معروف شارع بئر العبد في الضاحية الجنوبية بازدحامه واكتظاظه بالفانات، وما يصاحب ذلك من "زمامير" وضجيج، فضلًا عن كونه يعجّ بدكاكين الألبسة ومحال الهواتف وكراجات التصليح وباعة العصير والسمانة. لكن ما جرى قبل قليل، أنني وأنا أهم بصعود سيارة "السرفيس" لأعود إلى منزلي مخلفًا ورائي "سي آر في" منبوش الأحشاء عند صديقنا الميكانيكي في منطقة "عين الرمانة"، انتفض أمام ناظريّ مكان يشبه الاستثناء.
دكان يلفت النظر لا بواجهته فحسب، بل بفكرته. هنا "كتابخانة" أو "بيت الكتاب"، كما فسّرته لي سارة القيّمة في غياب قريبتها، مريم ميرزادة .
وسط الضجيج التجاري، تقف كتابخانة، في زمن "الديجيتال" والموبايل واجتياح الذكاء الاصطناعي، كمساحة هادئة تعيد الاعتبار للكتاب الورقي، لشكله ورائحته، ولطقس الجلوس مع القراءة. ما أن تدخل إلى المقهى حتى تخفّ وتيرة الشارع خلفك، وتبدأ نوعًا آخر من العلاقة مع الوقت.
تقول ميرزادة لـ"إقتصادي.كوم": "افتتحنا المقهى الأدبي بفكرة واضحة: أن يكون المقهى في خدمة الكتاب، وأن يحتضن القراء في فضاء يقدّر الثقافة ويحتفي بها. نحن نرفض أي عناصر قد تشوّش على هذا الجو، لا نسمح بالأراكيل أو التدخين إلا في حالات استثنائية لسيكارة فحسب، لأنني أعتبر رائحة الكتاب عطري المفضل، وأريد لها أن تسيطر على المكان".
أضافت ميرزادة: "بالطبع، نسعى لتحقيق توازن بين الجانب التجاري والثقافي. من الناحية الاقتصادية، لم نغفل عن البُعد التجاري، لكن التكاليف مرتفعة جدًا، إذ يبلغ إيجار المحل 3,500 دولار، مع موظفين اثنين، وأنا أغطي الفارق من جيبي الشخصي.
أما على الصعيد الثقافي، فقد لاحظنا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من افتتاح المقهى صدىً واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، مع تزايد أعداد روّادنا من طلاب الجامعات الذين يدرسون وينفذون مشاريعهم هنا ويشعرون بالانتماء للمكان يوميًا. ومع تحسّن حركة بيع الكتب، خاصة الروايات والكتب الفكرية، وبفضل خدمة التوصيل، أصبح المقهى يحقق انتشارًا أوسع ويؤكد مكانته كوجهة ثقافية حقيقية".
الكتب هنا ليست ديكورًا، بل جوهر المكان، والجلسة تشبه مقاهي العمل الهادئة على طريقة ستاربكس، ما دفعني إلى تلقيبها بـ"ستاربوكس" (StarBooks)... قهوة أو شاي، طاولة، هدوء، وقدرة على القراءة أو العمل بلا إزعاج.
"كتابخانة" ليست مشروعًا ثقافيًا خالصًا ولا تجاريًا صرفًا، بل مزيج ذكي بين الإثنين يثبت أن للثقافة مكانًا حتى بين الدكاكين، وأن فنجان قهوة قد يكون مدخلًا للعودة إلى الكتاب… ولو بالصدفة.