اوراق خاصة

من غواتيمالا إلى فنزويلا... تاريخ حافل من تدخلات واشنطن في أميركا اللاتينية

post-img

حسين كوراني

تتسم مراجعة تاريخ العلاقات، بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، بالتدخلات الأميركية السافرة. إذ اتّخذت واشنطن من "مبدأ مونرو"، والذي صِيغ في العام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في المنطقة، ذريعة لها لفرض هيمنتها على هذه الدول؛ بحجة أها ضمن مجال نفوذها.

منذ الحرب الباردة، تصاعدت هيمنة واشنطن تحت عناوين متعددة؛ أبرزها "مواجهة الشيوعية" وحماية المصالح الإستراتيجية. مع إعلان تنفيذ ضربة واسعة في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجه، أُعيد إلى الواجهة تاريخ طويل من العمليات العسكرية والانقلابات المدعومة أميركيًا في القارة.

تصاعدت حدة التهديدات الإمريكية إزاء فنزويلا، بشكل كبير، في الأيام الأولى من هذا العام، فكانت العملية العسكرية التي اعتقلت مادورو، في خطوة أعادت التذكير بسجل طويل من تدخلات واشنطن العسكرية والسياسية في أميركا اللاتينية. هذا الإعلان يأتي في سياق تاريخي؛ لطالما اتّهمت فيه كاراكاس، سواء في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أو خليفته مادورو، الولايات المتحدة بدعمها لمحاولات انقلابية، أبرزها الانقلاب الذي أطاح بتشافيز، دام يومين في العام 2002.

مع تنفيذ هذه العملية التي أطلق عليها اسم "العزم المطلق"، عاد ما يسمّى بـ "عقيدة دونرو"، وهي نسخة محدثة من "مبدأ مونرو"، وتهدف إلى ضمان الهيمنة الأميركية المطلقة ومنع نفوذ القوى الخارجية (الصين وروسيا) في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

لاقت العملية إدانة فورية من دول أميركا اللاتينية، وإدانة واسعة من معظم دول العالم، لاسيما روسيا والصين وكوبا وكولومبيا وإيران، وعدتها انتهاكًا لسيادة فنزويلا وميثاق الأمم المتحدة. في السياق؛ هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتّخاذ إجراءات مماثلة ضدّ دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا والمكسيك، ما يشير إلى استمرار التوّتر في المنطقة.

لم يكن التدخل الأميركي في فنزويلا حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي، حين عدّت القارة "حديقة خلفية" للولايات المتحدة، خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي السابق، وما بعدها.

غواتيمالا 1954 وبداية الانقلابات المدعومة

في 27 حزيران من العام 1954، أطاحت مجموعة من المرتزقة المدعومين من واشنطن بالرئيس الغواتيمالي جاكوبو أربينز غوزمان، بعد إقراره إصلاحًا زراعيًا مسً بمصالح شركة "يونايتد فروت كوربوريشن" الأميركية النافذة. بعد عقود، أقرت الولايات المتحدة رسميًّا بدور وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في هذا الانقلاب، في إطار سياساتها إزاء ما تسمّيه "مكافحة الشيوعية".

كوبا 1961 وفشل "خليج الخنازير"

بين 15 و19 نيسان من العام 1961، حاول نحو 1400 مقاتل كوبي معارض، دربتهم وموّلتهم (CIA)، تنفيذ إنزال عسكري في خليج الخنازير للإطاحة بنظام الرئيس فيديل كاسترو. إلا أن العملية فشلت، وأسفرت المواجهات العسكرية عن مقتل قرابة مئة شخص من الجانبين، لتتحول إلى واحدة من أشهر إخفاقات السياسة الأميركية الخارجية.

جمهورية الدومينيكان 1965 و مواجهة "الخطر الشيوعي"

تحت ذريعة التصدي للشيوعية، أرسلت الولايات المتحدة قوات من مشاة البحرية والمظليين إلى منطقة سانتو دومينغو، في العام 1965، لقمع انتفاضة مؤيدة للرئيس اليساري خوان بوش، والذي كان قد أُطيح به في انقلاب عسكري قبل ذلك بعامين.

سبعينيات القرن الماضي ودعم الديكتاتوريات

خلال السبعينيات من القرن العشرين، دعمت واشنطن أنظمة عسكرية ديكتاتورية في جنوب القارة، واصفة إياها سدًا في وجه المد اليساري.

  1. في تشيلي، ساندت انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه، في العام 1973، ضدّ الرئيس المنتخب سلفادور أليندي.
  2. في الأرجنتين، دعم وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر المجلس العسكري، في العام 1976، في مرحلة عُرفت بـ"الحرب القذرة" التي اختفى خلالها ما لا يقل عن 10 آلاف معارض.
  3. توحدت ست ديكتاتوريات عسكرية في ما عُرف بـ"عملية كوندور" لملاحقة المعارضين اليساريين، بدعم أميركي ضمني.

الثمانينيات وحروب أهلية دامية في أميركا الوسطى

بعد انتصار الثورة الساندينية في نيكاراغوا، في العام 1979، أذن الرئيس الأميركي رونالد ريغان بتقديم دعم مالي وعسكري لقوات "الكونترا" المعارضة، في حرب أهلية، أودت بحياة نحو 50 ألف شخص. كما أرسل مستشارين عسكريين إلى السلفادور لقمع تمرد يساري، في صراع دام أكثر من عقد، وأسفر عن مقتل 72 ألف شخص.

غرينادا 1983 وتدخل سريع مثير للجدل

في تشرين الأول 1983، تدخلت القوات الأميركية في جزيرة غرينادا؛ عقب اغتيال رئيس الوزراء موريس بيشوب، بذريعة حماية مواطنين أميركيين ومنع استخدام مطار الجزيرة لأغراض عسكرية. العملية، والتي أُطلق عليها اسم "الغضب العاجل"، خلّفت أكثر من مئة قتيل وأثارت إدانة واسعة في الأمم المتحدة.

بنما 1989 والإطاحة بحليف سابق

في العام 1989، قرر الرئيس جورج بوش (الأب) التدخل عسكريًّا في بنما للإطاحة بالجنرال مانويل نورييغا، وهو الحليف السابق لواشنطن. شارك في العملية نحو 27 ألف جندي أميركي، وأسفرت عن مئات القتلى وفقًا للأرقام الرسمية، وآلاف الضحايا بحسب منظمات حقوقية. انتهى الأمر بالجنرال نورييغا سجينًا في الولايات المتحدة ثمّ في فرنسا وبنما.

من غواتيمالا إلى فنزويلا، يكشف هذا السجل أن التدخل الأميركي، في أميركا اللاتينية، لم يكن استثناء، بل سياسة متكرّرة بأدوات مختلفة. مع كلّ أزمة جديدة، يعود الجدل حيال حدود هذه التدخلات وتداعياتها على استقرار القارة وسيادتها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد