اوراق مختارة

التعليم في خدمة الإنسان

post-img

عدلا سبليني زين \ رئيسة الهيئة الوطنية للطفل اللبناني  (صحيفة الديار) 

يُقال إنّ "العلم نور والجهل ظلام"، وهي مقولة تختصر جوهر التنمية ومعنى الكرامة الإنسانية. فالتعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعارف، بل هو سبيل للحرية، وجسر يعبر به الإنسان من التهميش إلى المشاركة، ومن العجز إلى التمكين.

نرى أنّ اليوم الدولي للتعليم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو دعوة صادقة للتأمل في موقع الإنسان ضمن مشروع التنمية الشاملة، وفي مدى وفاء المجتمعات بالتزاماتها تجاه الأجيال القادمة. فالتعليم هو الأساس المتين لبناء عالمٍ يسوده الإنصاف، بما يحقق التوازن بين القانون وحقوق الأفراد.

إنّ التعليم من أجل التنمية المستدامة ليس شعارًا نظريًا، بل مشروع حضاري يهدف إلى إعداد إنسانٍ قادر على التفكير النقدي والإبداعي، متسلّح بالعلم، ومؤمن بمسؤوليته تجاه مجتمعه وبيئته. فالمناهج التي تدمج مبادئ الاستدامة تُسهم في غرس قيم المواطنة، وتدفع نحو أنماط حياة تراعي التوازن بين حاجات الإنسان وحقوق الطبيعة. فالتعليم هو بذرة الاستدامة، وبدونه لا يمكن أن تزهر العدالة ولا أن يثمر التقدّم.

لقد أثبتت التجارب أنّ الأمم لا تُقاس بثرواتها الطبيعية فحسب، بل بعقول أبنائها ومدى قدرتهم على تحويل المعرفة إلى تنمية. فبقدر ما نستثمر في التعليم، بقدر ما نبني مجتمعًا قادرًا على حماية أجياله المقبلة. فالتعليم المستدام لا يصنع الكفاءات فقط، بل يصنع الوعي الإنسانيّ والاجتماعي، ويُعيد بناء منظومة القيم على أسس المسؤولية والاحترام المتبادل.

إنّ الحق في التعليم هو حق أصيل، لا يسقط بالتقادم ولا يتأثر بالأزمات، وهو حق مكفول بموجب المواثيق الدولية والقوانين الوطنية. ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة من دون تشريعات وسياسات تضمن التعليم المجاني والعادل والمتاح للجميع، بما يشمل الفتيات والأطفال وخاصّة في المناطق المهمّشة واللاجئين وذوي الاحتياجات الخاصة. فعندما يُحرم الطفل من التعليم، يُحرم المجتمع من مستقبله، وتُنتَهك أسمى مبادئ العدالة. إنّ العدالة التعليمية تمهّد الطريق لعدالة اقتصادية واجتماعية، فهي المنطلق لكل إصلاح حقيقي.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يُمثّل التعليم خط الدفاع الأول عن حقوق الطفل والإنسان. إنه أداة لبناء السلام، ومصدر للقوة المجتمعية، ودرع يحمي من الجهل والتطرف والعنف. فبالتعليم تُبنى جسور الثقة بين الإنسان ومجتمعه، وبين المواطن ومؤسساته. فالتنمية لا تُستورد، بل تُصنع في عقول المتعلمين وفي ضمائر المربين. لنجعل من كل مدرسة منارة، ومن كل معلم رسول معرفة، ومن كل متعلم مشروع تغيير إيجابي في محيطه.

وفي الختام، يمكن القول إنّ التعليم هو أعظم استثمار في الإنسان، وأسمى وعد يمكن أن تقدمه دولة لأبنائها. يُقال إنّ "من فتح مدرسة أغلق سجنًا"، فليكن التعليم رسالتنا الدائمة، وطريقنا نحو بناء عالمٍ تُضيئه العدالة ويُظلله السلام.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد