علي عواد/ جريدة الأخبار
دائمًا ما تعدّ العلامات التجارية الأميركية رمزًا للنفوذ الاقتصادي، لكنّ الفرنسيين اليوم يرفعون راية التمرد. من المقاطعة إلى تراجع جاذبية أميركا كوجهة دراسية وسياحية، تقف أوروبا أمام تحوّل إستراتيجي يغيّر موازين القوى؟
يبدو أن الشعب الفرنسي قرر أخيرًا ترجمة إحباطه من السياسات الأميركية إلى أفعال ملموسة، إذ صارت إعادة النظر في العلاقة مع الاستهلاك الأميركي مسألة مطروحة بجدية. بعد سنوات من غزو الأسواق بمنتجات تحمل شعارات الشركات الأميركية الكبرى، أصبح واضحًا أن هذا التدفق الاقتصادي أداةً للهيمنة عليهم. واليوم، يرفع الفرنسيون شعارًا مختلفًا: حماية الاقتصاد المحلي أولوية، والتبعية لواشنطن لم تعد خيارًا مقبولًا.
تكشف استطلاعات الرأي التي نشرتها صحيفة «الغارديان» أن أكثر من 60 في المئة من الفرنسيين يدعمون هذه المقاطعة. العلامات التجارية الأميركية مثل «ماكدونالدز»، «كوكا كولا»، «ستارباكس»، «كاي أف سي»، «إكس» و«تيسلا» تواجه تراجعًا في شعبيتها، وانتشر وسم «قاطعوا الولايات المتحدة» BoycottUSA# عبر السوشال ميديا في ما وصف بأنه «انهيار تاريخي» لصورة الولايات المتحدة في فرنسا.
في شوارع باريس، يحمل بعضهم أعلام المقاطعة، بينما يتسلّل آخرون إلى فروع «ماكدونالدز» كأنهم جواسيس في مهمة سرية. هناك من يشتري «بيغ ماك» كأنه وجبة محرّمة، وآخرون يدافعون عن «جودة» الأحذية الأميركية المصنوعة في الصين. التناقض لا يزال قائمًا، فالأسواق الفرنسية تعج بالمنتجات الأميركية، والطوابير أمام مطاعم الوجبات السريعة لم تختفِ تمامًا، لكن زخم المقاطعة يتعاظم. هل هناك شيء أكثر «فرنسية» من معاقبة «إمبراطورية البرغر» عبر التهام شطائر مصنوعة في مخابز باريسية؟
تاريخيًا، كانت المقاطعة أداةً فعالة في التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية. إن استمر الفرنسيون في موقفهم، فقد تواجه الشركات الأميركية خسائر لا يمكن تجاهلها، ما قد يدفع شعوبًا أوروبية أخرى لحذو حذوهم.
اللافت أن المقاطعة لم تقتصر على رموز الاستهلاك الأميركي التقليدية مثل «كوكا كولا» و«ماكدونالدز»، فقد امتدت لتشمل «تيسلا»، السيارة الكهربائية التي صارت رمزًا للغرور التكنولوجي الأميركي. علمًا أن سيارات «تيسلا» تُحرق وتُكسر في شوارع أميركا أيضًا، بسبب موجة الغضب ضد سياسات قطب التكنولوجيا واليمين العالمي، إيلون ماسك.
على الرغم من الانقسام حول فعالية هذه الخطوة، يشير التوجه العام إلى تحوّل لافت في النظرة إلى الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للمنتجات والخدمات. لم يعد الانبهار بالعلامات التجارية الأميركية كافيًا لتبرير تغلغلها في الأسواق الأوروبية.
يُطالب الفرنسيون بخيارات تدعم اقتصاداتهم المحلية، وتضمن استدامة الإنتاج الأوروبي في مواجهة السياسة الحمائية التي يفرضها ترامب. قد لا يكون هذا التحول كافيًا لإحداث انقلاب اقتصادي عالمي، لكنه يبعث برسالة واضحة: «إمبراطورية البرغر» تواجه مقاومةً فعلية من حلفائها التقليديين.
لا يقتصر التغير في المزاج العام على المقاطعة الاقتصادية، فقد أظهرت الاستطلاعات أنّ عدد الفرنسيين الراغبين في الدراسة أو العمل في أميركا انخفض بشكل حاد في العقد الماضي، في ظل تصاعد التوترات السياسية والحمائية التجارية. حتى السياحة لم تسلم من هذا التراجع، إذ فقدت المدن الأميركية بريقها لدى الأوروبيين الذين صاروا يفضلون وجهات أخرى. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تكون المقاطعة خطوة نحو إعادة تشكيل العلاقة الثقافية والتجارية بين ضفتي الأطلسي.
الرهان الآن على قدرة الفرنسيين على تحويل هذا الوعي إلى نتائج سياسية. نجاح المقاطعة قد يعني ولادة مرحلة جديدة من الاستقلالية الاقتصادية، وربما تحرير أوروبا من سطوة «الأخ الأكبر» الذي يهيمن على قرارها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأيام المقبلة ستكشف عما إذا كانت هذه الخطوة بداية لتحوّل إستراتيجي، أم مجرد موجة غضب عابرة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة الضغوط الخارجية، ومنح المستهلك خيارات لا تعتمد على احتكارات الشركات العابرة للقارات.
إلى جانب البحث عن بدائل أوروبية، يمكن لحملة المقاطعة أن تفتح الباب أمام أوروبا لإعادة النظر في شراكاتها التجارية العالمية، خصوصًا مع الصين.
مع تراجع الهيمنة الأميركية بسبب سياسات ترامب المناهضة للعولمة، وسعيه إلى تحويل أميركا إلى قلعة محصنة تأخذ من العالم من دون أن تقدم شيئًا في المقابل، باستثناء إسقاط القنابل على الشعوب الفقيرة، تبدو بكين خيارًا جذابًا بفضل صناعاتها المتطورة وأسعارها التنافسية، فضلًا عن سياساتها الاقتصادية التي تركز على الاستثمار الطويل الأمد بدلًا من فرض التبعية.
وإن كانت العلاقة مع الصين تثير مخاوف بشأن النفوذ السياسي، فإن الواقع يفرض نفسه: إذا كانت أوروبا تبحث عن تحرر اقتصادي حقيقي، فقد يكون الاتجاه شرقًا خطوة لا مفر منها.