياً، ضمن فئة رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى (AT1)، أو رأس المال من الشريحة الثانية (Tier 2). باختصار، سيتم الحفاظ على هذه الرساميل ومنع المساس بها في عملية توزيع الخسائر.

أما تصنيف المصارف إذا كان قابلاً للاستمرار أم لا، فهو أمر متروك للجنة الرقابة على المصارف عبر درس نسب كفاية رأس المال المعتمدة وفق معايير بنك التسويات الدولية، وخطّة إعادة الرسملة المناسبة بما يشمل حجم رأس المال المطلوب والعدد اللازم من السنوات لاستكمال إعادة الرسملة، والتقييم الرقابي الخاص بكلّ مصرف على حدة.
وقدّم مصرف لبنان محاكاة أولية توضيحية للتسلسل المتدرّج لاستيعاب الخسائر، مع أن المصارف طلبت المزيد من الإيضاحات بشأنها، فهل ستشطب الودائع غير المنتظمة قبل البدء باستيعاب الخسائر أم سيكون امتصاص الخسائر لغاية نهاية الرساميل أولاً.

تبيّن بعد النقاش أن هناك ضرورة لتوضيح مجموعة من المسائل أبرزها: تصميم آليات محتملة لتحميل الدائنين الخسائر (Bail-in) وتحويل الالتزامات، وتنفيذ هذه الآليات ضمن الإطار القانوني المعمول به، وتحديد خصائص الأوراق المالية المحتملة المدعومة بالأصول وهيكليتها المالية، وتحديد التاريخ المرجعي الفاصل وانعكاساته على كيفية التعامل مع المطالبات والودائع، وتحديد كيفية معالجة الأرصدة المتبقّية التي تحتفظ بها المصارف التجارية لدى مصرف لبنان، بعد الاعتراف بالخسائر واستيعابها. كما يتطلب الأمر توضيح توزيع المسؤوليات بين مصرف لبنان والمصارف التجارية في تنفيذ ترتيبات تسديد الودائع.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد