معتز منصور/ باحث سياسي
لم يكن النظام الدولي، والذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، نظامًا محايدًا ولا قائمًا على القواعد لذاتها، هو بنية مركبة، جمعت بين الهيمنة الأميركية الصلبة وشرعية مؤسسية ناعمة وفرتها المنظمات الدولية. الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية واليونسكو، لم تكن أطرافا مستقلة عن ميزان القوة، هي أدوات لتنظيمه وضبطه، تمنحه قابلية الاستمرار، وتخفض كلفته السياسية والأخلاقية. ما فعله دونالد ترامب لم يكن تفكيك هذا النظام من جذوره، إنما هو نزع القناع عنه، وحوّل الهيمنة من ممارسة مغطاة بالمؤسسات إلى فعل مباشر عار من الوساطة.
انسحاب الولايات المتحدة، في عهد ترامب، من منظمة الصحة العالمية ومغادرتها اليونسكو وتخفيضها دعم وكالات دولية أساسية وانسحابها الكلي من الاتفاق النووي الإيراني، لا يمكن قراءته في سلسلة قرارات متفرقة أو نزوات شخصية. هذه الخطوات كانت تعبيرًا صريحًا عن تحول في تصور القوة ذاته. لم تعد واشنطن ترى في المنظمات الدولية أصولًا استراتيجية تعزز نفوذها طويل المدى، بل قيودًا بيروقراطية وأخلاقية تحد من قدرتها على الضغط السريع والابتزاز المباشر.
غير أن الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا يتمثل باختزال هذا التحول في شخص ترامب. في الواقع؛ الرجل لم يبتكر هذه الأدوات، هو ورثها ووسع استخدامها؛ في: عسكرة الدولار، العقوبات العابرة للقانون الدولي، تسييس النظام المالي العالمي، التدخلات خارج مظلة الشرعية الدولية.. كلها سبقت ترامب بسنوات. الجديد لم يكن الممارسة، بل التخلي الصريح عن ادعاء الالتزام بالقواعد. هنا تكمن القطيعة الحقيقية، لا في السياسات ذاتها، إنما في الخطاب الذي كان يسوغها ويمنحها غطاء أخلاقيًا.
هذا التحول كانت له كلفة مباشرة على الولايات المتحدة نفسها. إذ إن القوة التي تعمل بلا غطاء مؤسسي تصبح تكلفتها أعلى واستدامتها أقل. الحلفاء الذين قبلوا لعقود بالقيادة الأميركية لم يفعلوا ذلك خوفًا، هم أيضًا رأوا فيها شريكًا يمكن التنبؤ بسلوكه. مع تآكل هذا العامل، بدأت عملية تحوط صامتة.
أوروبا لم تتحول إلى قطب مستقل، لكنها شرعت في تخفيف اعتمادها النسبي، بتعزيز التنسيق الداخلي ومحاولات بناء أدوات مالية بديلة، والسعي إلى استقلال محدود في ملفات الطاقة والتجارة، على الرغم من القيود البنيوية التي تكبح هذه المساعي.
في المقابل، لا يمكن التعامل مع المنظمات الدولية بوصفها ضحية بريئة. أزمتها الحالية ليست فقط نتيجة الانسحاب الأميركي، هو أيضا نتاج تصميمها الوظيفي الأصلي. هذه المؤسسات لم تُبن لتكون مستقلة عن القوة المهيمنة، إنما لتعمل في ظلها وتخدم استقرارها. حين تتراجع الهيمنة أو تنسحب من دور الراعي، تظهر هشاشة هذه المنظمات، لا لفشلها في إدائها، بل لأن وظيفتها التاريخية قد استنفدت. الفراغ الذي نشهده اليوم ليس طارئًا، هو نتيجة منطقية لانتهاء مرحلة بكاملها.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن إحياء النظام الدولي القائم على القواعد ضربًا من الحنين السياسي. إذ لا يمكن إعادة نظام صمم لزمن أحادي القطبية، في عالم يتجه بثبات نحو تعدد مراكز القوة. القوى المتوسطة التي يكثر الحديث عنها (كندا واليابان وألمانيا وأستراليا) لا تسعى فعليًا إلى موازنة الولايات المتحدة، ولا تملك الأدوات اللازمة لذلك. ما تقوم به هو إدارة المخاطر وتنويع الشراكات وبناء شبكات مرنة تقلل من الارتباط الأحادي، من دون أوهام الاستقلال الكامل.
كما يبقى التحليل ناقصًا إذا لم يوضع الاقتصاد السياسي في قلبه. إذ إن الولايات المتحدة، على الرغم من انسحابها من عدد من المنظمات الدولية، عززت في المقابل هيمنتها المالية. الدولار ما يزال العملة الاحتياطية الأولى، النظام المصرفي العالمي ما يزال خاضعًا لرقابة أميركية مشددة، والعقوبات تحولت إلى إداة يومية لإعادة تشكيل سلوك الدول. هذا التناقض جوهري. واشنطن تتخلى عن الشرعية المؤسسية، لكنها تعوض ذلك بضغط اقتصادي أشد قسوة، يمنحها نفوذًا فوريًا، لكنه يسرع في الوقت نفسه البحث العالمي عن بدائل.
بناء لذلك؛ا تداعيات إضعاف الثقة في المنظمات الدولية لا تصيب هذه المؤسسات وحدها، إنما تعيد تشكيل علاقات الدول ببعضها البعض. أوروبا، على سبيل المثال، تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ.. إما القبول بالانكشاف تحت مظلة إميركية غير موثوقة، أو محاولة بناء استقلال نسبي مكلف ومعقد. حتى الآن، ما تزال عالقة في المنتصف، عاجزة عن الحسم، وهو ما يفسر ارتباك سياساتها الخارجية وتناقض أولوياتها.
في الخلاصة؛ لا نشهد انهيار الهيمنة الأميركية، بل تحولها من هيمنة مقننة إلى هيمنة فجة. هذا التحول يضعف النظام الدولي بوصفه بنية مستقرة، ويزيد من احتمالات الفوضى الانتقالية. المنظمات الدولية لن تختفي، لكنها ستتحول، من أدوات تنظيم عالمي إلى ساحات صراع بين القوى، تفقد فيها حيادها المزعوم، وتغدو انعكاسًا مباشرًا لاختلال موازين القوة.
المرحلة المقبلة ليست ما بعد أميركا، بل ما بعد الوهم.. وهم النظام القائم على القواعد، وهم المنظمات المستقلة، وهم الهيمنة الأخلاقية...
العالم يدخل زمنا أكثر صراحة وأقل تزويقًا وتزيفًا، إذ تعود القوة لتتكلم بلغتها الأصلية، وتصبح القدرة على الصمود والتكيف أهم من الانتماء إلى نظام لم يعد قائما كما كان.