اوراق مختارة

حين يفشل الزوجان يتحوّل الأطفال لوقود صراعهما

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

بعد سنوات من الحياة المشتركة، وحين يفشل الزوجان في الحفاظ على قنوات التواصل بينهما، يصبح الانفصال واقعا لا مفر منه، ويتحول الخلاف تدريجيا إلى صراع مفتوح، فيجد الأطفال أنفسهم في قلب المواجهة، لا كضحايا صامتين فحسب، بل كأدوات ضغط وورقة تفاوض، تستخدم للسيطرة أو الابتزاز، أو حتى للانتقام المتبادل.

هو سلوك يعرف في الأدبيات النفسية بمصطلح الاغتراب الوالدي (ParentalAlienation)، ويعد شكلا من أشكال الإساءة النفسية للأطفال عندما يكون مقصودا وممنهجا، لما يخلفه من تداعيات خطرة على نموهم النفسي وعلاقاتهم المستقبلية، ويسهم في إعادة إنتاج العنف والتفكك داخل الأسرة والمجتمع على حد سواء.

وفي لبنان كما في العديد من البلدان العربية، لا يعد الطلاق سواء كان قانونيا أو نفسيا مجرد نهاية علاقة زوجية، بل حدثا اجتماعيا ونفسيا، يمس هوية الأسرة واستقرار الأطفال، خاصة في بيئة تتصاعد فيها التوترات الأسرية، وتغيب فيها غالبا آليات الدعم النفسي والاجتماعي الكافية.

الأطفال يتأثرون نفسياً وعاطفياً بصراعات الاهل

المستشارة التربوية والنفسية في جمعية "إثراء لبنان" سمر رحمة، أوضحت لـ"الديار" أن "الصراع بين الزوجين بعد الانفصال أو الطلاق، يفعل آليات دفاعية طبيعية في الدماغ تجاه التهديدات، سواء كانت موجهة نحو الشخص نفسه أو نحو الآخرين بما في ذلك الأطفال". وتستند في شرحها إلى كتاب The Whole Brain Child من تأليف Daniel J. Siegel, MD وTina Payne Bryson, PhD، الذي يوضح أن الدماغ يعمل في ثلاثة أوضاع دفاعية أساسية:

ـ القتال (Fight): يدفع الشخص إلى الهجوم أو المواجهة دفاعا عن نفسه.

ـ الهروب (Flight) : يجعله يبتعد عن الموقف حفاظا على الأمان، وقد يظهر ذلك بالانغماس في العمل أو الانشغال بأنشطة تلهيه عن الصراع، أو الانجراف نحو سلوكيات إدمانية أو اهتمامات مفرطة.

ـ التجمد (Freeze): يمنع الشخص من أي حركة، ويجعله مشلولا مؤقتا أمام الموقف، عاجزا عن التصرف واتخاذ أي موقف أو قرار في مواجهة الصراع.

وتشير إلى أن "هذه الاستجابات الطبيعية قد تتحول أحيانا إلى سلوكيات ضارة للأطفال، عندما يستخدمون كأدوات ضغط أو ورقة تفاوض بين الأهل. فالأطفال يتأثرون نفسيا وعاطفيا بهذه الصراعات" .

وتلفت الى انه "عند الطلاق تبرز الحاجة إلى الوعي والنضج أكثر من الزواج نفسه، خصوصا عندما يكون هناك أطفال، ومن المهم أن يفهم الأطفال أن فشل العلاقة بين الأهل، لا يعني أنهم السبب، وأن كل والد يحتفظ بدوره كأب أو أم دون أن يشبك الآخر في خلافاته"، مضيفة "الأطفال غالبا ما يشعرون بالذنب أو بالعار، معتقدين أنه لو لم يكونوا موجودين لما حصلت المشاكل، لذا من الضروري أن يوضح الأهل لهم أن هذه الخلافات لا تخصهم، وأنهما سيستمران في أداء أدوارهما تجاههم".

صنف موقع "Data Bandaz" لبنان في المرتبة السادسة، من حيث ترتيب معدلات الطلاق في الدول العربية لعام 2024 بنسبة 1.6 لكل ألف شخص، فيما تصدرت ليبيا القائمة بنسبة 2.5 بالألف، وأتت قطر في ذيلها بنسبة 0.7 بالألف.

وقد أشار الباحث محمد شمس الدين في تقارير عديدة إلى أن عدد حالات الطلاق في لبنان لعام 2024 بلغ حوالى 5,894 حالة.

القرارات القضائية تراعي مصلحة الطفل

وتؤكد رحمة على "أهمية أن يتعاون الأهل في القرارات المتعلقة بالأطفال، مثل الاجتماعات المدرسية والقرارات اليومية، ليشعر الأطفال أن الأهل مسؤولون معا بعيدا عن النزاعات الشخصية"، لكنها تحذر من "أن الخلافات قد تتصاعد بعد الطلاق، خصوصا عند تدخل المحامين أو الإجراءات القانونية، حيث ينسى الأهل أحيانا وجود الأطفال والعائلة، ويركزون على من سيكون "الأقوى" أو من "سيأخذ أكثر"، مما يزيد الضغط النفسي على الصغار".

وفي ما يتعلق بحضانة الأطفال بعد الطلاق، توضح أن "القرارات القضائية تراعي مصلحة الطفل، وتشمل وضعه والتقارير النفسية والطبية"، مشيرة إلى أن "الحضانة عادة تبقى مع الأم في السنوات الأولى، ومع بلوغ الطفل 18 عاما يؤخذ رأيه في مكان العيش، بينما يحق للوالد غير الحاضن زيارات منتظمة، لضمان استمرار العلاقة بين الطفل وكلا الوالدين، بعيدا عن النزاعات".

دور القانون للحضانة أو الزيارة

مصدر حقوقي اكد انه "رغم توقيع لبنان على اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص في المادة الثالثة على أن يكون "الاعتبار الأول لمصلحة الطفل الفضلى" في كل القرارات المتعلقة بالأطفال، فإن القوانين الحالية للأحوال الشخصية التي تطبق عبر المحاكم الدينية الطائفية، لا تضمن هذا المبدأ بشكل واضح، وهذا ما أشارت إليه منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقارير حقوقية".

وأشار المصدر الى ان "هذه القوانين تتيح في معظم الطوائف سلطة تقديرية واسعة للقاضي، دون نص قانوني صريح يحدد كيفية حماية مصلحة الطفل، كما أن النظام القانوني لا يعترف عموما بالحضانة المشتركة، بل يعتمد في الغالب على سن الحضانة التقليدي، بدلا من تقييم شامل لاحتياجات الطفل النفسية والاجتماعية"، مضيفا "ان ذلك قد يؤدي إلى استغلال القرارات المتعلقة بالحضانة أو الزيارة، في نزاعات الأهل كوسيلة ضغط، بدل أن تستخدم لحماية الطفل وضمان استقراره، مما يضعف فعالية مصلحة الطفل الفضلى في التطبيق العملي".

الوقاية والتوعية

من هنا، تؤكد رحمة على "ضرورة المتابعة النفسية للأطفال، لضمان قدرتهم على التعامل مع الصراعات الأسرية، دون تأثيرات سلبية طويلة الأمد في صحتهم النفسية"، مضيفة "إن بعض الحالات تتجاوز الخلافات العادية، وتشمل التعرض للعنف الجسدي أو الضغوط النفسية الصامتة، حيث يشهد الأطفال أحيانا ممارسات إساءة مباشرة أو غير مباشرة بين الأهل، دون أن يكون لديهم القدرة على التعبير عنها أو طلب المساعدة".

وأكدت أن "هذه الصدمات تتفاقم في مجتمع يعاني من تراكم الأزمات، إضافة إلى الثقافة التي تجعل من الصعب على الأفراد الاعتراف بالحاجة إلى دعم نفسي أو اجتماعي"، مضيفة أنه "في هذه الظروف يعبر الأطفال عن ضغوطهم النفسية، من خلال سلوكياتهم اليومية، سواء بالانزواء اوالانفعال او التراجع الدراسي، وأحيانا بسلوكيات مؤذية، ما يعكس شعورهم بعدم الراحة وعدم الأمان".

وتشير إلى أن "الوقاية والتوعية أساسيتان قبل الوصول إلى النزاع الرسمي، لتقليل أضرار الطلاق، خصوصا عند تراكم المشاكل، مثل الخيانة المرض أو تراكم الصراعات اليومية بين الزوجين على مدى سنوات"، مضيفة "بعض الطوائف مثل المسيحية تعتمد آليات صلح قبل اللجوء إلى القضاء، حيث يحاور كل طرف على حدة، ويسعى لإيجاد حلول قبل تصاعد الخلافات. لذا من المهم إقامة حملات توعية على مستوى البلديات والكنائس والجمعيات المجتمعية، لتقديم دعم تدريبي واستشارات للزوجين، ومساعدتهم على التعامل مع المشاكل قبل أن تتفاقم".

وترى أن "غياب هذه الوقاية يزيد من صعوبة الحياة في لبنان، خاصة في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ما يؤدي إلى اتساع "الجروح" الأسرية، ويؤثر في العلاقات بشكل مباشر مع الأطفال كأكثر المتأثرين".

دور للمدرسة

وتؤكد على أن "الأمر لا يقتصر على الأهل المباشرين فقط، بل يشمل جميع أفراد العائلة الممتدة (الجدود الخالات العمات والأعمام). فالحديث السلبي عن الأم أو الأب أمام الأطفال، يمكن أن يكسر صورة الوالدين في ذهن الطفل، ويؤدي إلى مشاكل نفسية طويلة الأمد. وهذا الغضب المتراكم قد يظهر لاحقا في سلوكيات مؤذية للنفس، مثل العزلة والوحدة أو إيذاء الذات، وقد يمتد تأثيره إلى علاقات الطفل المستقبلية وزواجه وحياته الاجتماعية"، مضيفة "من الضروري توعية كل المحيط العائلي، بعدم توجيه أي انتقاد أو كلام سلبي تجاه أي من الوالدين أمام الأطفال، حفاظا على سلامتهم النفسية وصحتهم المستقبلية".

وتشير "إلى الدور الحاسم للمدرسة في دعم الأطفال المتأثرين بالطلاق، مؤكدة إلى أنه "عندما يواجه الطفل صعوبات في البيت، قد ينعكس ذلك على أدائه الأكاديمي وسلوكه مع الأساتذة وعلاقاته الاجتماعية، وحتى على صحته النفسية والجسدية. لذلك يجب أن تكون المدرسة شريكا فاعلا، عبر متابعة الطلاب وتقديم الدعم الأكاديمي والنفسي، ومراقبة أي تراجع أو صعوبات مع العمل، بالتنسيق مع الأهل، ومعرفة أي قرارات قضائية قد تؤثر في وجود الطفل". وختمت رحمة " يمكن للمدرسة منح وقت إضافي للطلاب المتأثرين، أو تقديم دعم فردي ومرافقة نفسية عند الحاجة، لضمان قدرتهم على تجاوز الصراعات الأسرية، دون تأثير سلبي طويل الأمد في تطورهم".

في النهاية، الاطفال ليسوا ملك الاهل، ولا أدوات للسيطرة أو الانتقام، بل هم المستقبل الذي يستحق الأمان والحماية، بعيدا عن صراعات الاب والام. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد