غسان حجازي (صحيفة الأخبار)
منذ انهيار 2019، تراجعت القيمة الفعلية للأجور في لبنان، فيما استبدلت السلطة تصحيح الرواتب بالمساعدات والحوافز، وسط تراجع الحماية الاجتماعية وإضعاف الحركة النقابية.
الأجور ونظام العمل المأجور عموماً: نظرة تاريخية
كان مقدّراً أن تكون أزمة الأجور في القطاعين العام والخاص أقل حدة لو كانت معالجة الفجوة المالية قد بدأت فعلاً قبل انفجار الاقتصادية. ولنعترف أن نظرة دونية قد غلبت تاريخياً على نمط تعاطي الأوليغارشية والسلطة العميقة والمؤسسات العامة ذات الصلة مع مسألة الأجور ونظام العمل بأجر عموماً: فلا وجود لضمانات فعلية كافية لجهة شروط العمل والحماية الاجتماعية والتقاعد، ولا مسارات وظيفية مستقبلية مرسومة بشكل واضح وشفّاف للعاملين، ولا تصريحاً كاملاً عن الأجر لصندوق الضمان في حال كان العمل نظامياً، هذا إلى جانب إمعان السلطة في تجاهل تعاظم ظاهرة العمل غير النظامي (الذي تقدّر نسبته بنحو60% من مجموع الأجراء في لبنان)، والتأجيل المتمادي لقيام فرع لضمان البطالة، والتقصير كذلك في تسديد متوجبات الدولة للضمان.
أما التحالف الحاكم الذي تعاقب على ضرب استقلالية الحركة النقابية، والتي شهدت ارتفاع عدد الاتحادات النقابية بما يزيد عن 4 أضعاف تحت ضغط القوى الوافدة إلى الحكم، مما حوّل هذه الحركة النقابية الى جهاز في يد الحكم، وأفرغ الوظيفة العامة من مضمونها التاريخي المتصل بمفهوم الدولة الحديثة. فتحالف البورجوازية والزعامات الطائفية أضفى على الدولة اللبنانية صورة متخلّفة وزبائنية، إلى جانب تغاضيه المطلق عن الفساد الممأسس، وانهيار انتاجية العمل وتعاظم الشغور في ملاك الدولة الإداري مقابل تعميم التعاقد الوظيفي على أوسع نطاق.
تداعيات الانهيار النقدي والمصرفي على الأجور والتقديمات
ما شهدناه بعد انهيار عام 2019 في موضوع الرواتب والأجور، والتي انخفضت إلى نحو 15% من قوتها الشرائية بعد انهيار قيمة الليرة بنحو 98٪، كان أقرب إلى الارتجال والترقيع وإحلال التسوًل كبديل للممارسة المؤسسية المسؤولة والمستدامة. ففي القطاع العام بالذات، حلّت المساعدات الاجتماعية والحوافز ونفخ بدلات النقل واستنباط سردية «مضاعفة الراتب» (بمبالغ لا تدخل في صلب الراتب) كبديل للمعالجة النظامية لفجوة الرواتب، مع العلم أنّ فروقات استنسابية حصلت في تطبيق هذه المسكّنات بحسب الإدارات والأسلاك العامة المختلفة، مثلاً القضاة، أساتذة الجامعة اللبنانية، حصلوا على مساعدات بقيمة أكبر مقارنة بغيرهم من موظفين. وفي فترة معيّنة، أصبحت الحوافز وبدلات النقل تشكّل أكثر من 85% من اجمالي تعويضات العمل في القطاع العام.
وفي هذا السياق، تعاقبت موازنات عدّة منذ عام 2020 – ناهيك عن أطنان من الوعود المتكررة – من دون أن يلحظ فيها أيّ أثر لتصحيح نظامي للرواتب والأجور أو لمعاشات التقاعد. أما في القطاع الخاص، فلم تجر أيّ معالجة تأطيرية منظّمة من قبل الدولة لمواجهة تداعيات الانهيار المالي على الأجور والتقديمات وتعويضات نهاية الخدمة، باستثناء مراسيم تعديل الحدّ الأدنى للأجور، والتي صدرت 3 مرّات (بشكل نظامي وقبلها عدّة مرّات من دون صدورها بمراسيم عن مجلس الوزراء)، ويضاف إليها إدخال تصحيحات محدودة في تعريفات الخدمات الاستشفائية التي يتولى تغطيتها فرع المرض والأمومة التابع لصندوق الضمان.
في المحصّلة، وعلى الرغم من عدم توفّر قواعد إحصائية حديثة وموثوقة، يمكن القول إن كل ما قدّم من مساعدات وحوافز للأجر في القطاع العام (حتى تاريخه) لم يحل دون بقاء القوة الشرائية للأجر الرسمي وسطياً أدنى من ثلث ما كانت عليه قبل عام 2019:
سياسات هندسة مالية خاطئة
النموذج الريعي في لبنان
العجز المتراكم
حيث اعتمد المصرف المركزي في لبنان سياسات فائدة مرتفعة لجذب الدولارات في ظل غياب القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة لصالح الاستهلاك والخدمات، وقامت الدولة بتمويل عجزها والميزان التجاري عبر الاستدانة المفرطة مما تسبب في خسارة المودعين أموالهم، ما أدّى لارتفاع معدلات الفقر إلى نسب غير معتادة، لتطال اكثر من 90% من اللبنانيين.
ومما لا شك فيه أنّ أصحاب العمل يعلمون قبل غيرهم أنّ الحدّ الأدنى للأجر اليوم في القطاع الخاص، والذي يساوي 28 مليون ليرة شهرياً، أي ما يعدل نحو 312 دولاراً، بحسب سعر السوق، بالكاد يكفيه لتأمين وسائل العيش اللائق والاستمرار في عملية الإنتاج، علماً أنّ هذه العملية مرتبطة بالقدرة الشرائية، أي أنّ صاحب العمل خفض الاجر تحت عنوان الازمة الاقتصادية، بمعنى آخر خفض من قيمة كلفة اليد العاملة وأن الفائض من هذا الانخفاض يضاف إلى أرباح أصحاب العمل.
ثانياً إنّ تحديد الاجور كان يتم دورياً عبر لجنة المؤشر الثلاثية الأطراف، على الرغم من تغيب الحركة النقابية المستقلة للمشاركة في اللجنة، الا أنّ الموجدين اليوم يعترفون أنّ المراوحة وعدم الاتفاق هو سيد الاجتماعات وخلق هوة كبيرة ما بين التراكم وما بين الواقع اليوم.
الموقف
يبقى الرد أنّ الحركة النقابية مجتمعة عليها أن ترفع سقف المطالبة من أجل تحسين ظروف الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود في القطاعين العام والخاص، وتصحيح الأجور هو جزء من سائر الحقوق والمطالب الأخرى، وأبرزها :
إعادة إحياء السلم المتحرك للأجور شهرياً
مراقبة الاسعار وتعزيز دور مفتشي وزارة الاقتصاد
حمايه الضمان من خلال دفع كل المستحقات له ورفده بالكادرات البشرية
بدل نقل حقيقي مواكب للواقع
قانون إيجارات عادل