في أسبوع واحد، في أواخر تشرين الأول وأوائل تشرين الثاني 2026، خسر الحليفان الأقرب في السياسة الدولية. خسر دونالد ترامب، وهو رئيس الولايات المتحدة الأميركية في ولايته الثانية، السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي. كما خسر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاء في السلطة، أغلبيته البرلمانية في انتخابات الكنيست، وهو البرلمان الإسرائيلي المكون من 120 مقعدًا.
المفارقة لم تكن في الخسارة نفسها، فالخسارة في الديمقراطيات أمر عادي. المفارقة كانت في طريقة التعامل معها. الأول أقرّ بها، وإن كان متأخرًا ومترددًا. الثاني رفضها، وحوّلها إلى معركة على شرعية النتيجة نفسها.
هنا يبدأ السؤال المركزي، كيف يقتنع الخاسر بالخسارة؟ ولماذا يقبلها خاسر ويرفضها آخر؟ وما أثر هذا القبول أو الرفض على أنصارهما في العالم وفي العالم العربي؟
للإجابة، يجب أولًا تعريف أداتين نستخدمهما كثيرًا في هذا المقال. الأولى هي نسبة التأييد، أي نسبة المواطنين الذين يقولون في استطلاعات الرأي إنهم راضون عن أداء الرئيس. والثانية هي نية التصويت العام، أي سؤال الناخبين عن الحزب الذي سيصوتون له، من دون تسمية مرشح بعينه، وهي أداة تستخدم للتنبؤ بنتيجة الانتخابات التشريعية.
ترامب، خسارة معيشية واعتراف تكتيكي
لم تكن خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، والتي جرت في 3 تشرين الثاني 2026، خسارة أيديولوجية بالمعنى التقليدي. كانت خسارة معيشية. الانتخابات النصفية، وهي انتخابات تجري في منتصف ولاية الرئيس، ويُنتخب فيها كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضوًا، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، تُستخدم عادة كاستفتاء على أداء الرئيس. وفي العام الحالي 2026، كان الاستفتاء على أمرين، الحرب على إيران، وغلاء المعيشة.
في شباط 2026، شاركت الولايات المتحدة وإسرائيل في حملة عسكرية مشتركة ضد إيران. بحسب استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، وهو مركز أمريكي مستقل متخصص في استطلاعات الرأي العام، فإن ثلثي الناخبين الأمريكيين عارضوا طريقة إدارة ترامب لتلك الحرب. خلفية المعارضة ليست من منطلق أخلاقي وحسب، اقتصادي أيضًا. بحسب منظمة نادي السيارات الأمريكي، وهي منظمة تقدم بيانات دورية عن أسعار الوقود في الولايات المتحدة، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين من 2.98 دولار في 26 شباط، قبل بدء الحرب، إلى 4.18 دولار في 31 تشرين الأول. هذا الارتفاع ضرب القدرة الشرائية للناخب العادي.
النتيجة ظهرت في الأرقام. في استطلاع أجرته وكالة رويترز للأنباء، وهي وكالة أنباء دولية، بالتعاون مع مؤسسة إيبسوس لاستطلاعات الرأي، قال 31% فقط من الأمريكيين إنهم راضون عن أداء ترامب، وهي أدنى نسبة له في ولايتيه. في سؤال عن نية التصويت، اختار 47% الحزب الديمقراطي مقابل 35% للحزب الجمهوري.
في استطلاع آخر أجرته شبكة إن بي سي نيوز، وهي شبكة تلفزيونية أمريكية بالتعاون مع مؤسسات بحثية، بلغت نسبة عدم الرضا عن ترامب 60%، وقال 70% من الناخبين إن البلاد تسير في الاتجاه الخطأ. كما أظهر استطلاع الإذاعة الوطنية العامة وخدمة الأخبار العامة ومؤسسة ماريست، وهي مؤسسات إعلامية وبحثية أمريكية، أن 44% من الناخبين صوّتوا أساسًا ضد ترامب، مقابل 21% فقط صوّتوا معه.
خسر الجمهوريون بذلك السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وفاز الديمقراطيون في مناطق كانت تعد معاقل جمهورية تقليدية، مثل تكساس وكانساس.
ترامب أقرّ بالنتيجة، وقال إن الحرب على إيران أثرت على أسعار الطاقة وكانت سببًا جزئيًا في الخسارة. هذا الاعتراف لم يكن اعترافًا أخلاقيًا، إنما هو تكتيكي؛ فالرئيس الذي يعترف بالخسارة يحافظ على فرصة للعودة بصفته زعيمًا لحزبه في عامي 2027 و2028، في حين من ينكرها يخسر حتى حزبه.
نتنياهو، رفض الخسارة استراتيجيةً للبقاء
في "إسرائيل"، كان المشهد معكوسًا تمامًا. في انتخابات 27 تشرين الأول 2026، وهي أول انتخابات منذ عملية "طوفان الأقصى"، 7 تشرين الأول 2023، والحروب التي تلتها في غزة ولبنان وإيران، حصلت كتلة نتنياهو على 53 مقعدًا فقط من أصل 120، بعد أن كانت تملك 68 مقعدًا. أي أنها خسرت الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، وهي 61 مقعدًا.
حزب الليكود، وهو حزب نتنياهو ويمثل اليمين الإسرائيلي، بقي أكبر حزب منفرد، لكنه تراجع من 32 مقعدًا إلى ما بين 24 و27 مقعدًا بحسب الفرز. كانت نسبة المشاركة 77.7%، وهي نسبة تاريخية مقارنة بـ 70.6% في انتخابات العام 2022، بحسب لجنة الانتخابات المركزية في "إسرائيل"، وهي الهيئة الرسمية المشرفة على الانتخابات.
التحول الأبرز كان في الأحزاب العربية، وهي أحزاب تمثل المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة (إسرائيل). فقد حصلت على ما بين 17 و19 مقعدًا، وهو رقم قياسي، وأصبحت صانعة ملوك، أي إن أي حكومة مقبلة لا يمكن أن تتشكّل، من دون الأخذ بموقفها.
بخلاف ترامب، لم يعترف نتنياهو بالنتيجة. لقد اتهم، من دون تقديم أدلة، قوى أجنبية وأحزابًا عربية بتزوير الانتخابات، وطالب جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، والمعروف باسم الشاباك، بالتحقيق مع قادة الأحزاب العربية. كما استند إلى فوزه بين الناخبين اليهود فقط لتسويغ دعوته إلى حكومة طوارئ.
لماذا يرفض خاسر ما قبله خاسر آخر؟ الجواب لا يتعلق بالشخصية وحسب، فقط، إنما بكلفة الاعتراف.
بالنسبة إلى ترامب، الخسارة تعني التراجع إلى المعارضة داخل حزبه. بالنسبة إلى نتنياهو، الخسارة تعني مواجهة ملفات قضائية. هو يحاكم في قضايا فساد داخل "إسرائيل"، وتلاحقه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دولية مقرها لاهاي تنظر في جرائم الحرب. الاعتراف بالخسارة يعني فقدان الحصانة السياسية التي توفرها رئاسة الحكومة.
لذلك، حوّل نتنياهو المعركة من صناديق الاقتراع إلى شرعية الناخب نفسه. كما أن التشكيك في الناخب العربي هو تشكيك في نتيجة الانتخابات كلها. كما لوّح بحرب جديدة على إيران وسيلةً للهروب من النتيجة والعودة إلى وضع الطوارئ، حيث يبقى رئيس الحكومة في منصبه بصفتها حكومة تصريف أعمال.
لقد منح ترامب نفسه نتنياهو تأييدًا علنيًا قبل الانتخابات الإسرائيلية بأيام، ودعاه إلى إنهاء المهمة التي بدأها معًا في إيران. هذا التأييد المتبادل ربط مصير الرجلين ببعضهما البعض، فكانت خسارة أحدهما تعني إضعاف الآخر.
التأثير في الداعمين من واشنطن إلى العالم العربي
الخسارة لا تقف عند الخاسر، تنتقل أيضًا إلى شبكة داعميه. في واشنطن، انقسم الحزب الجمهوري إلى تيارين. تيار يريد الاستمرار في خطاب التشكيك بالانتخابات، وتيار محافظ يريد القطيعة مع هذا الخطاب والعودة إلى التنافس على القضايا الاقتصادية. هذا الانقسام سيحدد شكل الحزب في انتخابات الرئاسة المقبلة.
في "تل أبيب"، انقسم اليمين الإسرائيلي بدوره. هناك من يرى أن رفض نتنياهو للنتيجة يضعف المؤسسات الديمقراطية، وهناك من يرى أن الاعتراف بها يعني تسليم السلطة لمعسكر يضم الأحزاب العربية. النتيجة هي أزمة ثقة بالمؤسسات لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل.
أما في العالم العربي، فالمعضلة أعمق. إذ إن عدد من أنظمة التطبيع، وهي الدول العربية التي وقعت اتفاقات سلام وتطبيع مع "إسرائيل"، راهنت خلال السنوات الماضية على محور ترامب- نتنياهو ضامنًا للأمن الإقليمي. واليوم، تجد هذه الأنظمة نفسها أمام حليفين خاسرين.
السؤال الذي يواجهها هو: هل تستمر في الرهان على حليفين قد يعودان، أم تعيد التموضع باتجاه واشنطن الجديدة التي يقودها الديمقراطيون، وتل أبيب الجديدة التي قد يقودها معسكر آخر؟
في المقابل، تعلم إيران، وهي الخصم الرئيسي للمحورين، إن خسارة ترامب لن تنهي العداء الأمريكي، لكنها أثبتت أن كلفة الحرب تسقط الحكومات. هذه الرسالة موجهة إلى جمهورها الداخلي بقدر ما هي موجهة إلى الخارج، الحرب باهظة الثمن حتى على المنتصر فيها.
الخسارة قد لا تعني نهاية المسيرة. لقد أصبحت بداية معركة على رواية الخسارة نفسها. من يقنع جمهوره أنه لم يخسر، يبقى زعيمًا حتى وهو خارج السلطة. ومن يعترف بالخسارة، يخسر السلطة لكنه يحافظ على فرصة للعودة. الفرق بين ترامب ونتنياهو ليس في الخسارة، إنما في كلفة الاعتراف بها. الأول يستطيع أن يعترف لأنه يملك حزبًا وحركة، والثاني لا يستطيع أن يعترف لأنه لا يملك إلا السلطة درعًا له.. في العالم العربي، كما في العالم كله، سيكون الدرس واحدًا، لا تراهن على ظالم مهما بلغ، راهن على الحق؛ فالظالم خاسر لا محالة والحق منتصر لا محالة.
المصادر والمراجع
Al Jazeera. (2026, November 4). _Netanyahu bet on Trump – but both lost_. Al Jazeera. https://www.aljazeera.com/news/2026/11/4/netanyahu-bet-on-trump-but-both-lost
Al Jazeera. (2026, November 4). _Trump’s approval ratings plummet: What that means for the US midterms_. Al Jazeera. https://www.aljazeera.com/news/2026/11/4/trumps-approval-ratings-plummet-what-that-means-for-the-us-midterms
Reuters. (2026, October 26). _Netanyahu touts Trump endorsement on eve of vote, suggests they may restart war on Iran_. Reuters. https://www.reuters.com/world/middle-east/netanyahu-touts-trump-endorsement-eve-vote-suggests-they-may-restart-war-iran-2026-10-26/
Reuters. (2026, October 28). _What’s at stake for Trump in Israel’s deadlocked election?_ Reuters. https://www.reuters.com/world/middle-east/whats-stake-trump-israels-deadlocked-election-2026-10-28/
Reuters/Ipsos. (2026, October 26). _Reuters/Ipsos poll: Trump approval at 31%, Democrats lead generic ballot 47%-35%_. Ipsos. https://www.ipsos.com/en-us/news-polls/reuters-ipsos-poll
NBC News. (2026, October 30). _NBC News poll: Trump disapproval at 60%, 70% say country on wrong track_. NBC News. https://www.nbcnews.com/politics/2026-elections/nbc-news-poll-trump-disapproval
Pew Research Center. (2026, October). _Two-thirds of U.S. voters oppose Trump’s handling of the war on Iran_. Pew Research Center. https://www.pewresearch.org/politics/2026/10/iran-war-trump-handling/
Central Elections Committee of Israel. (2026, October 28). _Official voter turnout and results for the 25th Knesset elections_. https://www.bechirot.gov.il