سوق أرضي .. من قلب الضاحية تُروى حكاية الصمود والتمسّك بالأرض

post-img

مصطفى عواضة/كاتب وصحفي لبناني

بينما تتصاعد التهديدات وتُقرع طبول الحرب، يقدّم معرض "سوق أرضي" في مجمع سيد الشهداء – الرويس مشهدًا يتجاوز حدود العرض التجاري للمنتجات البلدية والحرفية، ليجسّد ثقافة المقاومة الاجتماعية والاقتصادية، ويؤكد أن الحياة في الضاحية الجنوبية وسائر المناطق اللبنانية لا تتوقف أمام التهويل والعدوان.

من بين الركام، وفي المكان الذي حاول الاحتلال محو معالمه، يعود الناس إلى ممارسة حياتهم وإنتاجهم، حاملين رسالة واضحة: باقون في أرضنا، متمسكون بجذورنا، وقادرون على النهوض مهما اشتدّت التحديات.

في مشهد يناقض الكثير من الروايات الإعلامية التي تحاول تصوير الضاحية الجنوبية على أنها منطقة آخذة بالإفراغ نتيجة حركة نزوح متواصلة وخوف من احتمالات التصعيد، يفتح مجمع سيد الشهداء في الرويس أبوابه مجددًا أمام آلاف الزوار والمشاركين، محتضنًا معرض سوق أرضي تحت عنوان "باقي بأرضي".

هنا، لا تبدو الحركة مجرد إقبال على سوق لشراء المنتجات البلدية والمونة البيتية، بل تعبيرًا عن إرادة مجتمع يرفض الاستسلام للتهديدات، ويتمسك بحقه في الحياة والإنتاج والوجود على أرضه.

في وقت تتصاعد فيه حملات التهويل بحرب جديدة، ويتعمّق الانقسام السياسي بين أبناء الوطن الواحد، يأتي المعرض ليقدّم صورة أخرى عن لبنان وأهله؛ صورة تتجاوز الاصطفافات والخلافات، وتجمع الجنوبي والبقاعي والشمالي حول ثوابت مشتركة، في مقدّمها التمسك بالأرض ورفض الاحتلال والاعتداءات، والإيمان بأن الصمود لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

من بين الركام.. عودة الحياة إلى مجمع سيد الشهداء

أحد أبرز وجوه هذا المشهد يتمثل في عودة مجمع سيد الشهداء إلى احتضان الفعاليات بعد أن دمّره العدوان بالكامل. فقد تمكنت جمعية جهاد البناء الإنمائية، وهي الجهة المنظمة لمعرض «سوق أرضي»، من إعادة بناء المجمع خلال مرحلة قياسية لم تتجاوز ثلاثة أسابيع، في إنجاز يحمل دلالات تتجاوز الجانب العمراني، ويختصر إرادة النهوض وإعادة الحياة إلى الأماكن التي استهدفها العدوان.

لم تكن إعادة افتتاح المجمع مجرد استعادة لمساحة مخصصة لإقامة النشاطات، لقد شكّلت بحد ذاتها رسالة بأن الدمار، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع إنهاء علاقة الناس بأماكنهم وذاكرتهم الجماعية. المكان الذي استُهدف أكثر من مرة، والذي تحوّل بفعل العدوان الأخير إلى ركام، عاد ليستقبل الناس ومنتجاتهم وحكاياتهم، في مشهد يعكس ثقافة الصمود وإصرار المجتمع على إعادة بناء ما تهدّم.

لقد أتاح إنجاز إعادة الإعمار مشاركة نحو 900 عارض وعارضة في المعرض، اختيروا بالقرعة من بين قرابة 4000 شخص تقدموا للمشاركة هذا العام، ما يعكس حجم الاهتمام بهذا الحدث واتساع قاعدته الشعبية والإنتاجية.

توزّع المشاركون على مختلف المناطق اللبنانية، من الجنوب والبقاع إلى الشمال والجبل، حاملين معهم نتاج أعمالهم المنزلية والحرفية ومونة قراهم وبلداتهم. تنوّعت المعروضات بين المنتجات الغذائية البلدية والمونة البيتية والمصنوعات اليدوية والمنسوجات والأعمال الحرفية، لتتحول أجنحة المعرض إلى مساحة تجمع خيرات الأرض وتعب الأيدي وخبرة العائلات اللبنانية.

خلال التجوال بين الأجنحة، تتقدم حكايات المشاركين على المعروضات نفسها. خلف كل عبوة من المونة أو قطعة منسوجة أو منتج بلدي، قصة عائلة وقرية وأرض، وقصة إصرار على مواصلة الإنتاج على الرغم من الاعتداءات والتهجير والخسائر الاقتصادية.

تبرز، بصورة خاصة، مشاركة أبناء القرى الأمامية في الجنوب الذين يحملون إلى المعرض ما استطاعوا إنتاجه وتحضيره في ظروف بالغة الصعوبة، وكأنهم يعلنون من خلال منتجاتهم أنهم عائدون إلى قراهم لإعادة إعمارها، وأن حجم الدمار الذي أصاب بلداتهم لن يبدّل ارتباطهم بها.

في المقابل، حضرت خيرات البقاع ومنتجاته، إلى جانب زيتون الكورة وسائر المنتجات الشمالية، في لوحة إنتاجية جامعة تؤكد أن الأرض اللبنانية، على اختلاف مناطقها وخصوصياتها، قادرة على جمع أبنائها حول ثقافة العمل والتكافل والإنتاج.

حضور السيد نصر الله.. ذاكرة المكان وروح المقاومة

لا يمكن فصل أجواء المعرض عن رمزية المكان الذي يحتضنه؛ فمجمع سيد الشهداء ليس مساحة عادية بالنسبة إلى رواده، بل يرتبط في وجدانهم بمحطات وذكريات ومناسبات كثيرة، ويحضر فيه طيف السيد الشهيد حسن نصر الله، ويتردد صداه في المكان الذي اعتاد الناس لقاءه فيه والاستماع إلى كلماته.

خلال الحديث مع المشاركين والزوار، تتكرر الإشارة إلى غياب السيد، مقرونة بالتأكيد على حضوره المعنوي في وجدان الناس. كثيرون عبّروا عن افتقادهم وجوده، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن ذلك لم يكن سببًا للتراجع أو الابتعاد عن المكان، بل زاد تمسكهم به وبما يمثله من ذاكرة جماعية ومسيرة من الانتصارات والتضحيات.

وتقول مريم، وهي القادمة من عرمون، إن معرض سوق أرضي يختصر صورة الوطن الذي تريده، بكل مكوناته وأهله وناسه المتمسكين بأرضهم والرافضين للاحتلال، والقادرين على الصمود ومواجهة التحديات. توضح أنها قصدت المعرض زائرة بهدف دعم المشاركين وشراء منتجاتهم، لا سيما المونة البيتية المحضّرة من خيرات الأرض الجنوبية والبقاعية والشمالية.

تلفت إلى رمزية المكان الذي أُعيد بناؤه خلال وقت قياسي، فبرأيها أن روح السيد حاضرة فيه، وأن صدى صوته لا يزال يبعث الطمأنينة في نفوس زواره. وتقول إن تصاعد التهديدات لا يمكن أن يدفع أصحاب الأرض إلى الخوف أو التخلي عن حقهم في البقاء، مشددة على أن الدماء التي روت هذه الأرض تفرض مسؤولية مواصلة المسيرة وعدم التراجع.

تضيف أن المقاومة لا تقتصر على الميدان العسكري، هي تتجاوز ذلك لتشمل المعرفة والعلم والوعي والإنتاج، من هنا تكتسب المشاركة في سوق أرضي أهميتها، كونها شكلًا من أشكال دعم المجتمع وتعزيز قدرته على الصمود، من خلال مساندة أصحاب المشاريع الصغيرة والعائلات التي تبذل جهدًا كبيرًا في إعداد منتجاتها وإيصالها إلى الناس.

من البقاع إلى طرابلس.. الصمود موقف يتجاوز الجغرافيا

من البقاع، حضرت هديل إلى المعرض، وبرأيها أن إقامة هذا الحدث في الظروف الراهنة ضرورة اجتماعية ووطنية، لما يحمله من تأكيد على ثقافة المقاومة في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية على حد سواء.

تؤكد أنها لم تتردد في زيارة مجمع سيد الشهداء، بل إن إقامة «سوق أرضي» في هذا المكان تحديدًا، كما اعتاد الناس منذ سنوات، شكّلت بالنسبة إليها حافزًا إضافيًا للحضور، بوصفها تعبيرًا عمليًا عن التمسك بالحق في الوجود والمواجهة والدفاع عن الأرض بكل الوسائل الممكنة.

ترى هديل أن كل فرد يستطيع أن يكون مقاومًا من موقعه، سواء من خلال عمله وإنتاجه أو تمسكه بأرضه ومساندته لأبناء المناطق التي تعرضت للعدوان، فهذا النوع من المبادرات يعزز الترابط بين اللبنانيين ويمنح العائلات المنتجة مساحة للاستمرار في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بحسب رأيها.

أما بتول القادمة من طرابلس، فتشير إلى أن التوتر السياسي والأمني والأزمة الاقتصادية والتهديدات المتصاعدة لم تمنع إقامة المعرض، كما لم تحول دون مشاركة الناس وإقبالهم عليه. وتقول إن ما يجري في «سوق أرضي» يتجاوز فكرة إقامة معرض للمونة والحرفيات، فهو أقرب إلى مهرجان يعكس عزيمة أبناء الجنوب والبقاع والشمال والجبل، والذين يقدّمون منتجاتهم المصنوعة بإتقان، على الرغم من كل ما مروا به من أزمات وتحديات.

تضيف أن مجرد رؤية أبناء القرى الحدودية يشاركون في هذا الحدث، ويعرضون نتاج أعمالهم تكفي للتأكيد أن هذا الشعب لا ينكسر مهما اشتدت الظروف، وأن مواصلة الإنتاج والتمسك بالحياة يشكلان بحد ذاتهما فعلًا مقاومًا.

تلفت بتول إلى أن المعرض أعاد الأمل إلى كثيرين، وأن مشاركة الزوار والعارضين من المناطق اللبنانية المختلفة، تؤكد أن أبناء هذا الوطن لا يختلفون على القضايا المبدئية، وفي مقدّمها التمسك بالأرض ورفض الاحتلال. كما ترى أن اختيار مجمع سيد الشهداء مكانًا لإقامة المعرض يحمل دلالة خاصة، نظرًا إلى ما يمثله من رمزية، لا سيما أنه تعرّض للاستهداف والتدمير الكامل خلال العدوان الأخير، قبل أن تعيد الجهة المنظمة بناءه خلال ثلاثة أسابيع فقط.

أبناء الجنوب.. منتجات تحمل حكاية الأرض

من مدينة صور، حضرت أسيل برفقة مجموعة من رفاقها الكشفيين، في زيارة جمعت بين التوجه إلى ضريح السيد الشهيد حسن نصر الله وزيارة معرض «سوق أرضي» في مجمع سيد الشهداء. تعبّر أسيل عن فخرها بزيارة المكان الذي لا يزال صدى صوت السيد حاضرًا فيه، مؤكدة أنها شعرت بفرح كبير عند مشاهدتها المنتجات التي أعدّها أبناء الجنوب بأيديهم، على الرغم مما تعرضوا له من تهجير ونزوح ودمار.

تقول إن ما لفت انتباهها هو إصرار الجنوبيين على مواصلة الحياة بكرامة وعزة، وعدم السماح للعدوان بأن ينتزع منهم إرادة العمل والإنتاج. كما ترى أن مشاركة أبناء البقاع والشمال والجبل إلى جانب أبناء الجنوب تحمل رسالة واضحة بأن اللبنانيين شعب واحد، تجمعه الثوابت الوطنية والدفاع عن الأرض.

تضيف أنها حرصت على شراء عدد من الكتب ومنتجات المونة البيتية، إلى جانب بعض منسوجات الكروشيه، في خطوة تراها إسهامًا متواضعًا في دعم العائلات المشاركة وتشجيعها على مواصلة العمل. تشدد على أنها لم تشعر بالخوف خلال وجودها في المجمع، على العكس، سادتها مشاعر الأمان والطمأنينة، رغم كل ما يحيط بالبلاد من تهديدات وتوترات.

المقاومة الاجتماعية والاقتصادية.. وجه آخر للصمود

ما يجمع هذه الشهادات ليس مجرد الإعجاب بمعرض أو الرغبة في شراء منتجات محلية، هو قناعة مشتركة بأن الصمود مشروع حياة متكامل، وأن مواجهة العدوان لا تنفصل عن حماية المجتمع من التفكك والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

حين يصرّ أبناء القرى الجنوبية على إنتاج المونة من خيرات أرضهم، وحين تتمسك العائلات البقاعية والشمالية بمشاريعها المنزلية والحرفية، وحين يقصد المواطنون من مختلف المناطق مجمع سيد الشهداء لدعم هؤلاء المنتجين، تتشكل شبكة تضامن تتجاوز حدود المبادرات الفردية، لتصبح جزءًا من ثقافة اجتماعية واقتصادية قائمة على التكافل والتعاون والاعتماد على القدرات المحلية.

لذلك؛ تبرز أهمية «سوق أرضي» في توفير مساحة تسويقية لأصحاب المشاريع الصغيرة والعائلات المنتجة، ما يساعدهم في تصريف منتجاتهم والحفاظ على مصادر دخلهم، ويعزز في الوقت نفسه ثقافة استهلاك الإنتاج المحلي ودعم اليد العاملة اللبنانية. المعرض لا يكتفي بعرض ما تنتجه الأرض، بل يفتح المجال أمام علاقة مباشرة بين المنتج والمستهلك، تقوم على الثقة والتضامن وتقدير الجهد المبذول.

في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة والتهديدات الأمنية، تكتسب هذه المبادرات أهمية مضاعفة، لأنها تسهم في حماية دورة الإنتاج المحلي، وتمنح العائلات المنتجة فرصة للاستمرار، وتؤكد أن المجتمع الذي يمتلك القدرة على إنتاج احتياجاته وتبادل الدعم بين مناطقه هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الضغوط.

كذلك، فإن اجتماع أبناء الجنوب والبقاع والشمال في مكان واحد يحمل دلالة وطنية لا تقل أهمية عن البعد الاقتصادي. المعرض يقدم صورة عن وحدة اجتماعية تتأسس على التمسك بالأرض ورفض الاحتلال، وتواجه محاولات بث الخوف والانقسام بإرادة اللقاء والعمل المشترك.

إنها حكاية مجتمع لا ينتظر زوال التهديدات كي يستأنف حياته، ولا يجعل من الخوف سببًا لتعطيل إنتاجه أو التخلي عن أماكنه.. بل يواجه التهديد بالعمل، والدمار بإعادة الإعمار، ومحاولات التفكيك بالتضامن، والتهويل بمشهد شعبي يعيد التأكيد أن الحياة مستمرة وأن الأرض لا تزال تنبض بأهلها.

"باقي بأرضي".. رسالة مفتوحة حتى الثامن من الجاري

يستمر معرض سوق أرضي، المقام تحت عنوان باقي بأرضي، في مجمع سيد الشهداء – الرويس حتى الثامن من تشرين الثاني الجاري، فاتحًا أبوابه للزوار خلال أيام الأسبوع من الساعة الثالثة بعد الظهر حتى العاشرة ليلًا، ويومي السبت والأحد من العاشرة صباحًا حتى العاشرة ليلًا.

يتضمن المعرض، إلى جانب أجنحة المنتجات البلدية والمونة البيتية والحرفيات، أنشطة تفاعلية مخصصة لتنمية مهارات الأطفال الذين يزورونه برفقة عائلاتهم، فضلًا عن سحوبات على قسائم شرائية، ما يضفي على الحدث طابعًا عائليًا واجتماعيًا يتجاوز أهدافه التسويقية.

هكذا، لا يبدو سوق أرضي مجرد مساحة لعرض المنتجات وبيعها، بل مساحة لإعادة تأكيد العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين المجتمع وذاكرته، وبين الصمود والقدرة على مواصلة الحياة. من مجمع سيد الشهداء الذي نهض من تحت الركام، إلى أيدي أبناء القرى الحدودية التي لم تتوقف عن الإنتاج، وصولًا إلى الزوار القادمين من مختلف المناطق، تتكامل المشاهد لتقول إن المقاومة ليست فقط ما يجري في الميدان، هي أيضًا في بيت يواصل إعداد مئونته، وأرض لا يتخلى أصحابها عنها، وعائلة تعيد بناء ما هدمه العدوان، وشعب يلتقي على إرادة البقاء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد