أوراق إعلامية

صحيفة واشنطن بوست تبدأ عملية تسريح واسعة

post-img

أبلغت صحيفة واشنطن بوست موظفيها، يوم امس الأربعاء، بأنها بدأت عملية تسريح واسعة من المقرر أن تُقلّص عدد الصحافيين في غرفة الأخبار بالمئات، ما يؤثر سلباً على تغطية الصحيفة للأخبار المحلية والدولية والرياضية. وقال رئيس التحرير، مات موراي، إن التقليص الكبير في عدد الموظفين جزء من "إعادة هيكلة استراتيجية شاملة".

تعتزم "واشنطن بوست" تسريح نحو 30% من إجمالي موظفيها، وفقاً لما نقلته "نيويورك تايمز" عن شخصين مطلعين على القرار. ويشمل ذلك موظفين في الأقسام الإدارية والتجارية، إضافة إلى أكثر من 300 صحافي من أصل نحو 800 يعملون في غرفة الأخبار، وفقاً للمصدر نفسه.

أفادت وكالة أسوشييتد برس بأن "واشنطن بوست" قررت إلغاء قسم الرياضة لديها بالكامل. ونقلت صحيفة ديلي مايل أن موراي بدأ المكالمة مع الموظفين قائلاً: "أولاً، سنغلق قسم الرياضة بشكله الحالي". وأوضح موراي أن الرياضة ستُغطَّى بدلاً من ذلك باعتبارها "ظاهرة ثقافية واجتماعية"، مع بقاء بعض الموظفين في مناصبهم ونقلهم إلى أقسام أخرى. وأفاد موقع فرونت أوفيس سبورتس بإلغاء قسم الكتب أيضاً، وتوقف بث بودكاست "بوست ريبورتس" اليومي.

كما قررت الصحيفة الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط، وفقاً لـ"فرانس برس". وكتب مدير برنامج سورية في معهد الشرق الأوسط، تشارلز ليستر، عبر منصة إكس، أن الصحيفة استغنت عن جميع الصحافيين العاملين في تغطية الشرق الأوسط، ووصف القرار بأنه "صادم وغير مفهوم على الإطلاق"، وأعرب عن أمله في أن تستقطبهم سريعاً مؤسسات إعلامية منافسة. ومن بين المراسلين الأجانب الذين طاولهم التسريح ليزي جونسون التي قالت إنها طُردت أثناء تغطيتها للأحداث من الخطوط الأمامية في أوكرانيا، وكتبت على منصة إكس: "أنا محطمة".

ونددت نقابة بوست غيلد التي تمثل موظفي الصحيفة بهذه العملية، وحذرت من أنه "لا يمكن تجريد غرفة الأخبار من جوهرها من دون عواقب على صدقيتها وتأثيرها ومستقبلها". وعبّر رئيس تحرير الصحيفة السابق مارتن بارون، وهو من الأسماء البارزة في الصحافة الأميركية، عن أسفه لعمليات الصرف الجماعي. وكتب عبر "فيسبوك": "هذا أحد أحلك أيام تاريخ الصحيفة"، وانتقد بشدة "محاولات جيف بيزوس المقيتة" لكسب ودّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً إياها "مثالاً واضحاً" على "التدمير الذاتي شبه الفوري لعلامة تجارية".

كان صحافيو "واشنطن بوست" تداولوا تقديرات منذ نهاية الشهر الماضي، تشير إلى احتمال فقدان أكثر من 100 وظيفة، أي نحو 10% من العاملين في غرفة الأخبار. وفي واحد من أول المؤشرات الملموسة على حجم الضغوط المالية، قررت الصحيفة، الشهر الماضي، عدم إرسال أي صحافي إلى إيطاليا لتغطية دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المقبلة. كانت "واشنطن بوست" ترسل عادة ما بين 10 و20 موظفاً من غرفة الأخبار لتغطية الألعاب الأولمبية، مع تخصيص موارد أكبر للألعاب الصيفية مقارنة بالشتوية. فعام 2024، على سبيل المثال، أرسلت 26 صحافياً لتغطية الألعاب الصيفية في باريس.

في هذا السياق، وجّه أعضاء قسم الشؤون الخارجية رسالة إلى مالك الصحيفة الملياردير جيف بيزوس، محذرين من أن يتعرض القسم لخفض واسع في عدد الصحافيين. ونشرت "نيويورك تايمز" الرسالة في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، ووقّع عليها نحو 60 صحافياً من أبرز العاملين في التغطية الدولية. وكتب الموقعون: "نحثّكم على التفكير في أن التسريحات المقترحة ستقودنا حتماً إلى فقدان التأثير والأهمية، لا إلى النجاح المشترك الذي لا يزال ممكناً". وأضافوا أنهم مستعدون لـ"إيجاد طرق لتقليل التكاليف أكثر" بالتعاون مع الإدارة، "مع الإبقاء على أكبر عدد ممكن من الوظائف".

قبل ذلك، وجّه أكثر من 400 موظف في "واشنطن بوست" رسالة إلى بيزوس في 13 يناير/كانون الثاني الحالي، طالبوه فيها بعقد اجتماع وسط قلق واسع بشأن مستقبل الصحيفة. وجاء في الرسالة: "نشعر بقلق بالغ إزاء قرارات القيادة الأخيرة التي دفعت القراء إلى التشكيك في نزاهة هذه المؤسسة، وكسرت تقاليد الشفافية، وأدت إلى مغادرة بعض من أكثر زملائنا تميزاً، مع توقع مزيد من المغادرات قريباً". وأشارت الرسالة، التي نشرتها "إن بي آر"، إلى أن هذه المخاوف لا تتعلق بقرار بيزوس وقف تأييد المرشحين للرئاسة الأميركية، وهو قرار وصفه الموقعون بأنه "من صلاحيات المالك"، بل بـ"الحفاظ على ميزتنا التنافسية، واستعادة الثقة التي فُقدت، وإعادة بناء علاقة مع القيادة تقوم على التواصل المفتوح".

تعاني "واشنطن بوست"، المعروفة بكشفها فضيحة ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ عام 1936، من أزمة مستمرة منذ سنوات. وخلال ولاية دونالد ترامب الأولى، حققت أداء جيداً نسبياً بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد. وخسرت نحو 100 مليون دولار عام 2024، وفق صحيفة وول ستريت جورنال. في خريف عام 2024، امتنعت "واشنطن بوست" عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترامب، على الرغم من أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترامب.

قدّمت الصحيفة برامج مغادرة طوعية للموظفين في عامي 2023 و2025، ونفّذت كذلك عمليات تسريح محددة استهدفت فرقاً بعينها. ففي خريف 2024، استغنت عن 54 موظفاً من القسم المسؤول عن تطوير برمجيات النشر الخاصة بها. وفي يناير/كانون الثاني 2025، سرّحت نحو 4% من العاملين، أي أقل من 100 شخص، ضمن استراتيجية قالت إنها تهدف إلى التكيّف مع متطلبات الصناعة وبناء مستقبل أكثر استدامة والوصول إلى الجمهور. ومع ذلك، بقيت غرفة الأخبار بمنأى عن التسريحات إلى حدّ كبير، رغم أن عدداً كبيراً من الصحافيين قبلوا برامج المغادرة الطوعية أو انتقلوا إلى وظائف أخرى أو مشاريع جديدة. وبوجه عام، غادر مئات الموظفين المؤسسة خلال السنوات الأخيرة.

وفي مفارقة لافتة، تزامنت هذه التسريحات مع إعلان صحيفة نيويورك تايمز في اليوم نفسه إضافة 1.4 مليون مشترك رقمي خلال عام 2025، من بينهم نحو 450 ألف مشترك في الربع الأخير وحده، لترتفع قاعدة مشتركيها الإجمالية إلى 12.78 مليون مشترك، ما يضعها على مسار تحقيق هدفها المعلن بالوصول إلى 15 مليون مشترك بحلول نهاية عام 2027. وأوضحت الصحيفة أن هذا النمو مرده جزئياً إطلاق اشتراكات عائلية في سبتمبر/أيلول الماضي، تتيح لما يصل إلى أربعة مستخدمين مشاركة حساب واحد، إضافة إلى استمرار توسّع الاشتراكات في خدمات متعددة إلى جانب الأخبار، تشمل الألعاب، ووصفات الطبخ، والتوصيات الاستهلاكية، والتغطية الرياضية. وبنهاية الربع الرابع من العام الماضي، كان أكثر من نصف المشتركين يدفعون مقابل الوصول إلى أكثر من خدمة واحدة.

ومالياً، سجلت "نيويورك تايمز" إيرادات فصلية بلغت 802.3 مليون دولار بزيادة سنوية قدرها 10.4%، وارتفع الربح التشغيلي المعدّل إلى 192.3 مليون دولار، فيما نمت إيرادات الاشتراكات الرقمية بنسبة 13.9% لتصل إلى 381.5 مليون دولار، وقفزت إيرادات الإعلانات الرقمية بنحو 25%. في المقابل، واصلت الاشتراكات الورقية التراجع، مع انخفاض عدد مشتركي النسخة المطبوعة إلى 570 ألفاً بنهاية 2025.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد