أوراق سياسية

تحشيد وتهديد متبادلان.. أميركا - إيران: عتبة الحرب

post-img

يحيى دبوق (الأخبار)

من التحشيد العسكري في مياه الخليج، إلى الخطاب الرسمي الذي يرتفع سقفه يومًا بعد يوم، يوحي المشهد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران بأن المواجهة العسكرية باتت شبه محتومة. ومع ذلك، فإن ما يحدث حاليًا، وما يمكن أن يحدث لاحقًا، يبقى غامضًا ومحفوفًا بتقديرات متناقضة. وفي حين يبدو أن واشنطن، بعدما لمست أن التهويل وحده لا يجدي، انتقلت إلى تصعيد تهديداتها عبر مناورات عسكرية ممتدّة، ونشر قدرات دفاعية وهجومية إضافية، ورفع سقف الخطاب التهويلي، ترفض طهران أيّ تنازل قد يُفهم على أنه استسلام، وتصرّ على أن كلفة المواجهة، مهما كانت مؤلمة، تظلّ أقلّ من كلفة القبول بشروط تُفرض تحت التهديد. ولا يعكس هذا الجمود على حافة الحرب، تردّدًا من الجانبين فحسب، بل وأيضًا وجود إستراتيجية معقّدة؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض إطار تفاوضي محدّد النتائج مُسبقًا، بينما تراهن إيران على أن الصمود سيجبر عدوها على التراجع، وخفض سقف توقّعاته.

لكن في ظلّ هذا الجمود الظاهري، تتحرّك دبلوماسية خفية، عبر أكثر من قناة، تركية وعُمانية وقطرية، تهدف إلى تفادي الحرب بتسوية جزئية. إلا أن واشنطن تستخدم هذه القنوات لاختبار مدى مرونة طهران وإمكان انصياعها، من دون التنازل عن شروطها العلنية، في حين تسخّرها الأخيرة لإظهار جاهزيتها للردّ، وإيصال رسالة بأن أيّ اعتداء سيكلّف الولايات المتحدة غاليًا. وطالما استمرّت المفاوضات غير المُعلنة تلك، فسيبقى الوضع على عتبة الحرب، خاصة أن التصعيد ليس هدفًا بذاته، بل وسيلة لتحسين الموقف في مفاوضات لاحقة. لكن إذا تعثّرت هذه الجهود، خصوصًا على خلفية سوء تقدير أحد الطرفَين لموقف الطرف الآخر، فقد تلجأ الولايات المتحدة إلى تفعيل الخيارات العسكرية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حربًا كلاسيكية واسعة النطاق كما في أفغانستان أو العراق.

وفي هذا الإطار، تُتداول في الأوساط الأميركية سيناريوات متعدّدة: من بينها، أوّلًا، ضربة رمزية تستهدف بنية تحتية حسّاسة أو شخصية بارزة، وذلك بهدف إشعال غضب شعبي داخلي يعيد الجماهير إلى الشوارع، ومن ثمّ تحويل هذا الغضب إلى قوة دفع في اتّجاه تفكيك النظام؛ ثانيًا، عملية خاطفة صاعقة ومركّزة، تهدف إلى شلّ قدرة القيادة الإيرانية على اتّخاذ القرار، على غرار فنزويلا، حيث يُفترض أن الصدمة قد تدفع النظام إلى الخضوع أو تؤدّي إلى أنهياره؛ وثالثًا، سلسلة ضربات محسوبة ضدّ مواقع عسكرية أو استخباراتية، ترمي إلى خلق حالة من التضعضع لدى صانع القرار، بما يفتح الباب أمام تراجع تفاوضي. كلّ هذه الخيارات تتقاطع عند مشترك واحد، هو أن استخدام القوّة ليس غاية بذاته، بل محرّك سياسي؛ لكنّها جميعًا تنطلق من افتراض أن النظام الإيراني سينهار أو يلين تحت الضغط. وهو افتراض لا تؤكّده التجارب السابقة، بل تثبت نقيضه؛ فالضغط العسكري الخارجي دائمًا ما يوحّد الداخل الإيراني، حتّى لو كان هذا الأخير مُشبعًا بالخلافات.

ما يحول دون خروج الخيارات العسكرية إلى حيّز التنفيذ، حتّى الآن، هو تقديرات واشنطن لكلفة تلك الخيارات ربطًا بقرار إيران الردّ على أي عدوان وقدرتها على ذلك وأيضًا الجدوى والنتائج وفقًا ما تقدّرها محافل الاستخبارات الأميركية. على أن ما يصعّب استشراف الآتي، أن ترامب لا يتخّذ قراراته العسكرية بناءً على تقديرات "البنتاغون" أو توصيات الاستخبارات، وإن كان يستمع إليها، بل وفقًا لحساباته السياسية وغرائزه الشخصية، إذ يدل تاريخه على استعداده لتجاهل المشورة الأمنية التقليدية عندما يرى أن خطوة جريئة، حتّى لو كانت محفوفة بالمخاطر، يمكن أن تعزّز صورته كرئيس "مقتدر لا يُقهر".

وفي سياق التصعيد الحالي مع إيران، قد ينظر ترامب إلى الضربة العسكرية ليس كخيار إستراتيجي مدروس، بل كأداة لإثبات القوّة أو كوسيلة لفرض موقف تفاوضي عبر الصدمة. ولذلك، فإن أي تحليل يفترض أن هذا الخيار مرتبط حصرًا بجاهزية الجيش أو دقة المعلومات الاستخباراتية، يغفل العامل الأهم، وهو أن القرار النهائي في واشنطن اليوم، لا ينبع من غرف التخطيط والعمليات فحسب، بل من غرفة الرئيس نفسه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد