زينب بزي (صحيفة الأخبار)
سجّل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خسائر هائلة في علاقته مع الدولة، إذ كان يتوجب له في 2019 نحو 3800 مليار ليرة أو ما يوازي 2.4 مليار دولار، ثم صار يتوجب له أكثر من 5400 مليار ليرة أو ما يوازي 60 مليون دولار. السبب يعود إلى تقاعس الدولة عن تسديد التزاماتها المتراكمة وخجل مسؤولي الضمان في مطالبة الدولة بالتسديد الذي اقتصر على زيارات ذات طابع سياسي وإعلامي في كثير من الأحيان من دون خطوات ملموسة لتحصيل هذه الأموال. هذه الخسارة ليست محاسبية أو عابرة، بل لها ترجمة فعلية تنعكس مباشرة على جودة التقديمات للمضمونين وحقهم في الاستشفاء والتقديمات الاجتماعية.
العلاقة بين الدولة والصندوق لا تُظهر أي توجّه إصلاحي جدّي في إطار ما يمكن تسميته «دولة الرعاية الاجتماعية». بالعكس، تكشف الدراسة التحليلية الشاملة لمشروع موازنة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لعام 2026، والتي أعدّتها اللجنة الفنية في الصندوق، عن سياسة منهجية قائمة على ترحيل الالتزامات من سنة إلى أخرى، من دون أي محاولة حقيقية لكسر هذا المسار أو فرض آليات تحصيل. وبذلك، تُنقل كلفة هذا التقاعس إلى الحلقة الأضعف: المضمون، الذي لا يملك أي وسيلة مباشرة للحصول على حقوقه بالاستشفاء والطبابة وغيرها من الخدمات التي يقدمها الصندوق.
وتُظهر الدراسة الحجم الفعلي للمتوجبات غير المسدّدة من قبل الدولة اللبنانية تجاه الصندوق، إذ بلغت في أيلول 2025 ما يوازي نحو 61 مليون دولار أميركي على سعر صرف 89.500 ليرة للدولار الواحد، بعدما كانت تُقدَّر بنحو 2.5 مليار دولار عام 2019 وفق سعر الصرف المعتمد آنذاك، أي ما يشكّل خسارة تقارب 2.4 مليار دولار.
وقد اعتمدت الدولة منذ عام 2017 سياسة التقسيط المتكرر للديون المستحقة للضمان، استناداً إلى قوانين موازنات متتالية، أبرزها موازنات 2017 و2018 و2022، من دون أن يقترن ذلك بأي سداد فعلي أو انتظام في التحويلات.
غير أنّ خطورة هذه الخسارة تكمن في النتائج المترتبة على المضمونين. ولتبيان ذلك، لا بد من النظر إلى توزيع موجبات الدولة على فروع الصندوق؛ إذ تُظهر دراسة اللجنة الفنية أنّ فرع ضمان المرض والأمومة يستحوذ على الحصّة الأكبر من هذه المتوجبات، بنسبة تتجاوز 38% من إجمالي دين الدولة للضمان. وهو الفرع الأكثر حساسية، كونه يموّل الاستشفاء والطبابة والأدوية والعلاجات المزمنة.
وبالتالي، إنّ عدم تحويل مساهمات الدولة إلى هذا الفرع، دفع الصندوق إلى الاستدانة من مدخرات العمال المتراكمة في فرع تعويض نهاية الخدمة، وحرم الصندوق من أحد أعمدة توازنه المالي وأدخله في عجز مزمن انعكس مباشرة على مستوى التغطية وعلى علاقته بالمستشفيات.
فبحسب الأرقام، بلغت متوجبات الدولة لفرع المرض والأمومة نحو 1.8 مليار دولار عام 2019، قبل أن تنخفض إلى 782 مليون دولار في 2020، ثم إلى 241 مليون دولار في 2021، وصولاً إلى 23 مليون دولار فقط في 2025، أي بخسارة تُقدّر بنحو 1.777 مليار دولار. ولا يقتصر الخلل على ذلك.
فالدولة مدينة أيضاً بمساهمات لصالح صندوق تعويضات نهاية الخدمة (6.4%) وصندوق التقديمات العائلية (17.6%). وهي أموال كان يُفترض أن تشكّل احتياطاً يحمي حقوق العمال عند انتهاء خدمتهم. إلا أنّ تراكم المتوجبات غير المسدّدة أضعف هذه الصناديق، وقلّص قدرتها على مواكبة التضخم وتراجع القيمة الفعلية للتعويضات.
في المقابل، اختارت الدولة إدارة هذه المتوجبات عبر التقسيط بدلاً من السداد. فالفوائد التي أُضيفت إلى أصل الدين ضاعفت الأرقام بالليرة، من دون أن يرافقها أي تدفّق نقدي فعلي إلى الصناديق. وهكذا، تحوّلت المتوجبات إلى قيود محاسبية بلا سيولة، فيما بقي الصندوق يواجه عجزاً متفاقماً، ويدفع المواطن الثمن انتظاراً لمعاملة أو موافقة أو تسديد مستحق.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن غياب أي دور فعلي للمسؤولين في الضمان. دراسة اللجنة الفنية تُشير إلى أن الصندوق «تكبّد خسارة حقيقيّة كبيرة، إذ فقدت الأموال المترتبة له على الدولة معظم قيمتها الفعليّة، ما انعكس سلباً على قدرته على تمويل التقديمات الصحيّة والاجتماعيّة للمضمونين وعلى استدامة دوره الاجتماعي». كما أدّى ذلك إلى تحميل الصندوق «فوائد متراكمة أسهمت في تآكل توازنه المالي، خصوصاً في الفروع الأكثر حساسية.
ورغم وضوح هذه المعطيات، لم يُسجَّل أي مسار رقابي فعّال يواكب هذا الخلل. فلا مراجعة لجدوى التقسيط، ولا تحذير علنياً، ولا ضغط مؤسّسياً لربط إعداد الموازنات بتحصيل فعلي للأموال. وبذلك، استمرّ المسؤولون في الصندوق يتعاملون مع الخسائر كوقائع مُدارة، لا كمسار يستوجب التصحيح.