آيات عبد المنعم/ صحفية
مع أنَّ مبادرة "يلا عالجنوب"([1]) متواضعة في مهدها، لكنَّها تنمو مع الأيام، وتثبت لنا عند كل فعالية، أنَّها تُخبأ في جعبتها أحلامًا بحجم الوطن، وتحاول أن تخيط بإبرتها الصغيرة الثقوب المناطقيّة التي نجمت عن الحروب الأهلية، وخلقت حالًا من التشظي بين أبناء الوطن الواحد.
في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أقامت مبادرة "يلا عالجنوب" رحلة سياحية إلى الجنوب، محاولةً كسر العزلة المفروضة، وإعادة وصل ما انقطع بين الناس والمكان، وبين المواطنين وواجبهم المعنوي إزاء منطقة لطالما دفعت أثمانًا باهظة. شارك فيها عدد من الشبان والصبايا من مختلف المناطق اللبنانية، بيروت وجبيل وغيرهما، زاروا الجنوب في جولة ميدانية أطلعوا فيها على حجم آثار الدمار الذي خلفته حرب العدو الإسرائيلي العدوانية الشرسة، وتعرّفوا القرى، وتسوّقوا من أسواق النبطية وجوارها لشراء مستلزمات العيدـ وغيرها من الحاجات؛ حيث قضى المشاركون يومًا كاملًا في مدينة النبطية في أجواء الأعياد.
هذه المرّة مبادرة "يلا عالجنوب" حملت بعضًا من الجنوب ليزور العاصمة بيروت، ونظمت فعالية لعرض بعض المنتجات المحليّة من قرى الجنوب وبيعها لأهل بيروت.. وكأنَّها قبضت قبضةً من تراب الجنوب الطاهر الصامد، والذي سقاه أهلهُ مرتين، مرّةً بدمائهم عندما يقاومون العدوان، وأخرى بدموعهم وعرقِ سواعدهم حينما يزرعون الأرض.
الفعالية كانت على مدار يومين (14/13 شباط )2026، عرضت فيها المنتجات الجنوبيّة، وعملت على تسويقها في بيروت. استضاف هذه الفعالية مقهى "تحت الشجرة"([2]) في منطقة الحمراء. أتاحت الفعالية للزوار تعرف منتجات المؤونة التقليدية والحرفية التي يصنعها أهالي الجنوب، في لقاء يجمع بين التضامن الاجتماعي وتشجيع الاقتصاد المحلي، ضمن أجواء مفتوحة للعائلات والمهتمين.
من حضرَ تلك الفعالية؛ رأى كيف كانت المنتجات الجنوبيّة معروضة في كنف مقهى "تحت الشجرة" مرصوصة بمنتهى الفن والذوق والحبّ، على طاولات عريضة حوت المُربيات بأنواعها، الكبيس والزعتر الجنوبي ودبس الرمان وزيت الزيتون وغيرها، تصدرت واجهة المقهى الذي يحوي بداخلهِ زاويتين واحدة تتسع لأنواع الخمور، وأخرى للكتب، ما يجعل الزائر يرسم في مخيلتهِ لوحة فسيفساء بهيّة تحمل أطياف الوطن اللبناني كله، بمختلف مشاربهِ، ويستنشق في لحظة واحدة نسيمًا جنوبيًا بيروتيًا مُعتقًا، تضمهُ جدران مقهى "تحت الشجرة" في قلب العاصمة بيروت.
كواليس الفعالية وحوار مع أحد المنظمين
نستطيع أن نلمس الجهد الكبير المبذول من فريق مبادرة "يلا عالجنوب"، حين أجرى "موقع أوراق" حوارًا مع الصحافي المخضرم خليل حرب، وهو أحد منظمي المبادرة لمعرفة بعض كواليس هذه الفعالية.
الحديث مع الصحافي حرب يحمل شجون الوطن وآهاته. لكن ما يُثير دهشة المُتلقي الأمل العنيد الذي ينبثق من بين أنفاس كلماتهِ، يتجلى في العمل الدؤوب الذي يمارسه على أرض الواقع. لم يترك نفسه، بصفته كاتبًا وصحفيًا أسيرًا للكلمة التي تُخاطب النخبة فحسب، لقد انخرط مع مجموعة من الأصدقاء.. تارةً يُنظم مسيرات تضامنية وطنية؛ تحمل صور جرحى البيجر أو الأسرى اللبنانين، وتارةً أخرى يخطو بخطىٰ ثابتة نحو مبادرة "يلا عالجنوب"، لا يمل ولا يكل.
إن سألته ما جدوى كلّ ما تفعل؟! يندفع بكلِّ ثقة، ليقول: "يكفيني رؤية سيدة ترفع صورة ابنها الأسير، في تظاهرة أقمناها في منطقة الحمراء من مدة، تتحدث للإعلام، وتقول: فؤجئت لرؤيتي أناسًا هنا يفكرون بنا ويتضامنون معنا!".. كلامها هذا أفرحني جدًا؛ مع أن الأمر يفترض أن يكون بديهيًا وطبيعيًا وإنسانيًا حين يتضامن أبناء البلد الواحد مع بعضهم البعض!"
هذه الحكاية التي رواها "حرب"، وهو يعبر عن تأثره بكلمات الأم الثكلى، تختزل جهدًا كثيرًا بذله الفلاسفة الذين دونوا نظرياتهم ورؤاهم السياسية، وجعلوا بناء الدولة يُحاكي جسد الإنسان الواحد، وأي خلل أو عطب يُصيب جزءًا منه تتداعى أثاره السلبية على الأجزاء الأخرى.. ولبنان، اليوم، يعاني خطرًا وجوديًا جراء صراعه التاريخي مع الكيان الإسرائيلي الغاصب.
عبر الصحافي خليل حرب عن مدى سعادته وراحة ضميره في مشاركته للقيام بمبادرة "يلا عالجنوب". أكدّ أنّ التعاون القائم بين الأعضاء المتطوعين هو أهم أسباب نجاح هذه الفعالية، حين تضافرت جهود مجموعة من الشبان والصبايا في بوتقة "يلا عالجنوب" لإخراج العمل في أبهى حُلَّة.
سرد لــ"موقع أوراق" بعض تفاصيل الفعالية، فقد قُسّمت المهام بين الأعضاء، منهم من سافر إلى الجنوب لجلب المُنتجات، فأعتمد فريق المبادرة على علاقاتهم الإنسانية التي وُطدت في رحلة سابقة لهم كانت الأولى إلى الجنوب؛ فتواصلوا مع المعنيين لمعرفة الأهالي الذين يصنعون أجود المنتجات. عرف الفريق أنَّ هناك معارض جنوبية تُقام في مدينة النبطية وغيرها لعرض تلك المُنتجات، فقاموا بزيارتها وتواصلوا مع القائمين عليها، واشتروا مجموعة من المنتجات المحلية، ثم نقلوها إلى قلب العاصمة بيروت. بعد أن وصلت المُنتجات إلى مقهى "تحت الشجرة"؛ تولى الفريق تقسيم المسؤوليات الأخرى في الفعالية من تنظيم وتسويق وحسابات. لذلك هذه الفعالية هي ثمرة قلوب وفيّة لجراح الجنوب الذي ما يزال ينزف إلى الآن، آمنت بالوطن الواحد، تعاونت في ما بينها؛ لتصنع جسر محبة كرمىٰ لعيون أهل الجنوب الصامدين في أرضهم، محاولين تعزيزه بهذه المبادرة الصغيرة حجمًا، والكبيرة أثرًا في وجدان أهل الجنوب.
"إذ إن خطر العدوان لا يهدد منطقة دون أخرى"، لعل كلمات الصحافي خليل حرب هذه، تُلخص المشهد وأهداف "مبادرة يلا عالجنوب": «الخبر السيء أن بلدنا ليس بخير، لكن الخبر الجيد إنكم أنتم أهل الجنوب هنا في قلب بيروت.. كل شخص أتى إلى هذه الفعالية واشترى مما تعرضه من مؤنة صنيعة يد الجنوبيين أراد القول إن لبنان يستحق أن يكون الجنوب جزءًا أساسيًا منه. إذ مهما كانت الفعالية متواضعة، فهي كبيرة في حجم المسؤولية التي شعر فيها كل من أتى وشارك.. فالتبرعات مسؤولية كبيرة، وأفكار الدعم كثيرة، وسنعمل على تطبيقها".
حين سألنا "حرب" أين نصيب البقاع من تلك المبادرة؟ أكدّ أن اختيار عنوان "يلا عالجنوب" له دلالة رمزية، لا تنحصر بالجغرافيا. الجنوب هو نقطة انطلاق لدعم جراح المواطنين اللبنانين أينما كانوا". كما شدد على أن : "التضامن لا يقتصر على المواقف السياسية أو البيانات، يتجسد ايضًا في خطوات عملية وملموسة، ولو كانت صغيرة.. في زيارة وشراء وكلمة، ووجود فعلي على الأرض، قد تكون أبلغ من أي خطاب. من هنا، تأتي الدعوة إلى دعم الفكرة عبر التواصل الشخصي مع من قد يكون مهتمًا بالمشاركة أو التبرع. مبادرة "يلا عالجنوب" متواضعة في حجمها، لكنها تحمل رسالة واضحة بأنّ الجنوب ليس وحده، وما يجري فيه يعني الجميع، والاقتراب منه اليوم هو فعل مسؤولية قبل أن يكون فعل تضامن".
[1]- الصفحة الرسمية لمبادرة "يلا عالجنوب" على موقع الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/1DCCnPQBQP/
[2]- مقهى "تحت الشجرة" هو مساحة اجتماعية ومطعم يقدم المأكولات اللبنانية، يقع في منطقة الحمرا في شارع جان دارك (Jeanne D'Arc) بناية خوري في بيروت، يتميز المقهى باستضافة فعاليات ثقافية وفنية ومبادرات تضامنية لدعم المنتجين المحليين، ويشتهر بأجوائه التراثية.