جاد الحاج (لبنان 24)
شهدت المنطقة في الأيام الأخيرة تصاعدًا في حدّة الخطاب الصادر عن أوساط سياسية أميركية محسوبة على التيار الأكثر تشددًا في واشنطن، وفي مقدّمها المعسكر القريب من السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، حيث طالت الانتقادات بشكل مباشر المملكة العربية
السعودية وعددًا من دول الخليج، على خلفية مواقف نُسبت إليها في كواليس القرار الدولي، واعتُبرت عاملًا مؤثرًا في كبح اندفاعة عسكرية واسعة كانت مقرَّرة ضدّ إيران. ويعكس هذا التحول في الخطاب ضيق هامش القبول داخل واشنطن لأي مقاربة إقليمية تُدار من خارج منطق المواجهة المباشرة، بما يوحي بأن معايير الشراكة باتت تُقاس بمدى الانخراط في مسار التصعيد أكثر مما تُقاس بتقاطع المصالح أو حسابات الاستقرار الطويل الأمد.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة، فإنّ هذه المواقف تتجاوز إطار التباين السياسي، إذ تعبّر عن رؤية تعتبر أن أي محاولة لضبط الإيقاع الإقليمي تُقرأ كخروج عن منطق الاصطفاف الكامل مع السياسات الأميركية-"الإسرائيلية"، خصوصًا في لحظة ترى فيها حكومة بنيامين نتنياهو أن توسيع دائرة التوّتر يشكّل أداة ضغط إستراتيجية أكثر فاعلية من التهدئة. من هنا، يُعاد طرح العلاقة مع دول الخليج من زاوية مشروطة، تقوم على مدى التزامها بالأجندة الأمنية المطروحة، بدل أن تُبنى على تقاطع المصالح البنيوية بين الأطراف المعنية.
اللافت في تصريحات غراهام ذهابه إلى توصيف الصراع القائم بوصفه مواجهة ذات طابع ديني مرشّحة لرسم ملامح الشرق الأوسط لقرون مقبلة، في امتداد مباشر للمنطق الذي يربط الشراكات الإقليمية بمدى الالتزام بمسار التصعيد. ووفق المصادر، فإنّ هذا النوع من الخطاب، حين يصدر عن مسؤول يتمتع بثقل سياسي، يتجاوز حدود التحليل النظري ويأخذ طابع الإعلان السياسي عن اتّجاهات يسعى أصحابها إلى فرضها. فاستدعاء البعد الديني في توصيف النزاعات غالبًا ما يُستخدم لإضفاء طابع حتمي على الصراعات، بما يسهّل تبرير سياسات الضغط والعقاب الجماعي، ويحدّ من فرص التسويات السياسية ويفتح الباب أمام مواجهات مفتوحة.
في هذا السياق، تبدو الرسالة الموجّهة أوسع من إيران أو الساحة الفلسطينية، إذ تطال مجمل المنطقة، وتتمحور حول إعادة رسم قواعد التموضع السياسي في مرحلة شديدة الحساسية. حيث إنّ المرحلة المقبلة تُقدَّم بوصفها اختبارًا فعليًا لمواقع الدول وخياراتها الإستراتيجية، إذ يُعاد تصنيف المواقف وفق معيار يقوم على درجة الالتزام بمسار سياسي وأمني محدّد تقوده الولايات المتحدة الأميركية بالشراكة مع "إسرائيل". وضمن هذا الإطار، تُستخدم أدوات ضغط سياسية واقتصادية بدرجات متفاوتة لتوجيه الفاعلين الإقليميين نحو الاندماج في هذا المسار، ودفع المتردّدين إلى إعادة التموضع. ويعكس هذا النهج محاولة لجعل الاصطفاف شرطًا مُسبقًا للاستقرار، وربط الأمن الإقليمي برؤية أحادية، بما يضيّق هامش الاستقلال في القرار الوطني ويعيد إنتاج التوّتر بدل احتوائه.
وسط هذا المشهد، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة، فهي تدرك أن أي انفجار واسع في المنطقة سيطال أمنها واقتصادها ودورها في أسواق الطاقة، كما تدرك في الوقت نفسه أن موقعها في الحسابات الدولية يجعلها عرضة لمحاولات إعادة التموضع القسري. من هنا، يبرز الحديث عن تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على أدوار موازنة، سواء مع روسيا أو الصين، كجزء من إدارة المخاطر لا كخيار تصادمي مع الغرب.
وحين يتحدث سياسي أميركي عن مصير طويل الأمد للمنطقة، فإن القراءة الأبرد تقتضي التعامل مع هذا الكلام بوصفه تعبيرًا عن نيات سياسية أكثر مما هو توصيف لمسار محتوم. فالتاريخ الإقليمي يبيّن أن أخطر المراحل هي تلك التي يُقدَّم فيها الصراع على أنه حتمية سياسية، وتُختزل الخيارات أمام الدول بين الخضوع أو المواجهة المفتوحة.
في ضوء ذلك، يظهر أن جوهر الصراع المطروح يتمحور حول إعادة هندسة التوازنات الإقليمية أكثر مما يتمحور حول مواجهة بعينها. وفي هذا الإطار، يتمثّل الاختبار الفعلي في قدرة دول المنطقة، ولا سيما العواصم العربية، على إدارة التوازن بين متطلبات الاستقرار وضغوط الاصطفاف، وتفادي الانخراط في مسارات تصعيدية طويلة الأمد تُفرض تحت عناوين أمنية أو أيديولوجية، لما تحمله من تداعيات مباشرة على أمن المنطقة واقتصادها ومستقبلها السياسي، وما قد يترتّب عليها من إعادة إنتاج دوّامات صراع تستنزف المنطقة وتُقوّض فرص استقرارها.