د.ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام وأستاذة جامعية
تمر، في حياتنا، مشاهد لم تُصنع للسينما، بل ولّدتها سياسات وقوى يقول البعض إنّها تتجاوز حدود الشعوب وقدرتها على تقرير مصائرها.. فكم مرة بدا فيها العالم، على الرغم من مواثيقه وقوانينه، عاجزًا أمام من يملك القوّة، وصامتًا أمام من يملك الحق والتاريخ والذاكرة؟ ..
وقائع لا يجمعها المكان، هي الأسئلة ذاتها: هل يُدار العالم بإرادة الشعوب أم بسطوة الأقوياء؟ لماذا يملك البعض سلطة تقرير ما هو ممكن في حياة الآخرين؟ وكيف تتحوّل القوّة، عسكرية كانت أم اقتصادية أم إعلامية، إلى قدرٍ يومي يقرّر من يحيا، ومن يُستعمر، ومن يقرّر المصير؟
ربما يبدأ الجواب من تلك الأم التي تزرع شجرة زيتون فوق ركام بيتها، أو من ذلك الأستاذ الذي يُدرّس في خيمة قرب الحدود تحت غطرسة جنود العدو، أو من شاب ما يزال يحلم بوطن مستقل في ظل الاحتلال … جميعهم يصرّون على أن إرادة الحياة أقوى من إرادة السيطرة.
حين تفرض القوّة إرادتها… قصص من واقع الهيمنة والمقاومة
في عالمٍ تتشابك فيه القرارات الكبرى مع مصائر الشعوب الصغيرة، لا تبدو السلطة مجرد امتيازٍ للدولة القويّة، إنما هي نظام معقّد يُعيد إنتاج السيطرة عبر السياسات والأفكار والثقافة. في هذا السياق، يقول المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي: "لا تقوم الهيمنة فقط على القمع، إنما على إنتاج قبول داخلي لما يُفرض من قوّة، عبر الإعلام والتعليم والمؤسّسات الاجتماعية، حتى يبدو الواقع المفروض طبيعيًا عند الجماهير".
إذا ما استذكرنا تجارب الهيمنة، في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، نجد أنّها تجلّت في الاحتلال العسكري الطويل والاستيطان والتوسّع، إضافة إلى القيود على الحركة والتعليم والعمل، وليس انتهاء بالسيطرة على الموارد الأساسية مثل المياه والطاقة.. وغيرها من العناصر التي تُبرز كيف تتحوّل الإرادة القوية لدولة أو تحالفات إلى بنية قهرية على حياة شعب بأكمله، وفي الوقت ذاته تُظهر، أيضًا، كيف تبقى المقاومة المدنية والسياسية والثقافية أداة أساسية لرفض الهيمنة. إذ تشير الأبحاث الحديثة، في العلاقات الدولية، إلى أن الهيمنة تُنتَج، ويُعاد إنتاجها من خلال تداخل القوّة الصلبة مع قبول أوسع من المجتمع، ما يجعل فهم المقاومة أمرًا أساسيًا لمسار أي تحوّل اجتماعي وسياسي.
حين تتحوّل القوّة إلى قدرٍ مفروض على الشعوب
هي الهيمنة بأشكالٍ متعدّدة، تتجلّى باحتلال مباشر وتدخّل سياسي وحصار اقتصادي وإعلام موجّه وسرديات جاهزة تصنع وعيًا جديدًا. في هذه الأشكال كلّها، تظلّ الفكرة نفسها؛ وهي مصادرة القرار من يد الشعوب وتسليمه لمن يملك القوّة المستكبرة. هي هيمنة في مرتكزات ثلاثة، تنطلق من صناعة الخوف كي تبقى الشعوب بحاجة إلى "حماية" من قوى أكبر منها، وتمر بإعادة تشكيل الوعي عبر خطابٍ يسوّغ السيطرة بوصفها إنقاذًا أو تحديثًا أو استقرارًا، وليس انتهاءً بالتحكّم بالمصادر، من الطاقة إلى الإعلام إلى المال .. فيصبح الاستقلال مجرّد شعار بلا أدوات.
حين يكتب التاريخ بحبر الدخان والرماد
فلسطين.. عندما يتحوّل الرفض اليومي إلى مقاومة إنسانية
لا يُمكن توصيف الواقع في فلسطين على أنه مجرد صراع جغرافي، هو نزاع بين إرادة الشعب وقرارات تُفرض من جهةٍ مستكبرة على أخرى ترفض أشكال الهيمنة كلها التي تتجلّى بأشكال متعدّدة. الهيمنة، في هذا السياق، لا تقتصر على السلاح وحده، أيضًا تشمل السيطرة على المعابر والتعليم والموارد والمعلومات، وتطال حتى قدرة الناس على الحركة اليومية. هذه السيطرة، وإن تُقاس بالقوّة العسكرية، لكن ما يعريّ وجهها المتوحش هو قيمة الحياة اليومية التي يعيشها الناس، ويرفضون الاستسلام والرضوخ تحت وطأة الإبادة والوحشية المستمرّة.
العراق.. حربٌ لم تُحرّر وأطلقت نارًا لا تنطفئ
إذا استذكرنا العام 2003، حين استيقظ العالم على شاشات تمتلئ بصور الدبّابات تدخل العاصمة العراقية بغداد. قيل يومها إن المهمّة واضحة، إذ قُدمت تسويغات عدّة للغزو، تنطلق من السيطرة على أسلحة دمار شامل تهدّد العالم، وتمر بخطر داهم يجب إسقاطه، وتتجلّى في نظام استبدادي يجب خلعه وتحقّق طموحات شعب ينتظر الخلاص.
لم تمض سنوات من الحرب والاحتلال، حتى اعترف مسؤولون كبار، من داخل الدولة المارقة التي قادت الحرب، أنّ تلك الذرائع لم تُستند إلى أدلّة واضحة، وأنّ مسوّغ "أسلحة الدمار الشاملة" لم يكن صحيحًا. السبب الذي أُقنع به العالم لتسويغ الاجتياح لم يُثبت وجوده يومًا. مع ذلك؛ قُتل مدنيون، وتفكّك البلد، وتبدّلت الخرائط، وولدت أجيال من الأسى والاضطراب. واقع متوحّش أسفر عن مئات الآلاف من الضحايا المدنيين، بين قتيل وجريح ومعوّق، وأربعة ملايين لاجئ ونازح من منازلهم، وتدمير شامل في البنية التحتية والتعليم والصحة والاقتصاد.
من الأهمية بمكان؛ التذكير بأنّ الأثر لا يقف عند الأرقام؛ إنما يمتد إلى الذاكرة الجمعية التي لا تنسى رؤية أطفالٍ فقدوا مدارسهم، وذكرياتٍ تعذّبت تحت وقع الانفجارات، وإلى شعورٍ عميقٍ بالمرارة والحسرة عند أجيالٍ كاملة وجدت نفسها في صراعٍ لاختبارات القوّة العالمية .إذ إن فالحرب نفسها ليست مجرد خطأ في التقدير، لطالما كان تعبيرًا عن سعي للهيمنة وتثبيت موقع قوّة في منطقة استراتيجية.
لم يكن هذا الغزو سوى جزءًا من محاولة لإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية، في منطقتنا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، فغزو العراق، على سبيل المثال، لم يحدث نتيجة فراغ قانوني، إنما في سياق هيمنة كانت وما تزال تترجم وتخدم مصالح استراتيجية وسياسات رأسمالية عالمية.
لبنان.. صراع داخلي بين الهيمنة والرفض
في الساحة اللبنانية، تتداخل مشاهد الهيمنة مع منطق التأثير الداخلي للقوى السياسية. إذ لا يقتصر هذا الوضع على النفوذ الخارجي وحده، أيضًا يشمل تدخّلات في الخطاب العام ومحاولات السيطرة على السردية المجتمعية. يتجلّى هذا الوضع باستخدام بعض القوى السياسية لغة صادمة تخالف المواثيق الإعلامية والممارسات السياسية من أجل ترسيخ حضورها باستثارة الشارع، أو فرض رؤيتها على الخطاب العام.
هو نوع من الهيمنة الداخلية يستشعره كثيرون، ويوصّفونه على أنه تجاوز للسلوك الوطني الجامع، ما يولّد شعورًا بعدم المساواة في تمثيل الإرادة الشعبية. صحيح أنّ التركيبة في لبنان حسّاسة، إذ تتداخل الهويّات الطائفية والمناطقية مع السياسة، فيصبح الخطاب السياسي أكثر من مجرد أداة للتواصل؛ ويصبح آلية لتشكيل الوعي وإعادة إنتاج الانقسامات والبحث عن النفوذ عبر الإعلام والرأي العام.
لعلّ أبرز الأمثلة الراهنة على الهيمنة هو نشاط ودور الاحزاب السياسية البارز، في التموضع الإعلامي، وتوظيف الخطاب ضمن سياقات الصراع الداخلي. إذا ما استعرضنا بعضًا من المواقف والتصريحات البارزة التي أثارها ويُثيرها حزب لبناني ووزيره في الحكومة اللبنانية، نجد أنّها تُظهر كيف يتحوّل الخطاب السياسي في لبنان إلى ساحة تنافس على الهيمنة الرمزية أكثر من كونه مجرد تبادل للمواقف. في هذا الإطار، وثّقت وسائل إعلام لبنانية ومنابر إعلامية عامّة أن الدائرة الإعلامية للحزب نفسه أصدرت بيانات تتّهم فيها صحفًا أخرى بـ "التحريض وبث الفتن والنعرات"، وهو مثال على توظيف الاتهامات الإعلامية ورقةً سياسية في خطابات القوى المتنافسة.
مثل هذه الاتهامات تُظهر ازدواجية في التعامل مع الخطاب الإعلامي، إذ حين يُدعى للالتزام بالعيش المشترك، تُردّ الاتهامات إلى خصم سياسي آخر بوصفه "يبث الفتنة"، ما يُسهم في عيون المراقبين، في تغذية مزيد من الانقسامات بدل الحد منها.
هي لغة قد تحمل في ظاهرها دفاعًا عن السيادة الوطنية، ويخال للبعض أنّها تُقرأ في سياق داخلي أداةً لترسيخ شرعية تمثيل الصوت اللبناني "الأصيل"، أي ذاك الذي لا يحتاج إلى وسيط خارجي ولا يقبل انتقاصًا من استقلالية القرار. في الواقع؛ يصبح الخطاب نفسه مساحة صراع على تعريف من يملك حق الكلام باسم الوطنية والسيادة والدولة: هل هي المؤسّسات الدستورية؟ أم القوى الأكثر قدرة على تعبئة الرأي العام عبر المنابر الإعلامية؟ في هذا السباق، من المهم التمييز بين النقد السياسي المشروع والخطاب الذي يستثير الانقسامات، فالكلمات يمكن أن تُحدث تأثيرات اجتماعية حقيقية تتجاوز نطاق السياسة إلى الشارع والمجتمع. حريٌ بنا أن نعرف، أنّ الهيمنة لا تكمن في القوّة المادّية وحسب، إنما في احتلال موقع الشرعية داخل الوعي الجماعي، حيث يضيق الفاصل بين حماية السيادة واستثمارها سياسيًا.
الهيمنة الكبرى… والرفض الذي يتأصل في المجتمعات
هذه القصص وشبيهاتها ليست استثناءات؛ إنها ملامح لواقع عالمي تُمارَس فيه القوّة بأشكالٍ تتجاوز سطوة الدبابة وصوت المدفع. الهيمنة، اليوم، لا تُصنع فقط بالسلاح، إنما في تحالفات اقتصادية واتفاقيات تُفرض باسم الاستقرار وسرديات إعلامية تُعاد كتابتها حتى تبدو كأنّها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
علينا أن ندرك، أنّه لا يمكن قراءة هذه الأحداث بمعزل عن مفهوم الهيمنة السياسية والعسكرية الذي يتخطى الهجوم العسكري لوصلات أوسع من النفوذ المستمر. إذ إن الهيمنة ليست احتلالًا للأرض بقدر ما هي فرض لقواعد اللعب على الصعد الاقتصادية والدبلوماسية والأخلاقية. هذه الحقيقة تجلّت في سلسلة من التدخّلات التي لم تقتصر على بلده وحده، حيث امتدت في مناطق متعدّدة من العالم، ما خلق شعورًا متزايدًا بين الشعوب بأنّ قرارات القوّة تفوّق قوة القرار الدولي التي يُفترض أن تكون قائمة على العدالة.
وفقًا لنموذج "غرامشي"، تتحقّق الهيمنة حين تستطيع القوّة أن تقنع الآخرين بأن خياراتها هي المصلحة العامّة؛ وحين تُصبح المقاومة، حتى لو كانت مجرد كتابة اسم قرية مهدّمة على دفتر طفل، عملًا يعيد تعريف من يملك الحق في الحكاية. على الرغم من الضغوط، تظهر المقاومة في أشكال متعدّدة، في ممارسة الحياة اليومية في ظل أصعب الظروف. هذه المقاومة تُبرز أن إرادة الشعوب ليست سلعة تُستبدل في سوق السياسة الدولية، هي صمود في وجه المحاولات المتكرّرة لطمس الهويّة. . ففي كل بلد عايش الهيمنة، هناك جيل يكتب، وجيل يصوّر، وجيل يوثّق، وجيل يقاوم بأشكال جديدة.
علينا أن ندرك أنّ التاريخ الذي عشناه هو أحداث تمتد في سلسلة الهيمنة عبر انقلابات تُدار من بُعد، وتحالفات تُفكّ وتُعاد تشكيلها وفقًا للمصالح لا وفقًا للقيم، وعقوبات اقتصادية تخنق الشعوب بدل الأنظمة، إضافة إلى قواعد عسكرية باسم الأمن تُبقي الأرواح في خوف دائم وقرارات دولية يُطبّق بعضها بقوّة النار، ويظل بعضها الآخر حبرًا على ورق.
قوة الحقّ تظلّ أكبر من حقّ القوة
معركة الهيمنة وإن دارت بين دولتين أو حضارتين، إنما هي صراع بين من يرى القوّة حقًا فوق القانون،
ومن يرى الحق أساسًا للقوّة البشرية الحقيقية. صحيح أن قدرة الهيمنة تكمن في السيطرة على الأرض، لكن كذلك هي في صياغة الوعي؛ حيث يبدو الواقع المفروض حتميًا.. مقدّمات تفضي لا محالة إلى نَفَس المقاومة، والذي يتكوّن كلما حاولت الهيمنة إقناع الناس بأنّ مستقبلهم يُكتب من خارج إرادتهم.. فحين تحتكر القوى الكبرى تعريف "المصلحة"، تتولّد عند الشعوب رغبة أعمق في إعادة كتابة المصير.

الهيمنة تُكتب بالقوة… لكن تُكسر حين تكتب الشعوب ذاكرتها بوعيٍ لا يخضع. هكذا، تصبح الحياة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة ضد الهيمنة النظامية؛ مقاومة لا تُقاس فقط بعدد المعارك، بل بعدد المرات التي تواصل فيها الشعوب اختيار المستقبل… على الرغم من كل شيء.
- المصادر والمراجع
- https://x.com/YoussefRaggi/status/1953400067458555980?utm_source=chatgpt.com
- https://www.lebanese-forces.com/2025/09/29/weapon-file-18/#google_vignette
- https://www.nidaalwatan.com/article/345323
- https://www.nnaleb.gov.lb/ar
- The (il)legality of the Iraq War of 2003: An Analytical Review (Taylor & Francis Online)
- Hegemony Of the United States and Wars in The Middle East
- Edward Said — Orientalism
- Antonio Gramsci — Prison Notebooks
- Robert Keohane — After Hegemony
- Reports on movement restrictions in Palestine — United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA)
- Sara Roy — The Gaza Strip: The Political Economy of De-Development