أوراق إعلامية

ورشة "إنقاذ" تلفزيون لبنان... إدارة جديدة وأسئلة مفتوحة

post-img

بعد سنوات طويلة من الشلل الإداري والتآكل المالي، يعود تلفزيون لبنان إلى واجهة النقاش الإعلامي بوصفه مؤسّسة رسمية تحاول، للمرّة الأولى منذ زمن، استعادة حدّ أدنى من حضورها ودورها العام. تعيين مجلس إدارة جديد برئاسة إليسار نداف في صيف 2025 لم يكن خطوة شكلية، بل فتح الباب أمام قرارات مؤجّلة وورش إصلاح طال انتظارها. غير أن هذا المسار، على أهميته، يجري وسط تحديات ثقيلة تتجاوز تحديث المبنى والبرامج، لتطاول جوهر المؤسسة: أوضاع العاملين، والتمويل، والقدرة الفعلية على تحويل الوعود إلى استدامة لا إلى حلقة جديدة في تاريخ الإنقاذ المؤقت.

شكّل تعيين إليسار نداف، التي تسلّمت مهامّها رسمياً في أغسطس/آب 2025، نقطة تحوّل إدارية أنهت شغوراً "أصيلاً" في مجلس إدارة تلفزيون لبنان استمرّ منذ عام 1999، وكان يشكّل عائقاً بنيوياً أمام اتخاذ قرارات أساسية وتنفيذ إجراءات مؤجّلة. هذا التطوّر، إلى جانب الاهتمام الرسمي المتزايد بالمؤسّسة، أتاح للتلفزيون استعادة حضور رمزي على الساحة العامة، تجلّى بإصرار رئاستَي الجمهورية والحكومة على منحه الإطلالات الأولى في استحقاقات وطنية مفصلية.

من بين الخطوات الأكثر تقدّماً في مسار إعادة التأهيل، تبرز رقمنة أرشيف تلفزيون لبنان، وهو مشروع بدأ في عهود وزراء إعلام سابقين، بينهم الوزير السابق زياد المكاري، ويجرى استكماله بدعم من مكتب "يونسكو" في بيروت ومؤسسة ألِف (التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق الصراع). وتُوّج هذا المسار بترشيح الأرشيف للانضمام إلى سجل "ذاكرة العالم" التابع لـ"يونسكو"، بالتوازي مع ورشة تأهيل يشهدها المبنى الرئيسي في الحازمية (الضاحية الجنوبية الشرقية لمدينة بيروت) لاستئناف البث من استديوهاته، إلى جانب توقيع اتفاقية لتعزيز حضور النساء في الإعلام والمشاركة العامة مع مؤسسة مهارات. في هذا السياق، من المقرّر أن تدعم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) تلفزيون لبنان في إنتاج محتوى موجّه للأطفال والشباب، يركّز على إبراز وجهات نظرهم وتعزيز مشاركتهم في الفضاء العام، مع الالتزام بمعايير الإعلام المراعي لقضايا الطفولة ضمن البرامج الوطنية.

في التفاصيل، يوضح عضو مجلس إدارة تلفزيون لبنان محمد نمر، أن المجلس الحالي "يجمع بين خبرات إعلامية وتقنية وإدارية"، ويشير إلى أن العمل انطلق بتنظيم فرق الإنتاج والمراسلين، وإطلاق ورش تقييم للواقع القائم، تمهيداً لوضع استراتيجية تشغيلية قصيرة وطويلة المدى للعملية الإنتاجية، من حيث الشكل والمضمون وآليات التنفيذ. ويرى نمر أن التلفزيون اجتاز في المرحلة الأخيرة "اختبارات كبرى"، من بينها تغطية زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت، وإجراء مقابلة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، فضلاً عن شراكات متعددة، وترشيح الأرشيف لسجل "ذاكرة العالم"، ويضيف أن المرحلة المقبلة ستشهد شراكات إضافية وتطويراً في الإنتاج وبرمجة برامج جديدة بدأت بالظهور على الهواء، بالتوازي مع العمل على تعزيز البنية التقنية للبث الرقمي وتحسين بيئة العمل للموظفين.

على صعيد التمويل، يوضح نمر أن الجزء الأكبر من موازنة تلفزيون لبنان لا يزال يأتي من الاعتمادات الرسمية للدولة اللبنانية، فيما يُغطّى الجزء الآخر عبر الشراكات والهبات والإعلانات. ويصف ما يجرى حالياً بأنه "مرحلة إنقاذ أولية"، ضمن خطة نهوض أوسع تشمل تحديث المعدات والبنية التحتية، والتدريب على أساليب الإنتاج الرقمي، وإعادة إطلاق البرامج الوطنية. ويؤكد نمر أن استعادة التلفزيون لمكانته التاريخية "تتطلب جهداً وتمويلاً كبيرَين وعلى مراحل"، مشدداً على أن التحدي الأساسي لا يقتصر على إطلاق مشاريع تطويرية، بل على ضمان استدامتها. ويشير في هذا السياق إلى حاجة التلفزيون إلى دعم إضافي لتحديث تقنياته واستديوهاته ووسائله، بما يسمح له بمواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية في المشهد الإعلامي.

في ما يتصل بوضع الموظفين، يقرّ نمر أنّهم شكّلوا خلال السنوات الماضية العمود الفقري لاستمرار تلفزيون لبنان، مؤكداً أنّ جهودهم حافظت على البث في أصعب الظروف. ويصف الاعتصامات والتوقفات التي شهدها التلفزيون في مراحل سابقة بأنّها "ردّة فعل طبيعية" على التهميش المالي والإداري الذي طاولهم، مشيراً إلى أن الإدارة الحالية تعمل على تحسين أوضاعهم تدريجياً، وفق معايير تشمل الأقدمية والشهادات والإنتاجية والخبرة المهنية، بما يضمن قدراً من الاستقرار الوظيفي واستدامة الأداء الإعلامي، رغم الإقرار بصعوبة المهمة.

في ما يتعلّق بمعلومات عن إقرار حدٍّ أدنى للأجور يناهز 300 دولار (نحو 27 مليون ليرة لبنانية)، وهو مبلغ لا يلامس نصف ما كان يتقاضاه الموظفون قبل الأزمة الاقتصادية عام 2019، يقول نمر، لـ"العربي الجديد"، إنّ هذه الخطوة "تمثّل، في حدّها الأدنى، بداية لتحسين الرواتب"، مع الإقرار بأنها لا تعكس القيمة المهنية ولا التاريخية للعاملين في تلفزيون لبنان، ويضيف أن أي زيادة لاحقة ستُنفَّذ تدريجياً، وفق معايير الأقدمية والخبرة والإنتاجية، على أن يصدر القرار الرسمي عن المديرة العامة ورئيسة مجلس الإدارة.

في المقابل، يترقّب موظفو تلفزيون لبنان ترجمة هذه المعطيات إلى قرارات تنفيذية واضحة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالرواتب، وسط أوضاع معيشية ضاغطة. وبحسب ما علمت "العربي الجديد"، فإن العاملين سمعوا بمسألة إقرار الحدّ الأدنى للأجور، لكنهم ينتظرون اجتماعاً مرتقباً لمجلس الإدارة خلال الأسبوع الحالي لحسم الملف، آملين أن يبدأ تنفيذ القرار فعلياً، في ظل قناعة سائدة بينهم بأن الرواتب تشكّل خطاً أحمر، وأن أي تأخير في صرفها ينعكس مباشرة على أوضاعهم المعيشية وعلى أدائهم المهني داخل المؤسسة.

من جهته، يرى وزير الإعلام السابق، زياد المكاري، أن تعيين مجلس إدارة جديد بعد شغور طويل يُعدّ خطوة "ضرورية وإيجابية"، لأنه يسهّل العمل الإداري ومسار القرارات، ولا سيّما في ظل وجود حكومة كاملة الصلاحيات. غير أنه يلفت إلى أن هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تترافق مع إدخال عناصر شابة وضخ دم جديد داخل المؤسسة، لمواكبة التحوّلات السريعة في المهنة. ويشدّد المكاري على أن التمويل يبقى شرطاً أساسياً لاستعادة الحضور، سواء لتحديث المعدات التقنية أو لإنتاج البرامج والمسلسلات، مشيراً إلى أن مشاريع كانت قيد التحضير خلال ولايته، بينها إنشاء مديرية إنتاج وتعزيز الحضور على المنصّات الرقمية، توقفت بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

بدورها، تعتبر رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، أنّ أيّ تحسينات تُطرح داخل تلفزيون لبنان تبقى منقوصة ما لم تُترجم بحلول جذرية، في مقدّمها إنصاف العاملين وتحسين رواتبهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وتشدد مفرّج على أن ضخ جيل جديد من الإعلاميين والاستثمار في الطاقة البشرية لا يقلّ أهمية عن التحديث التقني، معتبرة أنّ اعتماد الكفاءة والمهنية واحترام أخلاقيات المهنة يجب أن يشكّل الأساس في أي عملية توظيف أو تطوير، حتى يتمكّن التلفزيون من أداء دوره باعتباره مؤسسة عامة ناطقة باسم المجتمع لا السلطة، وقادرة على تحقيق التوازن.

في هذا الإطار، ترى أوساط مهنية متابعة أنّ الرهان على استعادة تلفزيون لبنان لا يقوم على منافسة القنوات التجارية بقدر ما يتصل بإعادة تثبيت دوره مرفقاً إعلامياً عاماً، يوفّر مساحة متوازنة للنقاش السياسي، ويقدّم محتوى ثقافياً وبرامج تحاكي هموم المجتمع وتنوّعه. ويُنظر إلى هذا الدور بوصفه وظيفة عامة تتقدّم فيها المصداقية والتوازن على منطق السوق والسباق على نسب المشاهدة.

على مستوى البرمجة، بدأ تلفزيون لبنان خلال الفترة الأخيرة بثّ مجموعة من البرامج الجديدة، تشمل برامج حوارية من بينها "حوارات السراي"، فضلاً عن برنامج شبابي يُنتج بالتعاون مع جهات أممية. ووفقا لنمر، يجري الاستعداد لبرنامج انتخابي بعنوان "برلمان 2026" لمواكبة الاستحقاق النيابي المقبل، إلى جانب برامج خاصة بشهر رمضان، وكذلك مشروع درامي قيد الإعداد، في إطار توجّه يركّز على تعزيز الإنتاج الداخلي وترسيخ الهوية الوطنية للتلفزيون، مع خطط لبرامج ومسلسلات أخرى تُعلن تباعاً. وكشف نمر عن بدء مفاوضات مع الجهات المعنية لنقل مباريات كأس العالم لكرة القدم مجاناً عبر الشاشة الرسمية، في خطوة، إذا ما أُنجزت، من شأنها إعادة التلفزيون إلى قلب الحدث الجماهيري وتكريس دوره خدمة عامة متاحة لجميع المواطنين. ويفيد بأن المفاوضات لا تزال قائمة، وسط أجواء وُصفت بالإيجابية، من دون تحديد موعد نهائي للإعلان عن أي اتفاق.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد