ندى أيوب (الأخبار)
أثناء تشكيل الرئيس نواف سلام حكومته الحالية، حرص على الترويج لـ"اتيكيت" اختيار وزراء لا صبغة حزبية لهم. وكان القاضي الآتي من عالم القانون، يصرّ على صيغة التضامن الحكومي الذي يعني التزام جميع الوزراء بسياسات الحكومة كما تُقرّ من دون أي اجتهاد، حتّى إنه حرص على إبلاغ الوزراء بضرورة اختيار مستشارين ممن يخدمون هذه الفكرة.
لكنّ الممارسة الفعلية التي تُرجمت أقوالًا وأفعالًا، بيّنت أن بعض هؤلاء ليسوا "مصبوغين" حزبيًا فحسب، بل هم غارقون في حزبيتهم، ويعبّرون عن مواقف القوى التي يمثّلونها بطريقة لم يسبق أن شهدتها أي حكومة سابقة ضمّت وزراء سياسيين، بل وصل خطاب بعضهم إلى ما يناقض البيان الوزاري والسياسة الرسمية التي يعبّر عنها رئيسا الجمهورية والحكومة، وصولًا إلى تبرير اعتداءات العدو.
وإذا كان حزب "القوات اللبنانية" قد حرص دومًا على التماهي مع الخطاب "الإسرائيلي" في عدائه للمقاومة، فإن المُستغرب سماح الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام لوزراء "القوات" بالتحوّل إلى ناطقين باسم معراب، لا الحكومة، وتبرير الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على لبنان، من باب أنّ حزب الله يتنصّل من تطبيق اتفاق الـ1701، وبما يناقض موقف الدولة اللبنانية الذي عبّر عنه الرؤساء الثلاثة ومجلس الوزراء، خصوصًا لجهة إدانة "إسرائيل" وتحميلها وحدها مسؤولية انتهاك السيادة اللبنانية بشكلٍ فاضح.
ومنذ تعيينه، تعمّد وزير الخارجية يوسف رجّي، في بياناته وتصريحاته الإعلامية، الخروج عن الموقف الرسمي. ففي ما اعتبر مجلس الوزراء في جلسته في 17 آذار 2025، أنّ القصف الذي يتعرّض له الجنوب من قبل الاحتلال "الإسرائيلي" يشكّل "انتهاكًا واضحًا لسيادة لبنان والقرار 1701"، خرج رجّي بعد يومين بتصريحٍ زعم فيه أنّ "الطرفين (حزب الله والعدوّ الإسرائيلي) يخرقان اتفاق وقف إطلاق النار". وكرّر ذلك في مقابلةٍ صحافية أخيرًا، مخالفًا مبدأ الإجماع والتضامن الوزارييْن، ومناقضًا موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي أكّد أنّ "حزب الله ملتزم بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار".
الخطير، أن هذا الكلام يصدر عن رأس الدبلوماسية اللبنانية، مع كلّ ما يرتّبه عليه موقعه هذا من دورٍ يفترض أن يلعبه حمايةً للمصالح الوطنية للدولة، عوضًا عن التماهي مع خطاب العدوّ وذرائعه لتبرير قصف البلد وقتل المدنيين، والتبرير المُسبق لكل أشكال الجرائم التي قد ترتكبها "إسرائيل" في لبنان.
واللافت، أن رجّي، خلال اجتماعٍ للجنة الشؤون الخارجية أمس برئاسة النائب فادي علامة، قال كلامًا مغايرًا لمواقفه العلنية.
وبحسب المعلومات، فإن الجلسة التي عُقدت لمناقشة التطورات الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية، تخلّلتها مداخلات من النواب الأعضاء، تمحورت حول "ضرورة أن يكون الخطاب الرسمي موحّدًا، ويعبّر عن المصالح الوطنية الجامعة، ويعزّز موقف الدولة في لحظة التحوّلات الوجودية الخطيرة"، مع سؤال النواب وزير الخارجية عن سبب عدم تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن حول الاعتداءات الإسرائيلية.
وقدّم رجي مطالعة تؤكّد أنّه "ملتزم بسقف خطاب القسم والبيان الوزاري، والإجماع الحكومي"، وأنّه يجري "اتّصالاتٍ مكثّفة بالدول الصديقة لدعم موقف لبنان، كما أن البعثات الدبلوماسية في الخارج في حالة استنفار للغاية نفسها"، متحدّثًا عن "ضغط خارجي هائل يتعلّق بمسألة سلاح حزب الله".
في المشهد العام، يبدو واضحًا أن "القوات اللبنانية" ليست وحيدة في التماهي مع السردية الإسرائيلية - الأميركية، لكنّها الجهة الأساسية في تيارٍ "سيادي – تغييري" لا يروق له سير الدولة اللبنانية في مسارٍ تسووي مع حزب الله، وإحالة مسألة سلاحه إلى حوار وطني داخلي من ضمن إستراتيجية دفاعية، بالتوازي مع اعتمادها خطابًا مقبولًا وطنيًا وسياديًا حيال الحرب التي يستكملها العدوّ على لبنان.
فبالتوازي مع ارتفاع سقف الضغوطات الأميركية والإسرائيلية على لبنان، يريد هذا التيار فرض خطابه وأدبياته الأكثر حدّة كخطابٍ وطني رسمي، حتّى ولو أدّى ذلك إلى تصادم مع العهد الجديد. وفي هذا السياق أتى تعبير النائب مارك ضوّ عن امتعاضه من تصريح الرئيس عون من فرنسا، بأنّ حزب الله ليس مسؤولًا عن عمليات إطلاق الصواريخ، معتبرًا أن الحزب "يجب أن يتحمّل مسؤولية العبث بأمن البلد حتّى وإن لم يكن هو من أطلق الصواريخ".
والتحق حزب الكتائب أمس بهذا التيار، ببيانٍ لمكتبه السياسي حمّل فيه حزب الله مسؤولية عدم الاستقرار وعودة الحرب.
ولا تخلو الجوقة من نواب وصحافيين ووسائل إعلام ومنصاتٍ بديلة ونشطاء سياسيين، انخرطوا جميعًا في عملية الضغط الداخلي، لأن الدولة المنشودة هي دولة مورغان أورتاغوس التي لا مقاومة فيها.