اوراق مختارة

mtv و«الجديد» تتنافسان في «التخبيص»!

post-img

نزار نصر/ جريدة الأخبار

تنافست mtv و«الجديد»، مساء الاثنين الماضيأ في الصهينة و«التخبيص»، مُكملتين حربهما على الوعي العامّ في خدمة أطراف تتمنّى الإضرار بلبنان وشعبه.

هكذا، عادت «الجديد» إلى «أصلها». مهما تظاهرت بأنّها داعمة للمقاومة لزوم الديماغوجية، إلا أنّها جزء من «وهم الخيار» الذي يهدف إلى إيهام الجمهور بوجود اختلاف بين القنوات وله حرّية الاختيار بينها، بينما كلّها تصبّ في المجرور ذاته في النهاية. فقد قرّرت «الجديد» في مقدّمة نشرة أخبارها مساء الاثنين اللعب على وتر الفتنة، حتّى بين الطائفة الواحدة.

هكذا أثنت على نائب رئيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» الشيخ علي الخطيب، في مقابل مهاجمتها المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، مستندة إلى خطبتَيهما في مناسبة عيد الفطر.

حاولت خلق اختلاف غير موجود في الموقفَين، كمَنْ يبحث عن إبرة في كومة قشّ، معتمدةً لغة تجعل المُشاهد ينظر في زاوية الشاشة للتأكّد بأنّه لا يشاهد mtv!

ممّا أوردته «الجديد» في مقدّمتها الاثنين: «سيجد العهد والحكومة أنّ في البلاد وضمنًا داخل الثنائي الشيعي، مَن يقارب هذه الطروحات - بخصوص الحدود البرّية والدبلوماسية وسلاح المقاومة- بالحكمة، على ما أدلى به اليوم نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب الذي قال: نحن متمسكّون بإقامة الدولة العادلة والقادرة التي تحمي السيادة وتدافع عن الأرض وتحمي كرامة الشعب اللبناني، ولنا الثقة بالعهد، نقف إلى جانبه وأمامه وخلفه لتحقيق هذه الغاية، تحريرًا للأرض وإعادةً للإعمار».

عقّبت: «هذا الخطاب الوازن الذي لم يلغِ حقّ لبنان دولةً وشعبًا في تحرير أرضه المحتلة، ينسفه كلام على غير أوزان للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان. لغته التي افتتح بها صلاة العيد جاءت بلا امتياز ولا سيّما بتهديده بأنّ شطب السلاح سيضعنا في مواجهة أخطر حدث يطال لبنان وصيغته السياسية ووجوده.

قال قبلان: نحن الطائفة التي حرّرت لبنان ودفعت أغلى ما لديها في تاريخ هذا البلد، وتجد نفسها الآن على ركام. فحذار اللعب بالنار، فالخطأ في موضوع سلاح المقاومة أكبر من لبنان والمنطقة، لأنّنا، واللحظة للتاريخ، لم يعد لدينا شيء نخسره».

اختارت «الجديد» ما يناسبها من كلا الخطبتَين، ويمكن لأيّ كان العودة إليهما والتأكّد من أنّهما لم يختلفا كثيرًا، إلّا من حيث إعلان الخطيب عن ثقته بالعهد، وهو ما يبدو مكمن اعتراض القناة التي تعيّر الأشخاص بحسب موقفهم من العهد الجديد، فيما كانت من أكبر محاربي العهد السابق. وأكملت في مقدّمتها معلّقةً: «لو خسر قبلان هذا الخطاب أوّلًا، لكان تجنّب النقد على جري خطاباته. فالسلاح وظيفته مواجهة إسرائيل. أمّا قبلان فهو يواجه به اللبنانيّين بعبارة «لم يعد لدينا شيء نخسره».

لم يسبق منذ السابع من أيّار 2008 أن صدرت عن أيّ مرجع شيعي هذه المقاربات التي توجّه تهديد السلاح إلى الداخل. واليوم، لا يُعتقد بأنّ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يوافق على لغتَين اثنتَين تحت سقف بلد واحد».

بكلّ استخفاف، حوّرت «الجديد» كلام قبلان الموجّه إلى الخارج الذي يريد نزع أيّ سلاح يردع «إسرائيل»، محذّرًا من الفتنة قبل وقوعها، وارتأت اتّهام مطلق التحذير ذاته بالفتنة، علمًا أنّها نفسها تحاول افتعال شرخ حيث لا يوجد! وكان الشيخ الخطيب بدوره أسف لأنّ «البعض في الداخل اللبناني يحاول أنْ يُعطي للعدوّ الذرائع ليقتل ويدمّر ويعتدي ويستمرّ في الحرب على لبنان، ويتّهم المقاومة بخرق الاتّفاق فيما القوّات الدولية والأمم المتّحدة والرئيس الفرنسي وفخامة رئيس الجمهورية ورئاسة الحكومة يبرّئون المقاومة، ويقرّون بأنّ العدو هو الذي يبادر إلى العدوان ويستمرّ في الحرب ويتهرّب من تنفيذ الاتّفاق».

تطبيع التطبيع

هنا تدخل mtv على الخطّ. في معرض عرضها مقتطفات من كلام الخطيب ضمن نشرة أخبارها مساء الاثنين، قامت بما لا يمكن لأيّ كان ملاحظته، وخصوصًا إذا لم يكن قد استمع إلى الخطبة بأكملها أو على الأقلّ إلى مقتطفات أطول على قنوات أخرى. بعد عبارة «يتّهم المقاومة بخرق الاتّفاق» الواردة آنفًا على لسان الخطيب، حذفت mtv الجملة التالية في عملية المونتاج وأكملت بمقتطفات من كلام قاله بعدها. يمكن تبرير الأمر بضيق الوقت والاختصار، لكنّ الجملة ليست طويلة إلى هذا الحدّ، أي إنّ الاحتمال الأكبر هو حذف القناة له عمدًا، بما أنّه لا يتماشى مع سرديّتها التي اتّهمت المقاومة بخرق الاتّفاق وعتّمت على تبرئتها من قبل مَن ذكرهم الخطيب.

لكنّ mtv كانت عادت وصحّحت الخطأ بعض الشيء في أوّل تقرير من النشرة ذاتها، تناولت فيه الجهة المسؤولة عن إطلاق الصواريخ صوب فلسطين المحتلّة مرّتين في الأيّام الماضية، ناقلةً نفي رئيس الجمهورية من باريس علاقة «حزب الله».

استندت إلى تحقيقات الأجهزة الأمنية كما قالت، كما إلى مصدر أمني قال لها إنّ مَن أطلق الدفعة الأولى من الصواريخ «جهة محترفة وعلى الأرجح فلسطينية»، وإنّ الهدف إعطاء ذريعة لـ«إسرائيل»، فيما التحقيقات مستمرّة لمعرفة مَن كان وراء الدفعة الثانية.

ولئن ينطبق على mtv مثال «أن تأتي متأخّرًا خير من ألّا تأتي أبدًا»، فقد عادت و«نزعتها» في التقرير الذي تلا مباشرةً تحت عنوان «تاريخ الحدود اللبنانية – الإسرائيلية»، الذي بدأت فيه بالسرد من أوائل القرن الماضي. لكنّ بعض ما ورد فيها كان بمثابة المهزلة، مثل القول إنّ اتّفاقية الهدنة بين لبنان و«إسرائيل» عام 1949 «أرست هدوءًا وسلمًا مقبولَين باستثناء بعض التوتّرات البسيطة التي تحصل بين الدول عالميًّا»! هكذا، اختصرت القناة عقدَين من الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة والموثّقة بحقّ لبنان، بما فيها احتلال قرى وقتل أبنائها وتدمير مصادر المياه، على أنّهما مجرّد توتّرات بين بلدَين، فقط لأنّ قول الحقيقة لا يخدم أجندتها.

الهدف من التقرير «تطبيع التطبيع»، وهو ما يعمل عليه عدد من القنوات اللبنانية منذ العام 2023 على الأقلّ. بعد اتّهام «حزب الله» بـ«وضع لبنان في صراع مفتوح مع إسرائيل» في خدمة «مصالح تفاوضية لسوريا الأسد وأهداف إيران الاستراتيجية»، خلص التقرير إلى وجوب «نزع سلاح حزب الله بالكامل» و«التفاوض الدبلوماسي مع إسرائيل بهدف إعادة إسراء مفعول اتّفاقية الهدنة». وغلّف الأمر بادّعاء أنّه يساعد على استعادة حقّ لبنان خلال ترسيم الحدود البرّية، أي أنّ التقرير تخلّى عن حتّى الادّعاء بوجوب «تسليم السلاح إلى الدولة» و«ترك الخيار للجيش»، ويبدو أنّ معدّيه يؤمنون بتحويل لبنان إلى ضفّة غربية أخرى!

هكذا، تحاول mtv ترسيخ فكرة أنّ «إسرائيل» لا تعتدي على أحد إذا لم يُعتدَ عليها، واضطرّت إلى القفز فوق التاريخ والحاضر لتسويغها، كما إلى نزع الشرعية بالكامل عن كلّ ما قامت به المقاومة والشهداء الذين لولاهم لم يكن يمكن مجرّد التفكير بترسيم الحدود اليوم. واختتمت التقرير بالقول إنّ «سردية القوّة والردع أثبتت فشلها وزادت الدمار من دون جدوى»، في تبنّ للمنطق الذي يلوم الشعوب المستعمَرة على مصابها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد