إبراهيم الأمين (الأخبار)
في ما تتصاعد الضغوط "الإسرائيلية" على لبنان، يبدو أن الجانب الأميركي يتّجه ليكون أكثر انحيازًا من أي وقتٍ مضى إلى مطالب العدو. بالنسبة إلى فريق المقاومة، لا جديد في هذا المسار. إذ إن الولايات المتحدة لم تقف يومًا في وجه ما تريده "إسرائيل"، كما إن تجربة العام الماضي، وطريقة التعاطي مع تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، أكّدتا بوضوح أن واشنطن تقف خلف "إسرائيل" في كلّ تفصيل. أما الحديث عن تلميحات أو ملاحظات قيلت هنا أو هناك، فلا يغيّر شيئًا في جوهر الواقع القائم.
في المقابل، هناك في لبنان فريق يزداد التصاقًا بالجانب الأميركي، ويعيش حالة ذعر مبنيّة على قناعة مفادها أن من يواجه دونالد ترامب محكوم عليه بالاختفاء عن وجه الأرض. وثمة نزعة استسلامية تعطي طابعًا من القدر المحتوم على كلّ من يخالف إرادة ساكن البيت الأبيض.
عندما جاء توم براك إلى لبنان بصفته مبعوثًا، راهن كثيرون على أن أصوله اللبنانية قد تفتح نافذة على فهمٍ أميركي مختلف. وذهب البعض إلى المقارنة بين خطابه وما اعتاده السياسيون في لبنان من مواقف كانت سفارة عوكر تتولّى التعبير عنها في معظم الأحيان. ولاحقًا، أظهر براك امتعاضه من طريقة عمل فريق السفارة، معتبرًا أن التفويض الممنوح له يتجاوز الإطار الديبلوماسي التقليدي، وهو ما ينسحب عمومًا على معظم مساعدي ترامب القادمين من خارج الإدارة. غير أنّ براك نفسه سرعان ما وجد في الإطار نفسه.
فبات ينتقد "إسرائيل" في جلساتٍ ضيّقة، لكنّه حين يُحشر في النقاش، يعود ليكرّر اللازمة المعروفة منذ زمن طويل: نحن غير قادرين على الضغط على "إسرائيل"، وبعد 7 أكتوبر، لا أحد في واشنطن يناقش "إسرائيل" في أمنها. وعلى اللبنانيين أن يفهموا ذلك ويسيروا معنا في مشروع الاتفاق مع إسرائيل!
براك نفسه، الذي عانى مع الإسرائيليين في سورية، كان يفترض أن مورغان أورتاغوس تقوم بمهمات لا تدخل ضمن اختصاصها. وقد تعمّد، أمام مسؤولين لبنانيين، الإشارة إليها بوصفها "المساعد التقني" في فريق المبعوثين الأميركيين، ثمّ جزم لاحقًا بأنها مكلّفة بالتنسيق الميداني مع لجنة "الميكانيزم"، وأنها، كما تحضر لعقد جلسات نقاش مع قيادة الجيش في لبنان، تقوم بالأمر نفسه في كيان العدو، علمًا أنها كانت تزور قاعدة قيادة المنطقة الشمالية في صفد، حيث بات الضباط الأميركيون يحضرون إلى جانب ضباط جيش الاحتلال.
ومع مرور الوقت، لفت براك انتباه المسؤولين في لبنان إلى أنّ الرئيس دونالد ترامب قرّر تفويض السفير ميشال عيسى بصلاحيات واسعة. ورغم أن براك وأورتاغوس يتحدّثان عن عيسى بنبرة لا تخلو من الاستخفاف، راهن الأخير مسؤولين لبنانيين بأنّهم لن يسمعوا كثيرًا بعد الآن لا ببراك ولا بأورتاغوس.
ومرّة جديدة، تعامل كثيرون في بيروت على أنّ تولّي ميشال عيسى الملف اللبناني، مع قناة اتّصال خاصة تربطه مباشرة بترامب، قد يشكّل عاملًا مساعدًا، انطلاقًا من كونه "أكثر لبنانية" من براك، ولا يزال يحتفظ بذاكرة حيّة عن لبنان وأحواله. ورغم دخوله سريعًا في لعبة "الغدوات والعشوات" التي يتقنها اللبنانيون، فإنّه لم يُظهر أي تمايز يُذكر عن سائر الديبلوماسيين الأميركيين.
بل على العكس، بدا مع مرور الوقت معنيًا بإثبات جدارته أمام إدارته، فراح يناقش المسؤولين في لبنان بنبرةٍ تنطوي على قدرٍ من الفوقية، وبأسلوب أقرب إلى منطق "أنا أعرفكم جيدًا، فلا تناوروا". وفي الوقت نفسه، تبنّى المطالب "الإسرائيلية" على نحوٍ أدّى إلى خلق مناخٍ متوتّر بينه وبين قيادة الجيش، وصل في لقاءين على الأقل إلى ارتفاعٍ في حدّة النقاش. وصحيح أن ارتفاع الصوت لا يعني الصراخ، إلا أنه يعكس قناعة لدى الرجل بأن على قائد الجيش أن يستمع إليه وأن يلتزم بما يطلبه منه.
ولا يقتصر التبنّي الأميركي لوجهة النظر "الإسرائيلية" على مسألة نزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانية فحسب، بل يمتدّ ليشمل الترتيبات الأمنية، سواء لناحية العمل على إخراج قوات الأمم المتحدة في أسرع وقت من قاعات الاجتماعات، بما يدفع عمليًا إلى التعامل مع "الميكانيزم" على أنها لجنة غير فاعلة، من أجل الانتقال مباشرة إلى إطارٍ مختلف. وفي هذه النقطة تحديدًا، يتّضح أن الأميركيين يحملون تصوّرًا يقود عمليًا إلى ما يأتي:
أولًا: لا ضرورة لوجود آلية عسكرية موسّعة لتنسيق الشؤون الميدانية، إذ يمكن للجانب العسكري الأميركي أن يتولّى بنفسه مهمّة التنسيق المباشر بين العسكريين في "إسرائيل" ولبنان لمعالجة ما يعتبرونه "مشكلة". وفي هذا الإطار، فإن القوات الدولية ليست في موقع يمكّنها من أداء أي دورٍ فاعل أو خاص، ما يجعل وجودها غير ضروري.
ثانيًا: المفاوضات الفعلية التي يمكن أن تقود إلى تسوية كبرى هي، بطبيعتها، مفاوضات سياسية، ويُفترض أن تتولاها جهات تمثّل الحكومتين.
ومن هذا المنطلق، وبما أن لبنان الرسمي كسر حاجز المشاركة المدنية في الحوار المباشر مع "إسرائيل" حين اختار السفير سيمون كرم لترؤّس وفده إلى لجنة "الميكانيزم"، فإن الوقت قد حان ليتقدّم لبنان خطوة إضافية إلى الأمام، بتكليف الحكومة وزيرًا للمشاركة في لجنة تفاوض ثلاثية، تضمّه إلى وزير يمثّل حكومة الاحتلال، على أن تكون الرعاية أميركية. وهذه المفاوضات لا يفترض أن تُعقد في الناقورة، باعتبار أنها ليست مهمّة تقنية، بل سياسية بامتياز، ما يستدعي اختيار مكانٍ آخر. وهنا، يتحدّث الأميركيون عن "التجربة السورية" كنموذج.
وفقًا لهذه التصوّرات، فهم المسؤولون في لبنان أنّ برنامج الإطاحة بلجنة "الميكانيزم" يسير بوتيرة متسارعة. والخطير في الأمر ليس الدفع نحو مفاوضات سياسية تستهدف اتفاقًا شاملًا مع العدو، بل في محاولة فرض قبولٍ لبناني بالأمر الواقع الجديد لجهة التعامل مع القرار 1701 وكأنه بات من الماضي، ومع اتفاقية الهدنة الموقّعة عام 1949 كأن الزمن تجاوزها، في ما تفرض الوقائع الراهنة منطقًا مختلفًا، إلى حدّ أن اتفاقية 17 أيار نفسها لم تعد هدفًا. ولتخفيف وطأة هذا المسار على جماعتهم في لبنان، يعمد الأميركيون إلى تسويق مقاربة مرحلية مفادها: حسنًا، فلنبدأ أولًا باتفاقٍ أمني ذي إطارٍ سياسي، ولنؤجّل البحث في الأفكار الأخرى المتعلّقة بالسلام والتطبيع والتعاون إلى مراحل لاحقة.
عمليًا، وحتّى لا يبقى مسلسل "الضحك على الذقون" شغّالًا كما يحلو لأركان الدولة عندنا أن يفعلوا، فإن المطلوب أميركيًا من لبنان اليوم لا يقلّ عن إعلانٍ رسميّ بأن "إسرائيل" لم تعد عدوًا. وبناءً على ذلك، يُفترض بلبنان الالتزام بتأمين متطلبات الأمن على الحدود الجنوبية وفي كامل أراضيه، بما يقود تلقائيًا إلى اعتبار المقاومة فعلًا غير مشروع، وغير منصوص عليه في القوانين أو في الدستور، وصولًا إلى توصيف المقاومة على أنها "منظمة خارجة عن القانون"، بما يجعل من السهل تجريم كلّ ما يتصل بها، فكرًا ومؤسساتٍ وأفرادًا.
وبحسب الفهم الأميركي، فإن موافقة لبنان الرسمي على هذا المسار تُعدّ مفتاح المرحلة الثانية من عملية نزع السلاح. أي إن الحكومة اللبنانية، حين تعلن انتهاء حالة العداء مع "إسرائيل"، لن تكتفي بحذف كلمة "العدو" من نصوصها وخطابها، بل ستسعى عمليًا إلى نزع روح كلّ من يفكّر بالعداء ل"إسرائيل"، قولًا أو فعلًا أو بأي شكلٍ آخر.
مشكلة أهل الحكم عندنا لا تكمن في سوء فهمهم لهذه المسألة، بل في قناعة بعضهم بأنها "خيار واقعي وعقلاني" ينبغي السير به. وهؤلاء لا يلتزمون فقط بما تريده الوصاية التي أوصلتهم إلى مواقعهم، بل يراهنون أيضًا على متغيّرات أكبر في الإقليم والعالم، تجعل مقاومة الإرادة الأميركية ضربًا من الخيال.
غير أن هؤلاء، على ما يبدو، لا يتعلّمون من دروس التاريخ، ولا يدركون أن مثل هذه الخيارات لا تُنفّذ إلا عبر حروب أهلية ودمار واسع يصيب الناس والمؤسسات. وهي خيارات أقرب إلى عملية انتحارية، لا تودي بأصحابها وحدهم، بل تُلحق الخراب بكلّ أبناء البلد.